من يريد أن يتقلد بخلق الأنبياء.. فعليه بالوفاء

الثلاثاء، 30 أبريل 2019 03:15 م
من يريد أن يتسم بخلق الأنبياء

الوفاء من أهم الصفات الإنسانية، فما أجمل أن يهب إنسان ذاته من أجل قضية أو فكرة أو شخص يحبه، وقد جعله الله عزّ وجلّ من صفات القوامة لسير الحياة، وصفاء العيش بين عباده، قال تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} الآية 40 سورة البقرة.

ولا يخفى على عاقلٍ أنَّ الله -تعالى- أمَر عبادَه المؤمنين بالوفاء بالعُقود، والوفاء بالعهود، مع المسلم وغير المسلم؛ وهذا هو دليل الإيمان الصحيح لا المزيف؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]، وما أشار إليه العلماء في الآية الكريمة يوضّح -وبجلاء- عموم الوفاء بالعقود في حياة الإنسان في كل جانب وفي كل ناحية ومع أي أحد، فوفاء العبد بعهده بينه وبين ربه وخالقه، وبينه وبين رسوله -صلى الله عليه وسلّم-، وبينه وبين نفسه التي بين جنبيه، وبينه وبين زوجه، وبينه وبين أبنائه، وبينه وبين دعوته ودينه، وبينه وبين غيره من مسلمين وغير مسلمين.



والوفاء بالعهد صفة لصادقي الإيمان والإسلام، بل هو من أعزّ صفات المؤمنين المفلحين، قال تعالى: : ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون:١-٨].


ولاشك فإن الوفاء بالعهد صفة لأولياء الله وأحبابه، ولم لا وقد استجابوا لأمر الله في كتابه المجيد، ففي القرآن، قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً﴾ [الإسراء:٣٤]، فقد أمر الله تعالى في هذه الآية بالوفاء بالعهد، وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل:٩١]

وقد أمرنا الله تعالى بالوفاء في كل أمورنا، فقال سبحانه: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة:٤٠]،

وقال سبحانه: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾ [الأنعام:١٥٢]،

وقال عزّ وجلّ: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل:٩١]؛

وغير ذلك كثير من الآيات في كتاب الله عز وجل.

والوفاء خلق الأنبياء والمرسلين جميعًا، فإبراهيم هو الذي وفّى، وإسماعيل كان صادق الوعد، وسيدنا موسى وفّى مع الرجل في مدين بأقصى مدّة في الخدمةِ والعمل معه... الخ.


والوفاء خلق قويم يزيد من قوة الإيمان ويسمو بالنفس إلى مراتب الكمال، كما أنّه يدعم المحبة بين الناس ويزيد الثقة في الخلْق، وهو شعبة من شُعب الإيمان. قال تعالى: {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177].



ولذلك فأن عدم وجود الوفاء يدلّ على إشارات الخيانة والغدر والنفاق في المجتمع؛ فمجتمع بلا وفاء غابة يأكل فيها القوي الضعيف ويتنكّر فيها الغني للفقير والصحيح للمريض. لا سيّما وقد حذّرت الشريعة الإسلامية من الغدر، والغادِر ((ينصب له لواء يوم القيامة عند إسته فيقال هذه غدرة فلان)).



والوفاء من أخص خواص الرسول الحبيب؛ فقد كان أكمل المؤمنين وفاءً، ولقد عظمت شخصية الرسول الحبيب في خلقه وسمته وسلوكه؛ ولم لا؟ وقد كان خُلُقه القرآن الكريم، وسلوكه هدي ربه العظيم، وكان أبر الناس بالناس، وأوفى الخلق مع الخلق والخالِق. وكان وفاؤه مع العدو قبل الحبيب القريب... فلم يغدر يومًا ولم يخُن، وما وقع منه يومًا إيماءة غدر أو خيانة.. ولعل شهادة رجل كافر كأبي سفيان -حين وقف أمام هرقل، فسأله: هل يغدر محمدٌ؟ قال: لا.. فقال هرقل: هكذا الرسل لا يغدرون.



قبل غزوة "بدر" يخبره حذيفة بن اليمان، والحديث في "صحيح مسلم": أن كفَّار "قريش" قد أخذوه قبل أن يدخل المدينة هو وأبا حُسَيل، فقالوا إنكم تريدون محمدًا، قلنا: ما نريد إلا المدينة، فأخذوا منا عَهْد الله وميثاقه لننصرفَنَّ إلى المدينة ولا نقاتل معك يا رسول الله.


فماذا قال لهما صاحب الوفاء يا تُرى؟ ماذا قال لهما مَن بعثه الله ليتممَ به مكارم الأخلاق؟ ومع أنه كان في أشد الحاجة إلى الرجال ليقاتلوا معه ضد المشركين، المشركين الذين أخرجوه من مكة، الذين سفكوا دماء المسلمين واستحلوا أموالهم، وعذبوهم أشد العذاب، وبالرغم من كلِّ هذا، قال لهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((انصرفَا نَفِي لهم بعَهْدِهم، ونستعين الله عليهم)).



إن كان هذا هو وفاء المسلمين للمشركين، بل للمشركين المحاربين وفي الحرب نفسها، فكيف يكون وفاءُ المسلمين للمسلمين؟!



وهذا سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - الذي علَّم الأمة كيف يكون الانقياد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - واسمعوا إلى موقفه الذي ترجم فيه خُلق الوفاء بالعهد.


يرسل إليه أبو عبيدة بن الجرَّاح يستفتيه في فتوى غريبة جدًّا، ويقول له: إنَّ أحد الجنود قد أمَّن قرية من بلاد العراق على دمائهم وأموالهم وهي في طريقنا، فماذا نصنع؟ وتأمَّل معي في هذا الموقف الغريب: جندي - لا يُعرف اسمه - من جيش المسلمين يُعطي الأمان لقرية بأكملها، وربَّما هذه القرية إن لم تفتح فقد تكون ثغرة عظيمة يتضرَّر بها المسلمون كثيرًا إذا انقلبت عليهم.



فبماذا أجابه الفاروق عمر - رضي الله عنه؟ قال بعد حمد الله والثناء عليه: "إن الله - تعالى - قد عظَّم الوفاء، ولا تكونون أوفياء حتى تفوا، فأوفوا لهم بعهدهم واستعينوا الله عليهم".



ما أبدع هذه العبارة! وما أروعها لمن فَهِم معناها! فالوفاء كباقي الأخلاق ليس شعارًا يرفع في السماء ولا كلمة تطير في الهواء، ولكن الوفاء خُلق لن يتحقق إلا إذا أتيت به وتحمَّلت في سبيل إتيانه كلَّ شيءٍ.



ومن أعظم قصص الوفاء، يروى أن شابين أتيا إلى الخليفة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وكان في المجلس، وهما يقودان رجلاً من البادية فأوقفاه أمامه، قال عمر: ما هذا؟ قالا: يا أمير المؤمنين، هذا قتل أبانا، قال: أقتلت أباهم؟ قال: نعم قتلته، قال: كيف قتلتَه؟ قال: دخل بجمله في أرضي، فزجرته فلم ينزجر، فأرسلت عليه حجرًا وقع على رأسه فمات، قال عمر: النفس بالنفس، لا بد أن تُقتل كما قتلت أباهما، وانظروا إلى سيدنا عمر لم يسأل عن أسرة هذا الرجل، هل هو من قبيلة قويَّة أو ضعيفة؟ هل هو من أسرة معروفة ولها أهميَّة في المجتمع؟ كل هذا لا يهم عمر - رضي الله عنه - لأنه لا يجامل أحدًا على حساب شرع الله، ولو كان ابنه القاتل لاقتصَّ منه.



قال الرجل: يا أمير المؤمنين، أسألك بالذي رفع السماء بلا عمد أن تتركني ليلة؛ لأذهب إلى زوجتي وأطفالي في البادية، فأُخبِرُهم بأنك سوف تقتلني ثم أعود إليك، والله ليس لهم عائلٌ إلا الله ثم أنا، قال عمر: مَن يكفلك أن تذهب إلى البادية ثم تعود إليَّ؟ فسكت الناس جميعًا؛ إنهم لا يعرفون اسمه ولا داره ولا قبيلته، فكيف يكفلونه؟ وهي كفالة ليست على مائة دينار، ولا على عقار، ولا على ناقة، إنها كفالة على الرقبة أن تُقطع بالسيف.



فسكت الناس وعمر مُتأثر؛ لأنه وقع في حيرة، هل يقدم فيقتل هذا الرجل وأطفاله يموتون جوعًا هناك؟ أو يتركه فيذهب بلا كفالة فيضيع دم المقتول؟ وسكت الناس ونكَّس عمر رأسه والتفت إلى الشابَّين: أتعفوان عنه؟ قالا: لا، مَن قتل أبانا لا بد أن يُقتل يا أمير المؤمنين، قال عمر: مَن يكفل هذا أيها الناس؟ فقام أبو ذر الغفاريّ بشيبته، وقال: يا أمير المؤمنين، أنا أكفله، قال عمر: هو قَتْل، قال: ولو كان قاتلاً! قال: أتعرفه؟ قال: ما أعرفه، قال: كيف تكفله؟ قال: رأيت فيه سِمات المؤمنين فعلمت أنه لا يكذب، وسَيَفِي بعهده إن شاء الله، قال عمر: يا أبا ذر، أتظن أنه لو تأخَّر بعد ثلاث أني تاركك؟ قال: الله المستعان يا أمير المؤمنين، فذهب الرجل وأعطاه عمر ثلاث ليالٍ، يُهيِّئ فيها نفسه، ويُودع أطفاله وأهله، وينظر في أمرهم بعده ثم يأتي ليُقْتَص منه؛ لأنه قتل، وبعد ثلاث ليالٍ لم ينسَ عمر الموعد، وفي العصر نادى في المدينة: الصلاة جامعة، فجاء الشابَّان، واجتمع الناس، وأتى أبو ذر وجلس أمام عمر، قال عمر: أين الرجل؟ قال: ما أدري يا أمير المؤمنين! وتلفَّت أبو ذر إلى الشمس، وكأنها تمرُّ سريعة على غير عادتها، وقبل الغروب بلحظات، إذا بالرجل يأتي، فكبَّر عمر وكبَّر المسلمون معه، فقال عمر: أيها الرجل أما إنك لو بقيت في باديتك ما شعرنا بك وما عرفنا مكانك.



قال: يا أمير المؤمنين، والله ما عليَّ منك ولكن عليَّ من الذي يعلم السرَّ وأخفى، ها أنا يا أمير المؤمنين، تركت أطفالي كفراخ الطير لا ماء ولا شجر في البادية، وجئتُ لأُقتل، وخشيت أن يُقال لقد ذهب الوفاء بالعهد من الناس، فسأل عمر بن الخطاب أبا ذر: لماذا ضمنته؟ فقال أبو ذر: خشيت أن يُقال: لقد ذهب الخير من الناس، فوقف عمر وقال للشابَّين: ماذا تَرَيَان؟ قالا وهما يبكيان: عفونا عنه يا أمير المؤمنين لصدقه ووفائه بالعهد، وقالوا: نخشى أن يُقال: لقد ذهب العفو من الناس، قال عمر: الله أكبر، ودموعه تسيل على لحيته.



فالوفاء بالعهد من علامات الصادقين المتَّقين، ومن صفات الأنبياء، وهو خُلق ملازم لأهل الجنة في حياتهم الدنيا؛ إذ كيف يطمع في الجنة وصحبة الأنبياء والصادقين والمتقين مَن لم يتخلَّق بهذا الخلق؟! فليت المسلمين اليوم يتخلَّقون بهذا؛ كي يفوزوا بخير الدنيا والآخرة.

اضافة تعليق