ما تزرعه في أطفالك في رمضان حتمًا ستحصده.. "بضاعتك ردت إليك"

الأربعاء، 08 مايو 2019 12:00 م
القدوة في رمضان مع أطفالك


اجعل لبيتك نصيبًا من صلاتك، تركع فيركع طفلك الصغير الذي ربما لا يتجاوز عمره العام الواحد، تسجد فيسجد، وقتها سيتبين لك أن بضاعتك ردت إليك، إما خيرًا حينما تصلي وتصوم وتفعل الخير، وتبتعد عن المنكر، وإما شرًا بشر، إذا كنت تعوق والديك أو تدخن السجائر في البيت، أو تقوم بالتلفظ بأي لفظ من الألفاظ النابية، لتجد الأمر في نهايته يلخصه قول الله تعالى ط ومن يعمل مثقال ذرة خير يره ومن يعمل مثقال ذرة شر يره".

فالقدوة هي المعيار الأول والأخير في رسم مستقبل طفلك، ومع قدوم شهر رمضان المبارك تتحدد القدوة بشكل كبير من خلال الالتزام بالصيام في نهار رمضان والصلاة على أوقاتها وقراءة القرآن، فيكون هذا الشهر هو الفرصة التي تجتمع فيها الأسر المسلمة على الخير، ويقلد فيها الأبناء آبائهم، خاصة حينما يصحطبونهم معهم إلى المسجد في صلاة التراويح، ويقرأون معهم القرآن فينطبع ذلك بالضرورة على الأطفال، وتصبح العادة التي ينشئون عليها في الوقت الحاضر، عبادة في المستقبل والتزام.

وكثير من الأفكار والقيم والسلوكيات تنتقل إلى الآخرين عن طريق القدوات فالإنسان بطبعه ميال للتقليد والمحاكاة، ولا سيما في مراحل حياته الأولى، ولذا يقول المختصون إن سبعين بالمائة من المهارات والمعلومات التي يكسبها الطفل تكون من خلال التقليد والمحاكاة، ومن هنا ندرك أهمية القدوة إن كانت صالحة، وخطورتها إن لم تكن كذلك.

ورأى عمر رضي الله عنه الذي دائمًا ماكان يحث العلماء والمسلمين على أن يكونوا قدوة للناس بأعمالهم قبل أقوالهم، رأى ذات يوم على طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه ثوبًا مصبوغًا وهو محرم، فقال: ما هذا الثوب المصبوغ يا طلحة؟ فقال طلحة: يا أمير المؤمنين، إنما هو مدر، فقال عمر: إنكم أيها الرهط أئمة يقتدي بكم الناس، فلو أن رجلاً جاهلاً رأى هذا الثوب لقال: إن طلحة بن عبيد الله قد كان يلبس الثياب المصبغة في الإحرام.

فكان عمر رضي الله عنه، يشدد على العلماء والمسلمين في أمور لا يشدد فيها على غيرهم ، لكونهم "قدوة"، كما كان يشدد على أهل بيته وأقاربه أن يكونوا أول الممتثلين لما يأمر به الناس، وأن يكون أول المنتهين عما ينهى عنه الناس.

فكان عمر إِذَا نَهَى النَّاسَ عَنْ شَيْءٍ دَخَلَ إِلَى أَهْلِهِ وجمعهم، فَقَالَ: "إِنِّي  نَهَيْتُ عَنْ كَذَا وَكَذَا ، وَالنَّاسُ إِنَّمَا يَنْظُرُونَ إِلَيْكُمْ نَظَرَ الطَّيْرِ إِلَى اللَّحْمِ ، فَإِنْ وَقَعْتُمْ وَقَعُوا ، وَإِنْ هِبْتُمْ هَابُوا ، وَإِنِّي وَاللَّهِ لا أُوتَى بِرَجُلٍ مِنْكُمْ وَقَعَ فِي شَيْءٍ مِمَّا نَهَيْتُ عَنْهُ النَّاسَ ، إِلا أَضْعَفْتُ لَهُ الْعُقُوبَةَ لِمَكَانِهِ مِنِّي ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيَتَقَدَّمْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَتَأَخَّرْ".

فالقدوة هي أن تكون مثالاً حسنًا يحتذي بك فيه أطفالك، فلا يليق بك ما قد يليق بغيرك من الناس، لذلك يجب أن يكون الإنسان حذرًا في كل أفعاله، حتى يكون قدوة حسنة أمام أطفاله.

وقال البيهقي في السنن الكبرى عن الأوزاعي أنه قال: كُنَّا نَضْحَكُ وَنَمْزَح؛ فَلَمَّا صِرْنَا يُقْتَدَى بِنَا؛ خَشِيتُ أَنْ لاَ يَسَعَنَا التَّبَسُّم”، وذكر عن الثوري قال: "لَوْ صُلحَ الْقُرَّاءُ لَصُلحَ النَّاسُ".

وكان الإمام أحمد بن حنبل بإمكانه أن يأخذ بالرخصة ويقول للمأمون ما يريد، فهو قد أكره بالسياط وقلبه مطمئن بالإيمان، لكنه إمام يقتدى به والناس ينظرون إلى ثباته ليثبتوا معه، ولو ترخص لربما افتتن منهم الكثير، ولذا أوصاه صاحبه محمد بن نوح قائلاً: "أنت رجل يُقتدى به، وقد مدَّ الخلق أعناقهم إليك لما يكون منك؛ فاتقِ الله واثبت لأمر الله".

وزارت صفية النبي صلى الله عليه وسلم في معتكفه ليلاً، فخرج يودعها فمر رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي -صلى الله عليه وسلم- أسرعا، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "على رسلكما، إنها صفية بنت حيي”، فقالا: سبحان الله يا رسول الله!، فقال: “إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يَقذف في قلوبكما سوءًا". متفق عليه.

ويقول الإمام الخطابي: "في هذا الحديث من العلم استحباب أن يحذر الإنسان من كل أمر من المكروه مما تجري به الظنون، ويخطر بالقلوب، وأن يطلب السلامة من الناس بإظهار البراءَة من الريب".
 
وضرب الله سبحانه وتعالى الكثير من الأمثال في أهمية القدوة الحسنة، فيقول الحق سبحانه: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} يوسف (111)، ويقول سبحانه: {أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} الأنعام (90).

كما أن النبي صلى الله عليه وسلم يجد مواقف مختلفة تؤكد هذا المعنى وتجليه، فالقدوة من أهم الوسائل المؤثرة والفعل أبلغ في إفهام المتلقين من القول المجرد؛ لاختلاف أفهام الناس وتفاوت عقولهم في مدى استيعاب الكلام وفهمه، فلوا حُدثوا بحديث لأخذ كل منهم بحسب فهمه، وقد يفهمه على غير المراد، لكن حين يرى المرء مواقف وأفعالا، فإنه يدركها تمام الإدراك ويتأثر بها ويسهل عليه محاكاتها والتأسي بها.

وقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم في مواقف كثيرة على أن يُري الصحابة أفعالاً لا أقوالا مجردة ولا سيما حين تدعو الحاجة إلى سرعة الامتثال وترسيخ المعنى.

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أن رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، اصْطَنَعَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ وَكَانَ فَصُّهُ مِنْ دَاخِلٍ إِذَا لَبِسَهُ، فصنع النَّاس خَوَاتِمَ مثله، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَنَزَعَ خَاتَمَهُ، وَقَالَ: «كُنْتُ أَلْبَسُ هَذَا الْخَاتَمَ، فَلَمَّا رَأَيْتُمُونِي صَنَعْتُ هَذِهِ الْحَلْقَةَ صَنَعْتُمُوهَا»، فَقَالَ: «لَا أَلْبَسُهُ أَبَدًا»، فَنَبَذَ رَسُولُ اللَّهِ الْخَاتَمَ، فَنَبَذَ النَّاسُ خَوَاتِمَهُمْ. والحديث أصله في الصحيحين.

وكان صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه: "صلوا كما رأيتموني أصلي” وصلى على مكان مرتفع يوما وقال: “أيُّها الناسُ إِنما صنعتُ هذا لِتأتَمُّوا بي، ولِتَعلَّموا صَلاتي” كما في البخاري. وكان يقول صلى الله عليه وسلم: “خذوا عني مناسككم"، وقد حج راكبًا ليرى الناس أفعاله ولا يخفى عليهم منها شيء.

وكان في سفر ومعه أصحابه فشق عليهم الصوم، فدعا رسول – صلى الله عليه وسلم – بإناء فيه ماء، فشرب -وهو على راحلته- والناس ينظرون إليه فأفطروا لما رأوه.

وعن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، فَمَرَرْنَا بِنَهَرٍ فِيهِ مَاءٌ مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ، وَالْقَوْمُ صِيَامٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” اشْرَبُوا “، فَلَمْ يَشْرَبْ أَحَدٌ فَشَرِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَرِبَ الْقَوْمُ.

وفي قصة الحديبية حينما أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- الصحابة بالتحلل بعد أن تم الصلح، أمرهم ثلاثاً أن ينحروا ويحلقوا، فلم يفعلوا، فغضب النبي -صلى الله عليه وسلم-، ودخل على أم سلمة فقالت: ما لي أراك غاضباً، أغضب الله من أغضبك؟ قال: وما لي لا أغضب وأنا آمر الأمر فلا يؤتمر به، قالت: وما ذاك؟ قال: تصالحنا مع القوم، وانتهت العمرة، وأمرتهم أن ينحروا ويتحللوا فلم يتحلل أحد قالت فأشارت عليه أم سلمة رضي الله عنها قائلة خذ المدية، واخرج على الناس ولا تكلمن أحًدً، واعمد إلى هديك فانحره، ثم ادع الحلاق واحلق شعرك، ففعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فلما رأى الصحابة رضي الله عنهم ما فعل، بادروا إلى الحلاق حتى كادوا يقتتلون على الحلاقة.

أثرة القدوة

ويعد العمل صاحب الأثر الكبير في القدوة الحسنة، فقد لا يترك الكلام أثرًا على الشخص مهما طلب منه التحلي بالفضائل والإقبال عليها ولا سيما إذا كان الآمر لا يتحلى بما يقول ولا يأتي ما يأمر به كمن يؤدب أبناءه على ترك الكذب وهو يكذب أمامهم، أو ينصحهم بعدم التدخين وهو يدخن، فلن يستجيبوا؛ لأن ما يرونه أبلغ في التأثير عليهم مما يسمعون منه. 

ولذا قال شعيب على السلام لقومه: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} هود (88).

اضافة تعليق