هكذا حارب الإسلام البطالة.. العمل ليس عيبًا.. "موسى" كان أجيرًا

الجمعة، 03 مايو 2019 11:45 ص
هكذا حارب الإسلام البطالة


دراسات كثيرة تتحدث عن نسب البطالة في العالم العربي، تصل بعضها إلى ما يقرب الـ50% من جملة الشباب القادر على العمل.. ترى كيف يتم حل هذه المشكلة الأزلية وكيف عمل الإسلام تحديدًا على مواجهتها وحلها؟.

لقد أخذ العمل في الإسلام مكانة لا تدانيها مكانة فلم يحدث أن دينًا من الأديان السابقة أكد قيمة العمل وقيمة الفرد العامل كما فعل الإسلام الذي جعل العملَ واجباً إسلامياً مفروضاً على كل إنسان مهما علا شأنه أو صغر.

وقرر منذ بدء دعوته أن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل، وأنه قول باللسان وتصديق بالقلب وعمل بالجوارح، ومن هنا كان الارتباط والاقتران بين الإيمان والعمل في آيات كثيرة من كتاب الله الكريم؛ قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} [الكهف: 30]، {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا} [الكهف: 107]، {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ} [يونس: 9]، فلا إيمان إلا بالعمل الصالح الذي يؤكد هذا الإيمان تأكيداً عملياً من خلال الكد والاجتهاد والبحث عن الرزق وإعمار الأرض.

 وحرص الإسلام على دفع المسلمين إلى العمل، وحضهم عليه، وترغيبهم فيه، وفتَحَ أمامهم أبوابَ العمل الصالح على مصراعيها؛ ليختار كلُّ إنسان ما يناسبُ قدراتِه وإمكانياتِه ومهاراته من عمل طيب، وجاء الأمرُ بالانتشار في الأرض بعد الصلاة طلبا للرزق؛ فقال تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة: 10].

 وحث الإسلام على المهن والحرف اليدوية، وجعل كل كسب حلالٍ عملاً شريفاً وإن نظر إليه بعضُ الناس نظرة استهانة واحتقار، فقد روى البخاري عن الزبير بن العوام -رضي الله عنه- أن رسول الله قال: "لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة الحطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه".


ووردت أحاديث كثيرة تبين فضل الكسب والمهن والحرف اليدوية؛ فعن المقدام بن معدي كرب أن رسول الله قال: "ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده". وفي الحث على المزارعة والغرس روى البخاري عن أنس بن مالك أن رسول الله قال: "ما من مسلم يزرع زرعاً أو يغرس غرساً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة".



ولقد كان الرسلُ والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم من أحرص الناس على العمل إلى جانب الدعوة إلى الله فكان نوحٌ نجاراً، وكان إدريس خياطاً، وكان داود خواصاً، وكان موسى أجيراً عند شعيب، وكان نبينا يرعى الغنم ويعمل بالتجارة قبل البعثة.



وقد اقتدى به الصحابة الكرام -رضوان الله عليهم- فحرَصوا على العمل والسعي في طلب الرزق؛ فكان منهم الصانع والتاجر والزارع، وكانوا يتمتعون بالغنى وسعة الرزق ويمارسون أعمالهم مع انشغالهم في الدعوة والجهاد في الغزوات والحروب والفتوحات التي كانوا يحققون فيها النصر والظفر.



ولا شك أن للكسل والبطالة أضراراً وأمراضاً خطيرة تهدد المجتمعَ بالخراب والدمار، فالعاطل قد يدفعه تعطلُه وبطالتُه إلى أحد أمرين: إما أن يتكفف الناس ويتسول، وإما أن يتجه إلى ارتكاب الجرائم والمنكرات للحصول على الأموال.



والإسلام عندما دعا إلى العمل وحضّ عليه عالج البواعث النفسية والمعوقات العملية التي تثبط الناس عن العمل والسعي والمشي في مناكب الأرض، وتقودهم إلى البطالة، فمن الناس من يعرض عن العمل والسعي بدعوى التوكل على الله وانتظار الرزق من السماء، والإسلام قد خطّأ هؤلاء؛ لأن التوكل على الله لا ينافي العمل واتخاذ الأسباب، فالطير نفسه قد فقه مفهوم التوكل على الله فنجده يغدو ويروح طلبا للرزق، كما قال الرسول: "لو أنكم تتوكلون على الله حقَّ توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خِماصًا وتروح بِطانًا".



وقد رتب الله سبحانه الأكل من رزقه على المشي في مناكب أرضه فقال تعالى: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ} [الملك: 15]، فمن مشى أكل، ومن كان قادراً على المشي ولم يمش كان جديراً ألا يأكل.



كما حث الإسلام القادرين، على مساعدة غير القادرين، بل وفُرضت الزكاة لذلك، ولقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، كيف نساعد المتعطل عن العمل على اكتساب رزقه من عمل يده، وذلك في موقفه مع الأنصاري الذي جاءه يطلب الصدقة فوجهه إلى الاحتطاب كوسيلة للرزق الحلال، وجعله يعتمد على نفسه في توفير الأدوات التي يعتمد عليها في هذه الحرفة؛ إذ أمره بإحضار ما في بيته فإذا هو حِلْس (كساء يفرش ويلبس) وقَعْب يوضع فيه الماء، فأخذهما النبي - صلى الله عليه وسلم- وعرضهما للبيع على الصحابة، ودفع بثمنهما إلى الأنصاري ليشتري طعاماً لأهله وقَدُومًا لحرفته، ونجحت توجيهات النبي صلى الله عليه وسلم- وتمكن الأنصاري من اكتساب قوته بعمل يده.

اضافة تعليق