خطبة الجمعة غدًا.. رمضان شهر السعي والعمل

الجمعة، 03 مايو 2019 12:10 ص
سنة الجمعة

تماشيا مع ما ينفع المسلمين وخاصة الدعاة نقدم زادًا للدعاة يعينهم على البحث ويفتح لهم الطريق لاستلهام الدروس والحكم من خلال نشر الوعي وإمدادهم بزاد ثقافي حول موضوع خطبة الجمعة كل أسبوع:

"الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشانه، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبدالله ورسوله، الداعي إلى رضوانه، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وإخوانه وخِلانه، وبعـد:
نفحات الخير وفضل الموسم:
ها قد اقتربت نسمات الخير ونفحات الطاعة؛ بقدوم موسم شهر الصيام والقيام، فيه نسبَ الله تعالى الصوم إلى ذاته؛ فقال عنه: (إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به)، شهر مَن صامَ نهاره وقام لياليه -إيمانًا واحتسابًا- غُفِرَ له ما تقدّم من ذنبه، شهرٌ تُفتّح فيه أبواب الجنان -سيما باب الريان-، وتُغلَّق فيه أبواب النيران، شهر تُستجابُ فيه الدّعوات، الصوم فيه لا عِدل له ولا مثيل له. إنه أشرف زمان، نزل فيه أشرف مَلَك، بأشرف كلام، على أشرف نبي ورسول.
ويختلف الناس في تصرفاتهم عند استقبال هذا الموسم الكريم، ما بين باحث لاهث عن لقمة عيشه من وراء تجارته بالفاحشة وتسويق السوء بين الناس، وما بين كسول خمول مُعَطِّلٍ للإنتاج والعمل بحجة الصيام ورمضان، وما بين عاشق لأيامه ولياليه، قام يفتّش عن منافذ البر والطاعة ويتسابق مع المتسابقين.
عُمُرٌ جديد وميلادٌ جديدٌ:
للإنسان في هذه الحياة عمران وميلادان؛ فأمّا العُمُران: فعُمُر يُقاس بالشهور والسنين والأيام -وهذا عُمُر يتساوَى فيه جميع المخلوقات-، وعُمُرٌ يُقاسُ بالثواني والدقائق واللحظات -وهو عمر الطاعة في حياة كل واحد منا- وهو العُمُر الحقيقي للمسلم فينا.
كما أنَّ للإنسانِ ميلادان: ميلاد بالانتقال من ظلمة بطن الأمّ إلى نور الدنيا وسعتها، وميلاد آخر بالانتقال من ظُلمة المعاصي إلى نور الطاعات.. وقد جاء رمضان لتحيا فيه أيها المسلم عمرك الحقيقي، وتولد فيه ميلادك الحقيقي؛ فإن لم يحيا القلب في رمضان، فمتى يحيا؟ وإن لم تبرأ الروح فيه من شقائها فمتى تبرأ؟ ويل لمن نزل أرض الغفران ولم يخرج منها بسهم! وويل ثم ويل لمن دخل إلى سوق رابحة تربح فيها كل التجارات ثم ينفض السوق ولم يربح!!
وهذا تأمينُ رسولنا الحبيب rعلى دعاء أمين الوحي جبريل u، حين جاءه عليه السلام وهو يصعد درجات المنبر، فقال لهمَن أدرك شهر رمضان فلم يُغْفَر له، فدخل النار، فأبعده الله، قُل آمين، فقلت: آمين فيا أيها الكريم: إنّ بلوغُك رمضان عُمُرٌ جديدٌ وميلادٌ جديدٌ لمن فَقِهَ ووَعَى؛ فبلوغُ رمضان نعمة من نِعَمِ الله على العبد، كما أنّ بلوغه فرصة للترقي والتغيير والإصلاح.
تعرّف على ضيفك أولا:
إنَّ لضيفنا الغالي رمضان هداياه التي يقدّمها لعشّاقه ولراغبي الترقي والتغيير، ومن بين هداياه ما يلي:
ثواب متكامل وجوّ مُهيَّئ: فانظر -رحمني الله وإياك- كيف أنّ الله تعالى غيّر النواميس الكونية من أجل رمضان، ومن أجل الصائمين والقائمين والذاكرين فيه، (تُصفّد الشياطين ومردة الجان، تفتّح أبواب الجنة، تُغلّق أبواب الجحيم، يُضاعَف الثواب فيه، وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل، فيه طلبات العفو لا تُرَدّ، حين يدعو الداعي: اللهم إنّك عفوّ تحبّ العفو فاعف عني...).
بشارات خمس: فها هي بشاراته الطيبة يسوقها إليك أيها المؤمن المريد؛ ففي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((قال الله: كلُّ عملِ ابن آدمَ له إلا الصيام؛ فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جُنَّة، وإذا كان يومُ صومِ أحدكم، فلا يرفُثْ ولا يصخَبْ، فإن سابَّه أحدٌ أو قاتَله، فليَقُلْ: إني امرؤ صائم، والذي نفسُ محمد بيده، لخُلُوفُ فمِ الصائم أطيبُ عند الله من ريح المسك، للصائمِفرحتانِيفرحهما: إذا أفطر فرِح، وإذا لقِي ربه فرح بصومه))؛ [متفق عليه]. وفي هذا الحديث إشارة واضحة إلى بشريات كريمة، وهي: (فإنه لي، وأنا أجزي به، الصوم جنة ووقاية لصاحبه، خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما). فمن الذي يُفرِّط في هذه البشريات ويُضيّعها؟!!
جائزة كل ليلة: وذلك بما ثبت أن لله عتقاء من النار في رمضان، ففي الحديث الصحيح عند الترمذي: (ولله عُتَقَاءُ مِن النَّارِ،وَذَلكَ كُلّ لَيْلَةٍ..).
غفران الذنوب فيه لمن صام نهاره وقام لياليه، -سيما ليلة القدر- إيمانًا واحتسابًا؛ ففي الحديث: (مَن ْصَام َرَمَضَان َإِيمَانًا وَاحْتِسَابًا،غُفِرَلَهُ مَا تَقَدَّم َمِنْ ذَنْبِهِ) وفي حديث آخر: «مَن ْقَام َرَمَضَانَإِيمَانًا وَاحْتِسَابًا،غُفِرَلَهُمَاتَقَدَّم َمِن ْذَنْبِهِ» .
مستودع البركات: انظر إلى بركة واحدة تحدّث عنها رسولنا eففي البخاريعن أنس بن مالك tقَالَ: «تَسَحَّرُوافَإِنّ َفِي السَّحُورِبَرَكَةً».
باب الريان يروي ظمأ الصائمين؛ ففي الحديث كما عند البخاري في صحيحه من حديث ،قَالَ: «فِي الجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ،فِيهَا بَاب ٌيُسَمَّى الرَّيَّانَ،لاَ يَدْخُلُهُ إِلَّاالصَّائِمُونَ»... والسؤال الآن: مَن مِن العقلاء يرفض هذه الهدايا؟ أو يتكاسل عن اقتنائها والسعْي لتحصيلها؟!!
روشتة استقبال شهر رمضان:
إذا كان بلوغ رمضان نعمة من الله وفرصة للعبد ومصلحة مادية ومعنوية لكل عاقل، فيجب أن نأخذ بالأسباب في حسن استقبال هذا الضيف الذي جاء لترميم جدران العقول والقلوب والجوارح، جاء لترميم جدران الحياة إذا صحّ التعبير، ولا يعقل ذلك إلا من فهم حقيقة التغيير من أين تبدأ، وكيف تكون؟!!ولقد فهمَ المسلمون الأوائل أنّ شهر رمضان هو شهر جهاد وعمل وأخذ بالأسباب لا شهر نوم وكسل وخمول.
ومن بين وسائل استقبال رمضان ما يأتي:
الإكثار من الدعاء ببلوغ رمضان: فقد يرى البعض أنه حتمًا سيحضـر رمضان، وهذا خطأ بلا شكّ، فكم من مسلم تاقت نفسه، واشتاق فؤاده، وردّد لسانه: (اللهم بلغني رمضان) إلا أنّ الموتَفاجأه فلم يبلغ رمضان.. لكن ينبغي أن نزداد أملا في ربّنا باللجوء إليه والدعاء، كما كان يدعو كثير من الصالحين بقولهم: (اللهم بلغنا رمضان) (اللهم سلّم إلينا رمضان، وسلّمنا إلى رمضان، وتسلَّم منّا رمضان). وقد كان النبيّ r يدعو إذا دخل الشهر ورأى الهلال يدعو فيقول: "اللهم أهله علينا باليُمْن والإيمان، والسلامة والإسلام، ربي وربّك الله".والدعاء جزء من الاستعداد النفسيّ المطلوب قبل رمضان، وإن أكرمك الله بدخول رمضان وبلوغه فخصِّص لنفسك وقتًا تخلو فيه بربّك.
إعلان الفرحة والبهجة بقدوم الشهر الكريم: فلا يصح أن تكون الأيام كلها على درجة واحدة من المحبة؛ خاصة وأنّ ربّ العزة جل وعلا هو سبحانه مَن فضل الأيام بعضها على بعض، وحريّ بالمسلم العاقل أن يفرح بأيام الطاعات؛ قال تعالى: )قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ([يونس: 58]. وقد كان النبيّ r حريصًا أشدّ الحِرص على إظهار بهجته وفرحته بشهر رمضان، فحَكَت لنا كتب السنّة أنه أتى أصحابه في بداية رمضان وأخذ يهنئهم بقدومه؛ ففي الحديث: عنأبيهريرة،قال: لما حضر رمضان قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "قدجاءكم رمضان، شهر مبارك،افترض الله عليكم صيامه،تفتح فيه أبواب الجنة،ويغلق فيه أبواب الجحيم،وتغل فيه الشياطين ،فيه ليلة خير من ألف شهر ،من حرم خيرها فقد حرم" .وعليه فلا بأس بأن يجتهد الناس في تعليق الزينة وإظهار السرور بقدوم رمضان، وإشراك الأبناء في إظهار سعادتهم بالشهر الكريم. كما لا بأس من أن يلتقي المسلم بأخيه فيهنئه بقدوم رمضان بأي صيغة تحمل معنى جميلا.
المبادرة بالتوبة من كل ذنب وتقصير: وهو قانون يسميه علماء القلوب: بـــ (التخلية قبل التحلية)، ومعلوم خطورة الحِرمان الذي يلحق بالمقصّـِر المُذْنِب، فحين جاء أحدُهم إلى أحد الأئمة يسأله عن حرمانه من قيام الليل، فقال له: (قيّدتْك ذُنوبُك) وصدق الإمام في قوله؛ فلنبادر بالتوبة قبل حضور أول ليلة من رمضان، ولنحرص على المبادرة السريعة فلا يدري أيُّنا متى يأتيه الموت، وقصة قاتل المائة أكبر دليل على عظيم أثر التوبة على العبد؛ فالله يفرح بتوبة العبد، ويغيّر من أجل توبته نواميس الكون، كما وقع مع هذا القاتل التائب وأمر الله أرض الطاعة أن تقترب حين قاسوا بين الأرضين فوجدوه أقرب إلى أرض الطاعة، فكتبوه من أهلها، وقد نأى بصدره لأنه يريد التوبة، فليكُن نأي المسلم بعقله عن الأفكار المنحرفة، وبقلبه وعاطفته عن الحيوانية، وبجوارحه عن الشهوات المبثوثة ليل نهار.
سلامة الصدر وإصلاح ذات البين: فلا يُعقل أن يأتي رمضان شهر الكرم والجود والحب والتآلف، ولا زال كثير منا في خصومة مع أخيه وأقاربه وجيرانه، إننا بحاجة إلى إعلان المحبة شعارًا للناس في موسم رمضان وفي كافة الأيام، وهذا شأن الصالحين، كان من دعائهم: )رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِين َآمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ([الحشـر: 10].وقد أمر الله تعالى بإصلاح ذات البين بقوله: )فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ([الأنفال: 1]. فاحرصوا أيها المسلمون على سلامة الصدور من الغل والحقد والحسد، وسلوا الله تعالى أن يطهّر القلوب من تلك الأمراض، وأن يقودنا إلى ما يحبه ويرضاه.
حدّد هدفَك وضع خُطّتَك الآن: يقول الله تعالى: )فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًالَهُمْ([محمد: 21].كن صادقا مع ربّك، وحدّد ماذا تريد أن تحقق في رمضان؟ فإن أردت تحديد الهدف فعليك(1) بتحديد الصحبة التي تعينك في رمضان على طاعة الرحمن، (2) واختر البيئة والمسجد الذي سيعينك على طاعة الله، (3) وحدّد أورادك من القرآن والقيام والذكر والدعاء والصدقة والصلة.. وحين يدخل رمضان تكون قد جهّزت ماذا ستصنع في رمضان مع القرآن، والذكر والدعاء؟! وليكن حاديك في سعيك قول الله تعالى: )لِمَ نْشَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ([المدثر: 37].
تعرّف على ما يحبّه رمضان وما يكرهه: فهو كضيف عزيز كمثل باقي الضيوف يحب أشياء ويكره أشياء، وحريّ بالمَزُورِ العاقل الواعي أن يبتعد عما يكرهه زائرُه وضيفُه، ومن بين ما يكرهه رمضان (التسويف في العمل الصالح، البخل والتقتير، الإسراف والتبذير، إضاعة الوقت والسهر الطويل بلا فائدة، النوم الكثير والكسل والخمول، الغيبة والنميمة، الغضب والانفعال بحجة الصيام، ترك الأعمال وعدم جودة المهام والوظائف بحجة أنه صائم......).

اضافة تعليق