مستشرقون: الأخلاق.. سر الانجذاب نحو الإسلام

الثلاثاء، 30 أبريل 2019 01:47 م
باحثون

الإسلام يحتاج إلى دعوة ليعم السلام وينتشر، لا عن طريق إثارة الفزع، أو إكراه أحد على الإيمان به كما يذهب البعض مغالطًا، فيجعل العنف مرادفًا له، وهو ما يتنافى مع الهدف الأسمى من رسالة الإسلام، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول إنه بٌعث هاديًا لا جابيًا، إلا أن هناك من يريد الإساءة لهذا الدين الحنيف بنشر التطرف وتنفير الناس من عبادة الحي القيوم، وإعطاء فكرة سيئة عن الرسالة السمحاء.


لن يجد الباحث المحايد صعوبة في تقصى الأسباب التي قيضها الله تعالى لنشر دين الإسلام، إذا ما جد في البحث عن تلك الأسباب من كتاب الله المنزل وسنة رسوله المبينة، بأن الإسلام دين سماحة ويسر، شُرعت أحكامه ليعتنقها أكبر قدر ممكن من البشر، حتى إن أبرز سر انتشار الإسلام في فطرته، وكَوْن دينه دين الفطرة، هو أنه موافق لسنن الله تعالى في الخلقة الإنسانية؛ لأنه يعطي القوى الجسدية حقوقها والقوى الروحانية حقوقها، ويسير مع هذه القوى على طريق الاعتدال حتى تبلغ كمالها، الذي يسير به على سنن فطرته التي خلقه الله عليها بما يبين له أن كل عمل نفسي أو بدني يصدر عنه يكون له أثر في نفسه، وأن ما ينطبع في نفسه من ذلك يكون علة سعادته أو شقائه في الدنيا والآخرة، فإذا فهم هذا وأدركه يظهر له أنه سُنة الفطرة وناموس الطبيعة.


يقول الدكتور محمد المنسي أستاذ الشريعة بكلية دار العلوم، إن "سر انتشار الإسلام يكمن في سماحته؛ إذ يضع قوانين عادلةً رحيمة مع الأعداء، بدون تدمير، أو ظلم، أو إبادة، أو انتقام؛ فالقرآن يَهدِي للتي هي أقوم، والرسول -صلى الله عليه وسلم- ابتُعِث رحمةً للعالَم كُلِّه مسلمِه وغير مسلمِه"، موضًحا أن "الإسلام لم ينتشر بالحرب بل انتشر بالعدل والرحمة".


وأشار إلى أنه "لم يحدث قط في أمة من الأمم ذات الحضارة العريقة أنها تركت عقيدتها لتتحول إلى دين كتابي غير الإسلام، وإنما تفرد الإسلام بهذه المزية دون سائر العقائد الكتابية، فتحولت إليه الشعوب فيما بين النهرين وفي أرض الهلال الخصيب وفي مصر وفي فارس، وهيَّ أمة عريقة في الحضارة كانت قبل التحول إلى الإسلام تؤمن بكتابها القديم، وتحول إليه أناس من أهل الأندلس وصقلية كما تحول إليه أناس من أهل النوبة الذين غيروا على المسيحية أكثر من مائتي سنة".


فيما يذهب الشيخ محمد أحمد عرفة، خطيب وإمام مسجد السيدة زينب في ذات الاتجاه، بأن الإسلام نفسه كدين يحمل سر انتشاره، فيقول: "لم يشهد الوجود دينًا انتشر بسرعة جاوزت حد العجب، وعم جزءًا كبيرًا من المعمورة ودخل الناس فيه أفواجًا في زمنٍ قليلٍ مثل الدين الإسلامي".


وأضاف: "السر الكامن وراء انتشار الاسلام سواء في عهد الرسول أو حتى وقتنا الحالي، إن أخلاق محمد بن عبدالله التي مدحها القرآن الكريم مفتاح أساسي في فهم سر انتشار رسالة الإسلام في قلوب الناس شرقًا وغربًا، وفي فهم سر انتشاره على مر العصور".


وحول رأي بعض المستشرقين الغرب، تقول المستشرقة الإيطالية "بيانكا ماريا سكارسيا" عن تفسير سر جاذبية الإسلام، بأن "الشريعة القرآنية تمارس جاذبيتها على ملايين الناس، فالإسلام يشهد بشكل دائم إقبالًا أكثر على اعتناقه، ويصعب تفسير تنامي هذه الظاهرة في أوروبا خاصة، إذ أن الإسلام ينحو لأن يُمثل اليوم خيارًا بديلًا عن الحضارة الغربية".


كما يرى المستشرق الألماني "أولرش هيرمان" أن الإسلام "دين جذاب جدًّا، وهذا يعود - ربما - إلى وضوح الرسالة الإسلامية، وجاذبية أخلاقها ولأسباب لا أعرفها!".
ويعجز "هيرمان إيلتز"، المستشرق الأمريكي والدبلوماسي السابق عن اكتشاف سبب ذلك، فيقول إن "الإسلام هو أسرع الديانات انتشارًا في العالم اليوم.. هناك إذن شيء حقيقي يجذب إليه العديد من نخبة الناس".


ويقول إن "السر الأول والأهم في الإسلام يكمن في بساطة تعاليمه ووضوحها مما شكل الأثر الأكبر في جذب القلوب نحوه، إذ كل ما يطلب من الذي يدخل فيه هو نطق الشهادتين".


وأضاف: "هذه العقيدة البسيطة لا تتطلب تجربة كبيرة للإيمان، ولا تثير في العادة مصاعب عقلية خاصة، وإنها لتدخل في نطاق - أقل درجات - الفهم والفطنة، ولما كانت خالية من المخارج والحيل النظرية اللاهوتية، كان من الممكن أن يشرحها أي فرد، حتى أقل الناس خبرة بالعبارات الدينية النظرية، فهو دين فطرة بطبيعته سهل، لا لبس فيه ولا تعقيد في مبادئه، سهل التكيف والتطبيق على مختلف الظروف".


وقال إنه "لم ينتشر الإسلام بالسيف، ولكنه انتشر رغم السيوف التي واجهته فلقد تمكن من التوغل في أقطار إفريقيا ومع هذا فلم يسجل التاريخ أي غزوات للمسلمين بل انتشر بالتسرب السلمي البطيء لأنه دين لا يعرف التمييز فلم يفرق بين الأبيض والأسود، ولم ينه أتباعه عن الزواج من نساء البلاد الزنجيات، فتزوجوا وتناسلوا، حتى ذهب بعضهم إلى أن اِلإسلام هو دين السود بينما المسيحية هي دين البيض".


ويشهد على هذا الكاتب المسيحي الفرنسي "هوبير ديشان" - حاكم المستعمرات الفرنسية بإفريقيا حتى سنة 1950 - حين يقول إن "انتشار دعوة الإسلام بإفريقية لم يقم على القوة، وإنما قام على الإقناع الذى كان يقوم به دعاةً متفرقون لا يملكون حولًا ولا طولًا إلا إيمانهم العميق بدينهم، وكثيرًا ما انتشر الإسلام بالتسرب السلمى البطيء من قومٍ إلى قومٍ، فكان إذا اعتنقته الارستقراطية وهى هدف الدعاة الأول تبعتها بقية القبيلة، وقد يسر انتشار الإسلام أمرٌ آخر، هو أنه دين فطرة بطبيعته، سهل التناول، لا لبس فيه ولا تعقيد في مبادئه، سهلُ التكيف والتطبيق في مختلف الظروف".


وإذا كان الإسلام لم يدخل إفريقيا غازيًا بالسيوف فقد نهج نفس النهج حين دخل آسيا غازيًا القلوب بالرحمة والعدل، وتقف إندونيسيا خير شاهد على هذا وتُحدث من أراد عن انتشار الإسلام في أكثر من ألفي جزيرة فيها دون أن تلامس ثراها أقدام أي جيش إسلامي، وكذلك كان إسلام ماليزيا بدون حروب أو سيوف؛ كما يقول الداعية أحمدي ديدات.


ويذكر الدكتور أحمد شلبي، صاحب "موسوعة التاريخ الإسلامي والحضارة الاسلامية"، أنه عاش في إندونيسيا سنوات ورأى بنفسه "الإسلام وهو ينتشر بين الإندونيسيين بيسر وبساطة، وهو يهزم الديانات الأخرى والأفكار المتعددة ويتقدم إلى الطليعة لا تدفعه إلا مبادئه السمحة وتعاليمه المعقولة الهادئة البسيطة. فقد سار الإسلام وتسرب في النور وبالدعوة السلمية إلى أكثر من تسعين في المائة من سكان إندونيسيا وهم حوالى مائة وخمسين مليونًا".
لقد انتشر الإسلام بالمحبة الحقيقية عندما ساوى بين جميع أجناس البشر.. وجعل التمايز بالتقوى.. هكذا جاءت الدعوة بالمساواة نظريًّا في آيات القرآن الكريم، وأحاديث نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم، وتجلت عمليًّا في سلوك المسلمين سواء في حياتهم أو عباداتهم.


اضافة تعليق