حتى لا تكون مثارًا للشبهات.. موقف للنبي يعلمك الابتعاد عن الريبة والاستبراء للعرض

السبت، 04 مايو 2019 02:14 م
كيف يجري الشيطان من ابن آدم مجرى الدم


يجري الشيطان من الإنسان مجرى الدم، وكثيرًا ما يتعجل في الظن السيئ، وإلقاء الشبهات حول أصحابه، حتى ولو لم يجد قرينة على اتهاماتها وظنه السيئ الذي يقذف به غيره.

لذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان يفطن لهذا، ويعرف أن درء الشبهات ضروري حتى لا يقع في قلب المؤمنين شيء.

ومن بين المواقف التي تعرض لها النبي صلى الله عليه وسلم نفسه، عن صفية بنت حيي رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- معتكفًا، فأتيته أزوره ليلاً فحدّثته، ثم قمتُ فانقلبت، فقام معي ليقلبني -وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد.
  
وعن صفية بنت حيي رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- معتكفاً، فأتيته أزوره ليلاً فحدّثته، ثم قمتُ فانقلبت، فقام معي ليقلبني -وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد رضي الله عنهما-، فمر رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي -صلى الله عليه وسلم- أسرعا، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( على رسلكما، إنها صفية بنت حيي ) ، فقالا: سبحان الله يا رسول الله!، فقال: (إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يَقذف في قلوبكما سوءا -أو قال شيئا- ) ". متفق عليه، واللفظ للبخاري .

ومن هذا الموقف النبوي، يتضح أن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وجعل بعض العلماء اللفظ على ظاهره، وأن الله تعالى جعل للشيطان قوة وقدرة على الجري في باطن الإنسان مجاري دمه.

وصادف الموقف النبوي المذكور اعتكاف النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي الأخيرة من رمضان.

 فلم يكن النبي –صلى الله عليه وسلم- في شهرٍ من الشهور أكثر إقبالاً على الطاعة، ولا جوادًا بالخير، ولا تفيّؤًا في ظلال الذكر، من شهر رمضان، وكيف لا يكون حاله كذلك وهو شهر تفتّح فيه أبواب الجنّة؟ وتغلق فيه أبواب النار؟ ويكثر فيه العتقاء من النار؟.

ولتحقيق هذه المكاسب الأخرويّة، اختار النبي –صلى الله عليه وسلم- أن يعتكف في مسجده، في عزلةٍ شعوريّةٍ تمنحه تفرّغاً أكبر للعبادة والمناجاة والاستغراق فيهما، في ضيافة بيت من بيوت الله عزّ وجل.

ويقول العلماء إن هذا الانقطاع التعبّدي الذي كان النبي –صلى الله عليه وسلم- يقوم به، ليس من جنس الرهبانيّة الأولى، التي ابتدعها أهل الكتاب من عند أنفسهم، ولكنّه تخفّف من الدنيا وملهياتها، تخفّف لا يحرّم الكلام أو يمنع المباح، ولكن يُعطي مجالاً للحديث مع الآخرين في شؤون دينهم ودنياهم، ولذلك كانت زوجاته عليه الصلاة والسلام يقمنَ بزيارته في معتكفه بين الحين والآخر.

ويروى أن صفيّة بنت حيّي رضي الله قدمت عنها إلى النبي –صلى الله عليه وسلم- في المسجد لتحدّثه حول بعض شؤونها، فكان أن لبّى النبي عليه الصلاة والسلام حاجتها إلى الحديث ورغبتها في الزيارة ولم يعاجلها حتى أوغل الليل واشتدّت ظلمته.

ومع رهبة الليل، خصوصًا إذا ما تعلّق الأمر بالنساء ورقّتهنّ، ما جعل النبي –صلى الله عليه وسلم-  يقرّر أن يرافق زوجته في طريق العودة حتى لا يساورها الخوف أو يخالجها الفزع، فخرج عليه الصلاة والسلام معها حتى يوصلها إلى البيت الذي تسكن فيه، وهي دار أسامة بن زيد رضي الله عنهما.

وفي هذه الأثناء، كان هناك رجلان من الصحابة يمرّان بالطريق الذي قصده الرسول–صلى الله عليه وسلم – وصفيّة ، فأبصرا النبي عليه الصلاة والسلام ومعه امرأة متّشحة بالسواد، فاستحيا وأسرعا مبتعدين، ولم يدر في تفكيرهما أي خاطر من أي نوع.

لكن النبي –صلى الله عليه وسلم العالم بمكائد الشيطان وحبائله، خشي من الوسواس الخنّاس أن يزرع في قلوبهما ريبةً أو شكًّا، أو أن يمور في نفوسهما شيء من ذلك –ولو كان خاطرًا عابرًا -، وسوء الظنّ بالأنبياء كفر.

وقطعًا لدابر الفكرة بادر النبي –صلى الله عليه وسلم – بقوله : (على رسلكما، إنها صفية بنت حيي)، وفي رواية: ( تعاليا، إنها صفية بنت حيي).

فتملك الذهول الرجلين، وهتفا على الفور: "سبحان الله!"، تنزيهًا لله أن يقع نبيّه في ما يشين وهو الطاهر المطهّر، ونفيًا قاطعًا أن يكون قد خطر على البال من أمثال تلك الواردات السيئة والظنون الرّديئة.

ولكن الدرس الذي أراد النبي –صلى الله عليه وسلم- أن يعلّمه أصحابه عن طبيعة  عدوّهم، اللصيق بهم أينما كانوا وحيثما حلّوا: ( إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم ) .

وأوضح بعض العلماء، أن شعار الموقف النبوي العظيم هو الاستبراء للعرض وعدم الوقوف في مواقف الريبة؛ حتى يقطع دابر الفتنة، ويحمي المسلم سمعته أن تلحق بها تهمة؛ ذلك أن الخواطر تبدأ فكرةً، ثم لا يلبث اللسان أن يبوح بها لقريب أو صديق، ومع مرور الوقت تتناقل الألسنة قالة السوء، ليوصم صاحبها بما هو بريء منه ولا حيلة له في دفعه، فتضيع الثقة وتشوّه السمعة.

وأوضح النبي صلى الله عليه وسلم في هذا البعد الأخلاقي من خلال ما أمر به صلى الله عليه وسلم، بالتفرقة بين عقبة بن الحارث رضي الله عنه وزوجه عندما ادّعت عجوز أنها قامت بإرضاعهما معاً، وبالتالي فهما أخوان من الرضاعة، وعندما قال عقبة رضي الله عنه للنبي عليه الصلاة والسلام : "يا رسول الله، ما صدقت "، فكان جوابه عليه الصلاة والسلام : ( كيف وقد قيل؟ ) رواه البخاري.

فضلا عن شفقة النبي -صلى الله عليه و سلم- على أمته وصيانته لقلوب أتباعه وأفكارهم، وجواز زيارة المرأة لزوجها المعتكف في أي ساعة من ليل أو نهار على أن يكون بالقدر المعقول الذي لا يجرّ إلى إفساد الاعتكاف، كما أن في القصّة جواز التسبيح تعظيمًا للشيء وتعجبا منه، وشواهد ذلك كثيرةٌ في الكتاب والسنّة.

اضافة تعليق