في شهر رمضان.. كيف تكون ممن شملهم الله برحمته؟

الجمعة، 10 مايو 2019 11:45 ص
في ثلث الرحمة من رمضان


يمتلئ شهر رمضان بالرحمات ويفيض الخير، وتعم البركة، وتنزل المغفرة، ويحظى السعيد الذي يشغل نفسه خلال هذا الشهر بالعبادة بالعتق من النار والفوز بالجنة، وتستنهض في رمضان الهمم؛ فتقبل النفوس على كتاب الله قراءةً وتدبرًا لمعانيه، وتزداد فيه عمارة بيوت الله بالذكر والحرص على الجماعات، وعلى قيام الليل بركعات قليلة.

وتأتي الرحمة حينما تروي النفوس فيه ظمأها بالنهل من معين القرآن الكريم؛ بترتيله والخشوع في صلاة القيام التي تفوح كالنسمات الباردة العطرة لتزين ليالي هذا الشهر المبارك، ولتنساب هذه النسمات الشذية إلى ثنايا الأرواح المؤمنة.

وحينما نتأمل بعض الآيات القرآنية والأدعية التي يتكرر ذكرها في صلاة الوتر من صلاة القيام، سنشعر بأن لكل آية من هذه الآيات طائفة مختلفة من المشاعر، تجعل المرء يحدث ذاته من خلال تأمل معانيها، وبعض هذه الآيات يؤكد مفاهيم عقدية أصيلة، ويزيدها في النفس رسوخًا؛ قال -تعالى-: قَدْ أَفلَحَ مَنْ تَزَكَّى [الأعلى:14].

تخبر الآية الكريمة من سورة الأعلى بطريق الفلاح وهو إصلاح النفس وتزكيتها وتطهيرها، وكل من حاد عن درب التزكية بعد عن غاية الفلاح والنجاح، وقد يفوته إن لم يعد إلى الحق ويسرع السير بخطوات التوبة والاستغفار، ويحث مطيته بسوط الحسرة والندم.

ويقول الله سبحانه وتعالى: "بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا ۝ وَالآخِرَةُ خَيرٌ وَأَبْقَى" [الأعلى: 16،17].
فتدل الآيات على عجلة الإنسان والنظر تحت أقدامه فقط فكيف يفضل دنيا فانيةً زائلة على نعيم الأخرة، الذي فيه ما لا أذن تسمع ولم تره عين، ولم يخطر على قلب بشر؟! كيف يكون عاقلاً من باع نعيم الخلود بشهوة ساعة؟!.

وقال -جل شأنه-: سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى ۝ وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى [الأعلى: 10، 11]؛ ونحن نتعلم من هاتين الآيتين أن أهل الخشية لله -عز وجل- هم أهل التذكرة والاتعاظ بآيات الله ووحيه، فإن وجدنا أن الذكرى قد قلت أو غابت عن قلوبنا علمنا يقينًا بأن خشيتنا لله تحتاج إلى إصلاح وزيادة.

ويذكرنا شهر رمضان في الثلث الأول بمفهوم إيماني وعقدي لا بد أن يكون راسخًا في قلوبنا كالجبال الرواسي، لا تهزه شبهة ولا تحركه شهوة، أن الإيمان هو الطريق لهذه الرحمة، ثم يأتي بعده العمل.

ولم يكن أدل عمل خير من العمل في شهر رمضان الذي تعد فيه العشرة بعشر أمثالها وقراءة حرف واحد من القرآن تعدل عشر حسنات، فضلاً عن الصيام الذي جعله الله سبحانه وتعالى سرا بينه وبين عبده الذي ترك طعامه وشرابه من أجل الله.

مراتب الصيام

قسم الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله في كتابه (إحياء علوم الدين) الصيام إلى ثلاث مراتب:

أولاً: صوم العموم:

وهو كفّ البطن والفرج عن الشهوات فقط دون أن تصوم الجوارح والقلب، فترى صاحب هذه المرتبة يصوم عن المباحات وربما يقع في المحرمات من النظر إلى ما حرم الله والغيبة والنميمة والكذب وقول الزور وغيرها من الآثام.

ويخشى أصحاب هذه المرتبة أن يدخلوا تحت حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله  قال: رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ ، وفي رواية أخرى: رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ .

فمن لم تصم جوارحه قبل بطنه وفرجه فليس لله حاجة في صومه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ".

ثانياً: صوم الخصوص:

وهو كفّ البطن والفرج عن الشهوات، وكذلك كف النظر واللسان واليد والرِّجل والسمع والبصر وسائر الجوارح عن الآثام والمعاصي.

 ثالثًا: صوم خصوص الخصوص:

وهو كف البطن والفرج عن الشهوات، وكف الجوارح عن الآثام والمعاصي، وصوم القلب عن الهمم الدنيئة، والأفكار المُبعِدَة عن الله تعالى، وكَفّهُ عما سوى الله تعالى بالكُليّة، وهذه أعلى مرتبة ينبغي على كل مسلم أن يحرص على تحقيقها.

اضافة تعليق