الرحمة.. لهذا خلق الله البشر

الإثنين، 29 أبريل 2019 11:01 ص
الرحمة

بسم الله الرحمن الرحيم.. جميعنا يعلم أن جميع سور القرآن الكريم تبدأ بالبسملة عدا سورة "التوبة"، لكن من منا توقف عند لماذا اختار الله سبحانه وتعالى من أسمائه الرحمن الرحيم ليفتتح بها مصحفه، لماذا لم يختر بجانب الرحمن أي اسم آخر، وليكن الجبار أو الملك، ولو للدلالة على أنه رحمن، وفي نفس الوقت يملك الأمر كله ويدبره، إلا أنه استخدم نفس المعنى تقريبًا.. رحمن ورحيم، فما دلالة ذلك؟.

لاشك أنه ليس من دلالة على ذلك سوى أن الله سبحانه يريد التأكيد مرارًا على عباده بأن رحمته وسعت كل شئ كما قال "وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ"، وأنه عز وجل يقدم دائمًا رحماته على عدله ولو حاسب الناس بعدله لرجحت كفة نعمة واحدة من نعمائه على كل عمل ابن آدم مهما كان. 

وهذا ما بشَّرنا به الرسول الكريم صلى الله عليه عندما قال: "إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِائَةَ رَحْمَةٍ، كُلُّ رَحْمَةٍ ‏طِبَاقَ ‏مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ؛ فَجَعَلَ مِنْهَا فِي الأَرْضِ رَحْمَةً فَبِهَا تَعْطِفُ الْوَالِدَةُ عَلَى وَلَدِهَا وَالْوَحْشُ وَالطَّيْرُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَكْمَلَهَا بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ".

 والحديث يؤكد أن الله عز وجل جعل الرحمة قبل خلق البشر أنفسهم، وهذا من عظيم فضله، وواسع جوده، بل إن النص القرآني العظيم يشير إلى أن هذه الرحمة قد كتبها ربنا على نفسه، قال تعالى: "كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ" (الأنعام:54).

يقول الإمام الطبري في تفسير هذه الآية: "قضى سبحانه أنه بعباده رحيم، لا يعجل عليهم بالعقوبة، ويقبل منهم التوبة".. وما يزيد التأكيد على ذلك ما جاء في توضيح الهدف الأسمى من الرسالة المحمدية بأنه فقط رحمة للعالمين، وذلك حين قال: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ" (الأنبياء:107)، إذا أضفنا هذا المعنى إلى كل ما سبق أدركنا حقيقةَ أنَّ أقوال وأفعال رسول الله ما هي إلا ترسيخ لمعنى الرحمة.

الأغرب أن الإمام الطبري في شرحه لهذه الآية، يرجح أن هذه الرحمة تشمل المؤمنين والكافرين، فيقول: إن الله أرسل نبيه محمدًا رحمة لجميع العالمين، مؤمنهم وكافرهم، فأما مؤمنهم فإن الله هداه به، وأما كافرهم فإنه دفع به عنه عاجل البلاء الذي كان ينزل بالأمم المكذبة رسلها من قبله"، وما يؤكد على ذلك أن الرسول لم يبعث لأمة بعينها وإنما للناس كافة.

وفي ذلك يقول الرسول الكريم: "من لا يَرْحَم لا يُرْحَم"، هكذا على إطلاقها تأتي العبارة، مَن لا يَرحم العباد دون تحديد أو تقييد لا يرحمه الله، ويقول أيضًا: "ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ"، وكلمة "مَنْ" تشمل كل مَن في الأرض، ويقول كذلك: "إِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ".

بل تعدى أمر الرحمة من الإنسان إلى الطير والحيوان، إذ يقول صلى الله عليه وسلم، "دَخَلَتْ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ ‏ ‏خَشَاشِ ‏‏الأَرْضِ". 

كما أخبر بأن الله عز وجل غفر لامرأة زانية من بني إسرائيل لرحمتها بكلب، حيث قال: "بَيْنَمَا كَلْبٌ‏ يُطِيفُ‏ بِرَكِيَّةٍ كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ إِذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا‏ ‏بَنِي إِسْرَائِيلَ‏ ‏فَنَزَعَتْ مُوقَهَا فَسَقَتْهُ فَغُفِرَ لَهَا بِهِ".

وروى أيضًا أن الله غفر لرجل رحم كلبًا فسقاه من العطش، قائلاً: "بَيْنمَا رَجُلٌ يَمْشِي فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ؛ فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا، ثُمَّ خَرَجَ، فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ، يَأْكُلُ ‏‏الثَّرَى ‏مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي. فَمَلأَ خُفَّهُ، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ، ثُمَّ رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ". قالوا: يا رسول الله، وإنَّ لنا في البهائم أجرًا؟ قال: "فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ".


كما دعا صلى الله عليه وسلم إلى الرحمة بالأضحية أثناء ذبحها، وقال: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ». وقال في رحمة بالغة حين مَرَّ على بعير قد لحقه الهزال: "اتَّقُوا اللهَ في هَذِهِ الْبَهَائِمِ الْـمُعْجَمَةِ... ‏فَارْكَبُوهَا صَالِحَةً، وَكُلُوهَا صَالِحَةً".. وقال أيضًا للدلالة على عظيم الرحمة: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ، أَوْ إِنْسَانٌ، أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلاَّ كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ!».

 حتى الجماد لم ينسه صلى الله عليه وسلم من الرحمة، وهو يشير إلى جبل أُحد: «هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ»، فأي رحمة هذه.. وصدق الله العظيم إذ يقول مخاطبًا نبيه الكريم: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159].

اضافة تعليق