عبادة الله بين الخوف والرجاء

الثلاثاء، 30 أبريل 2019 10:42 ص
الخوف والرجاء

 

لا جدال في أن رحمة الله وسعت كل شيء، وأنه يفرح بتوبة العبد أكثر من فرحته بضالته إذا وجدها، والأصل أن نحسن الظن به، وحتى إذا كنا غارقين في المعاصي، يجب أن نتمسك بذلك، ولا نتخلى عن الأمل في عفو الله وكرمه، فما من إنسان حتى أعبد العباد على وجه الأرض سيدخل الجنة إلا بعفو الله، لا بعمله.


لكننا قلبنا يجب أن يجب أن يكون معلقًا بين أمرين؛ الخوف والرجاء، الخوف من غضبه، بأن يشملنا بعقوبته، والرجاء في غفرانه ورحمته، حتى يتحقق التوازن الداخلي، فإن الخوف منه هو الذي يضبط تصرفاتنا، على نحو لا يجعلنا لا نستهين بالمعصية، ونتجرأ على الله، دون أن يعني ذلك أبدًا اليأس من رحمته.

 

ولله المثل الأعلى، هل هناك أب أو أم يكرهان أبناءهما؛ إطلاقًا، لأن الله زرع في قلبهما الحب والحنو والعاطفة، أما الجانب الآخر المتعلق بالحزم في التربية، ومعاقبتهما إذا أخطأوا، فهو الذي يضبط سلوكهم، ويجعلهم يفكرون مرارًا قبل الإقدام على ارتكاب أي شيء يغضب والدهما، وإذا كان ذلك هو حال الوالدين مع أبنائهم، فما بالك والله تعالى هو خالقهم، فما أغناه عن عذابنا، وهو أحن على العبد من والديه.

 

فالرجاء عبادة قلبية تتضمن ذلاً وخضوعًا، أصلها المعرفة بجود الله وكرمه وعفوه وحلمه، فإذا امتلأ القلب بذلك زاد يقينًا، وإقبالاً على مرضاته، فهو حسن ظن مع عمل وتوبة وندم، والخوف من عبادات القلوب لا تكون إلا لله سبحانه، وهي من تمام الاعتراف بملكه وسلطانه، ونفاذ مشيئته في خلقه.

 

وهكذا وصف الله تعالى، الملائكة المقربين والأنبياء المرسلين والصالحين العابدين، فقال جل جلاله: "أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً"، وصفهم بأنهم يرجون رحمته ويخافون عذابه، حتى يبق المؤمن مطمئنًا ومتيقظًا، يحدوه الأمل والرجاء في رحمة الله ومغفرته وهو كذلك يخشى ويخاف من الله سبحانه، وهذا هو المنهج الوسط العدل.

 

فإذا ما وضع الإنسان هذا الأمر في حسبانه، وتلبس تلك الحالة من العبادة، كان في فهمه لمراد الله أقرب، والمتتبع لآيات القرآن سيجد كل الآيات التي تحمل معنى العذاب، مقترنة بالمغفرة، حتى لا يظن الناس مظنة سوء في ربه جل في علاه.

 

يقول الله تعالى: "إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ"، ويقول أيضًا "وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ"، ويقوا أيضًا: "إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ"، وعن عباده الذين يجمعون بين عبادة الخوف والرجاء يقول: "إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ"، وهو القائل: "نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ".

 

والله سبحانه وتعالى كما قال في الحديث القدسي، حينما سأله سيدنا موسى في المناجاة: "يا رب أي عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك، فقال: أحب عبادي إلي تقي القلب نقي اليدين، لا يمشي إلى أحدٍ بسوء، أحبني وأحب مَن أحبني وحببني إلى خلقي، قال: يا رب إنك تعلم أني أحبك وأحب من يحبك، فكيف أحببك إلى خلقك؟ قال: ذكرهم بآلائي وبنعمائي وبلائي".

 

فالخوف هو السبيل والطريق الذي يمنع المؤمن من الشهوات خشية الوقوع في العقوبة. قال تعالى: "وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ "، وقال "إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا"، فالخوف المحمود شرعاً هو الذي يحث على فعل الصالحات وترك المحرمات أما إذا زاد عن حده أفضى إلى اليأس والقنوط من رحمة الله.

 

فالخوف يردع الإنسان عن فعل المعصية، والرجاء يمنعه من القنوط واليأس، والعلماء يقولون: القلب في سيره إلى الله عز وجل بمنزلة الطائر: فالمحبة رأسه، والخوف والرجاء جناحاه، فمتى سلم الرأس والجناحان، فالطائر جيد الطيران، ومتى قُطع الرأس، مات الطائر، ومتى فُقد الجناحان فهو عرضه لكل صائد وكاسر.

 

لكن علماء السلف استحبوا أن يقوي في الصحة جانب الخوف على جانب الرجاء، وعند دنو الأجل استحبوا أن يقوى جناح الرجاء على جناح الخوف، لأنه في تلك الحالة مقبل على الله، ويتعين عليه أن يحسن الظن، وأن يرجو رحمته ومغفرته.

 

وقد أثنى تعالى على ملائكته بشدة خوفهم منه سبحانه فقال "وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ"، ووعد الخائفين بالجنة فقال: "وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ"، ووعدهم بالتمكين في الارض فقال تعالى: "وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ منْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَن خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ".

 

وتجسدت تلك المعاني في السنة المطهرة، ووردت في الكثير من الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

 

فعن عائشه رضي الله عنها قالت: يارسول الله: قَول الله عز وجل "وَّالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبّهِمْ رَاجِعُونَ" أهو الذي يزني، ويشرب الخمر ويسرق؟ قال: "لا يا أبنة الصدّيق، ولكنه الرجل يصوم ويصلي، ويصدّق، ويخاف ألا يقبل منه"، ( رواه أحمد والترمذي وصححه الحاكم.

 

وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن أهون أهل النار عذابًا يوم القيامه لرجل، يوضع في أخمص قدميه جمرتان، يغلي منهما دماغه، ما يرى أن أحدًا" أشدّ منه عذابًا، وإنه لأهونهم عذابًا"، متفق عليه.

 

وعن أنس رضي الله عنه، قال: "خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة، ما سمعت مثلها قط، فقال: "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيرًا"، فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوههم ولهم خنين (متفق عليه) والخنين: صوت البكاء الذي يكتمه صاحبه.

 

وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من السبعه الذين يظلهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه: "رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله رب العالمين"، (متفق عليه).

 

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والله إني لأعلمهم بالله، وأشدّهم خشيه" (متفق عليه).

 

وقد وعى صحابة النبي رضوان الله عليهم، معنى الخوف والرجاء، دون أن يغلبوا أحدهما على الآخر، فكانت قلوبهم خاشعة لله خائفة من عذابه، وفي ذات الوقت يحذوهم الأمل والرجاء في رحمته.

 

عن الضحاك قال: "مرّ أبو بكر الصديق رضي الله عنه على طير قد وقع على شجرة فقال: طوبى لك يا طير! تطير فتقع على الشجر، ثم تأكل من الثمر، ثم تطير ليس عليك حساب ولا عذاب، ياليتني كنت مثلك".

 

وسيدنا عمر رضي الله عنه، حينما قال له أبو ذر رضي الله عنه: والله يا أمير المؤمنين إن الناس يخافون شدتك، فبكى لكلامه، وقال: "والله يا أبا ذر ما يعلم الناس ما في قلبي من الرحمة لأخذوا عباءتي هذه". 

اضافة تعليق