"كوسوفو المسلمة".. كيف انتشرت الدعوة ولم اشتعل الصراع؟

الإثنين، 29 أبريل 2019 01:57 م
كوسوفو المسلمة


يعود تاريخ الإسلام في كوسوفو إلى الفتح العثماني في البلقان، حيث وصل إلى هناك بعد معركة كوسوفو في عام 1389 بعد حكم الدولة العثمانية من 1389 حتى 1912. وأصبح 90 ٪ من سكان كوسوفو من المسلمين، معظمهم من أصل ألباني.

وجمهورية كوسوفو أو كوسوفا،(سماها السلاطين العثمانيون قوصوة) دولة معترف بها جزئيا تقع في جنوب شرق أوربا أو منطقة البلقان تحدها جمهورية مقدونيا من الجنوب الشرقي وصربيا من الشمال الشرقي والجبل الأسود من الشمال الغربي وألبانيا من الجنوب.

 

 وعاصمتها هي مدينة بريشتينا، يبلغ عدد سكانها مليونين وثلاثمائة ألف نسمة، وقد كانت كوسوفو منطقة ذاتية الحكم ضمن صربيا حتى 17 فبراير 2008 حين أعلن البرلمان الكوسوفوي بالإجماع استقلالها وإعلان بريشتينا عاصمة لها، وحاليا تعترف 108 دولة باستقلال كوسوفو، ويشكل المسلمون 95 ٪ من سكان كوسوفو.

 

وأصل الكوسوفيين الألبان من القبائل الإيليرية ذات الجنس الآري، وسموا بأكثر من اسم منها: الألبان، والأرناؤوط، واتفق المؤرخون على أنهم أول من نزل شبه جزيرة البلقان - فى عصر ما قبل التاريخ - على شواطئ البحر الأدرياتيكى الشمالية والشرقية قبل قدوم اليونان، وكان ذلك منذ أكثر من ثلاثة آلاف سنة، ثم انتشرت القبائل الإيليرية فى أنحاء البلقان.

 

وقد دخل الإسلام إلى البلاد البلقانية قبل الفتح العثماني، وذلك عن طريق التجار والدبلوماسيين والدعاة، إلا أن ذلك كان على نطاق ضيق ومحدود، أما الانتشار الفعلي للإسلام في تلك البلاد فقد كان بعد مجيء العثمانيين؛ حيث دخلت شعوب منطقة البلقان في الإسلام أفواجًا، وحَسُن إسلامها وكان منهم في الدولة العثمانية القادة العظام مثل بالابان باشا الذي كان من قادة فتح القسطنطينية، وكبار الكتاب والشعراء الذين كانوا يؤلفون بلغات خمس: الألبانية والبوسنية والعربية والتركية والفارسية مثل محمد عاكف أرسوي رحمهم الله جميعا.

 

 وقد تمكن الحكم العثماني في جزيرة البلقان بصورة نهائية بعد معركة كوسوفو أو قوصوة الشهيرة التي قاد فيها السلطان العثماني مراد الأول المسلمين بنفسه، وقبيل انتصار الجيش الإسلامي استشهد السلطان مراد، ثم تسلم القيادة من بعده السلطان بايزيد الذي انتصر على الجيوش المتحالفة الأوربية وقتل الملك لازار الصربي وذلك سنة 1389م/ 791 هـ؛ فبعد هذه المعركة الحاسمة خضعت كوسوفو وصربيا للحكم العثماني ما عدا مدينة بلغراد، فإنها فتحت في عهد السلطان سليمان القانوني وذلك سنة 1521م/ 927 هـ.

 

 وكانت ولاية كوسوفو أكبر الولايات العثمانية في أوربا طيلة خمسة قرون، وكانت أول عاصمة لها مدينة بريزرن ثم مدينة بريشتينا.

تاريخ الصراع

 

وتعود جذور الصراع بين الصرب والمسلمين في كوسوفو منذ هزيمة الصرب على أيدي المسلمين في الفتح الإسلامي عام 1389م، ومنذ ذلك اليوم عمل الصرب على إنهاء الوجود الإسلامي في البلقان، وقادوا تحالفا مع بلغاريا والجبل الأسود واليونان لطرد الدولة العثمانية من البلقان، للانفراد بالمسلمين هناك.

 

 واشتدت المؤامرات على الدولة العثمانية من الخارج، وتمكنت صربيا من قيادة التمرد ضد الدولة في الداخل - في منطقة البلقان - واستطاعت أن تستقل أخيرا عن الدولة العثمانية.

 

وأثناء الحرب البلقانية العثمانية سنة 1912م، أعلن الألبان استقلالهم، وكان هذا أكبر خطأ ارتكبه الألبان - رغم أنهم آخر الشعوب التي خرجت على الدولة الإسلامية العثمانية - ومنذ ذلك الوقت بدأت مرحلة تصفية الحساب مع الدولة العثمانية، حيث أعلن الصليبيون في البلقان حربهم ضد الإسلام والشعوب المسلمة هناك.

 

- وفي مؤتمر عقدته الدول الغربية المنتصرة في لندن عام 1912م، تم توزيع أجزاء من أراضي بلاد الألبان على المنتصرين. وبعد أن كانت مساحة ألبانيا حوالي 70 ألف كيلومتر مربع، فإنها بعد اقتسام الغنيمة تقلصت إلى حوالي 29 ألف كيلومتر مربع فقط.

 

وكانت كوسوفو من نصيب المملكة الصربية آنذاك، ومن يومها بدأت المذابح الجماعية للمسلمين في البلقان عموماً، وفي البوسنة وكوسوفو خصوصاً وتقول إحدى الإحصائيات بأن عدد قتلى المسلمين في كوسوفو وحدها قريب من ربع مليون نسمة، هذا غير المهاجرين من ديارهم فراراً بدينهم وهم عشرات الألوف.

 

 وبدأت مؤامرة جديدة بين تركيا العلمانية بقيادة مصطفى كمال أتاتورك وحكومة يوغسلافيا بإفراغ البلاد من المسلمين، من خلال تهجير أعداد كبيرة منهم.

 

وبالفعل تم التوقيع على اتفاقية في عام 1938م، تقضي بتهجير 400 ألف عائلة ألبانية مسلمة إلى تركيا.

 

 وخلال الحرب العالمية الثانية ظل قادة ما يسمى بحركة التحرير الشعبية لـيوغسلافيا وهي حركة قومية ماركسية يتوددون إلى الشعب الألباني المسلم في كوسوفو لإقناعهم بأن من حقهم الاستقلال عن المملكة الصربية، وأنهم في حال تسلمهم مقاليد الحكم في البلاد سيعيدون هذا الحق المغتصب للمسلمين في كوسوفو.

 

 وبعد أن اعتلى الماركسيون الشيوعيون الحكم في البلاد قاموا بحملة إبادة واسعة للشعوب الإسلامية المنكوبة التي سيطروا عليها، وأرسلوا وحدات من الجيش لاحتلال كوسوفو الأمر الذي فوجئ به الألبان، وظلوا يقاومون الجيش طيلة ثلاثة أشهر ديسمبر 1944- فبراير 1945م - وقد سقط في هذه المعارك قرابة 50 ألف شهيد من الشعب الألباني المسلم.

 

 في عام 1945م قررت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي تقسيم الأراضي الألبانية المحتلة بين ثلاث جمهوريات هي صربيا، ومقدونيا، والجبل الأسود؛ ومن ثم فقد ألحق إقليم كوسوفو بصربيا، وسلمت بعض الأراضي الألبانية ومن عليها من سكان ألبان إلى جمهوريتي مقدونيا والجبل الأسود، الأمر الذي شتت العديد من أفراد الأسرة الواحدة بين هذه الدول.

 

وقد نص الدستور اليوغسلافي الذي صدر سنة 1946م، على تبعية كوسوفو لـصربيا كإقليم يتمتع بحكم ذاتي، وظل يتقلص تدريجيا إلى أن ألغي بالكامل في دستور سنة 1963م.

 

وبصدور دستور سنة 1974م تم تثبيت الحكم الذاتي وتوسيع نطاقه؛ إذ أصبحت كوسوفو بموجبه وحدة فيدرالية واحدة، متساوية مع بقية الوحدات الفيدرالية الأخرى في البلاد، وهو ما انطبق على البوسنة أيضاً، الأمر الذي رفضه المسلمون فقاموا سنة 1981م بثورة شعبية على مستوى كوسوفو كلها، يطالبون فيها باستقلال كوسوفو عن صربيا، ومنحها حكمًا ذاتيًّا كجمهورية في إطار يوغسلافيا الفيدرالية؛ مما جعل السلطات الصربية تأمر القيادات العسكرية بقمع انتفاضة الشعب المسلم، حيث نزل الجيش المدجج بأفتك أنواع الدبابات، والأسلحة الحديثة فراحت تحصد المسلمين هنا وهناك.

 

وقدر عدد قتلى المسلمين في اليوم الأول بحوالي 300 قتيل، هذا فضلاً عن هدم البيوت، وتدمير المنشآت الخدمية، وانتهاك حرمة المساجد والمدارس الدينية، وهتك أعراض المسلمات الحرائر.

 

ومع كل هذا القمع الشديد استمر المسلمون في المطالبة بحقوقهم إلى بداية انهيار الشيوعية، التي آذنت بتفكك الاتحاد اليوغسلافي، وراحت كل جمهورية من جمهورياته تأخذ طريقها نحو الاستقلال التام عن يوغسلافيا الفيدرالية، فتوقع المسلمون أن أفول الظلام الماركسي، وظهور نظام جديد في أوروبا الشرقية سوف يسمح بالحريات لشعوب المنطقة، ويعطيها الحق في تقرير مصيرها.

 

وقد امتد هذا حتى شمل جمهوريات يوغسلافيا، فأعلنت البوسنة استقلالها بعد سلوفينينا وكرواتيا وهنا قامت قيامة أعداء الله، فأعلنوا الحرب على الإسلام والمسلمين، وصرحوا على الملأ بأنهم لن يسمحوا بقيام دولة إسلامية في أوروبا ثم حدث بعد ذلك ما حدث من الجرائم الوحشية والمذابح الجماعية التي ارتكبت في حق هذا الشعب المسلم، والتي شهدها العالم بأسره، ولم يحرك لها ساكناً !! .

 

 وكان أن أجرى المسلمون الألبان في كوسوفو استفتاء عاماً فيما بينهم بعد تفكك الاتحاد اليوغسلافي، وذلك في سبتمبر 1991م، أسفر عن انحياز الأغلبية المطلقة للاستقلال، وتطور الأمر إلى انتخاب مجلس نيابي، وتشكيل حكومة، وتنصيب رئيس لجمهوريتهم المستقلة هو الدكتور إبراهيم روغوفا، ولكن الحكومة الصربية تجاهلت كل هذه الإجراءات، واعتبرتها كأن لم تكن، بل بدأت بمرحلة جديدة من الاعتقالات والتعذيب، والاضطهاد فاقت سابقتها، وفي هذا الصدد ارتكب الصرب جرائم كبيرة ضد هذا الشعب المسلم، ولا يزالون يواصلون جرائمهم واعتداءاتهم على إخواننا المسلمين، في ظل صمت مطبق من العالم الإسلامي!!

 

وظل الصرب يمارسون إجراءاتهم القمعية ضد المسلمين في كوسوفو طوال الفترة الماضية، ولم يكن أمام الشعب المسلم خيار إلا المقاومة والانتفاضة أمام التجاوزات والتضييق، وسياسة الإفقار والتجهيل الممارسة ضده من طرف الصرب المهيمنين على مقاليد البلاد.

اضافة تعليق