في آداب الضحك والمزاح.. ولنا في النبي الأسوة الحسنة

الثلاثاء، 30 أبريل 2019 11:58 ص
الضحك

يظلم البعض، الإسلام حين يجرده من المشاعر الإنسانية، ويضعه في قالب جامد عندما يصوره على أنه دين ضد الضحك والمزاح، وأن المسلم لابد وأن تعلو "التكشيرة" وجهه، وما هو بصحيح، فالإسلام دين يحترم مشاعر الإنسان، وقد راعى ذلك وحث عليه، ومما جاء في الأثر: "روحوا القلوب ساعة وساعة".

ومع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحمل عبء توصيل رسالة الإسلام إلى البشرية، إلا أنه كان أكثر الناس تبسمًا، بل وكان يداعب أصحابه ويقابلهم بالابتسامة، وما ذلك إلا لحاجة الفطرة الإنسانية إلي شيء من الترويح، يخفف عنها أعباء الحياة وقسوتها، وهمومها وأعباءها، وكان لايقول إلا حقًا وإن كان مازحًا.

في يوم من الأيام جاءت امرأة عجوز من الصحابيات إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت له: يارسول الله ادع الله أن يدخلني الجنة، فداعبها صلى الله عليه وسلم قائلاً: إن الجنة لاتدخلها عجوز، فانصرفت العجوز باكية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للحاضرين: أخبروها أنها لاتدخلها وهي عجوز، إن الله تعالى يقول "إنَّا أنشأناهن إنشاءً فجعلناهن أبكارًا". أي أنها حين تدخل الجنة سيعيد الله إليها شبابها وجمالها" رواه الترمذي.

ومما لا يجوز أن يكون الكذب وسيلة لإضحاك الناس، وهو مما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم: "ويل للذي يحدث فيكذب، ليضحك القوم، ويل له، ويل له، ويل له"، رواه الترمذي.

فضلاً عن أنه لا تجوز السخرية أبدًا من عجز الآخرين، سواء لإعاقة دائمة أو عرض مؤقت يجعلهم عاجزين عن الحركة مثلاً أو الحديث بشكل طبيعي، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْأِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ".

 

وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن السخرية قائلاً: "بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم"، رواه مسلم.

كذلك لا تسخر أبدًا من شىء مقدس عند الآخرين، سواء كان دينيًا أو وطنيًا أو شيئًا شخصيًا، وضع نفسك مكانهم إذا جعل أحدهم معتقداتك موضع للسخرية، قال تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ* لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ".

بإمكان المزاح أن يذيب أطنان الجليد بين الأشخاص الغرباء عن بعضهم، لكن يمكن أيضًا أن يتسبب فى جرح مشاعر الآخرين وخلق حواجز إضافية وشعور بالغضب تجاهك.

 

كان صحابة النبي على هديه سائرين مقلدين له، يملأ الإيمان قلوبهم، ومع ذلك كانوا يتبسطون ويتمازحون، وقد سئل ابن عمر رضي الله عنهما: هل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحكون؟، قال: نعم، والإيمان في قلوبهم أعظم من الجبل".

ومما ورد في مزاح أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ما رواه البخاري عن بكر بن عبد الله المزني قال: "كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمازحون حتى يتبادحون بالبطيخ، فإذا حزبهم أمر كانوا هم الرجال".

لكن لا يجب أن يتسبب المزاح في جرح مشاعر شخص ما سواء بالسخرية من تصرف فعله أو كلمة قالها أو السخرية من شكله أو جسده، لا سيما إذا كان أمام الآخرين، لأن هذا مؤذٍ جدًا لمشاعره حتى لو أظهر أنه تقبل المزاح ببساطة تأكد أنها جرحته من الداخل.

وعن أنس أن رجلاً من أهل البادية كان اسمه زاهر بن حرام، وكان يهدي للنبي صلى الله عليه وسلم الهدية من البادية، فيجهزه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن زاهرًا باديتنا، ونحن حاضروه"، قال: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحبه، وكان دميمًا، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يومًا، وهو يبيع متاعه، فاحتضنه من خلفه وهو لا يبصره، فقال: أرسلني! من هذا؟ فالتفت فعرف النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل لا يألو ما ألزق ظهره بصدر النبي صلى الله عليه وسلم حين عرفه، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من يشتري العبد؟"، فقال: يا رسول الله! إذًا والله تجدني كاسدًا، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "لكن عند الله لست بكاسد"، أو قال: "لكن عند الله أنت غال".

يجب ألا يتسبب مزاحك فى إحراج من يسمعك، سواء بالحديث عن موضوع حرج بالنسبة له أو التطرق إلى المزاح الفج الرخيص الذى لا يتناسب مع الآداب العامة، إذ أن البعض يربط بين المزاح وإطلاق النكات التي تحتوي على عبارات تخدش الحياء، وهذا مما لا يصح.

كما أنه لا يجوز أن يكون المزاح سببًا لإيقاع الأذى والإضرار بالآخرين، وعلى نحو ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: "لا يشر أحدكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده، فيقع في حفرة من النار". وفي مسلم: "من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى يدعه، وإن كان أخاه لأبيه وأمه".

وكان الصحابة يسيرون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير، فنام رجل منهم، فانطلق بعضهم إلى نبل معه فأخذها، فلما استيقظ الرجل فزع، فضحك القوم، فقال: ما يضحككم؟ فقالوا: لا، إلا أنا أخذنا نبل هذا ففزع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يحل لمسلم أن يروع مسلمًا". وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يأخذن أحدكم متاع صاحبه جادًا ولا لاعبًا، وإذا وجد أحدكم عصا صاحبه فليردها عليه".

 

اضافة تعليق