التكافل.. تراحم.. إنسانية.. مساواة.. هكذا يريد الله لنا أن نكون

الإثنين، 29 أبريل 2019 10:54 ص
التكافل

"يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا" (الحجرات)، خطاب واضح وضوح الشمس، أنها رسالة إلى الناس كافة وليس للمسلمين على وجه الخصوص، فعندما يتحدث الله سبحانه وتعالى عن التكافل يوجه رسالته إلى كل البشرية.

فالتكافل الاجتماعي في الإسلام ليس معنيًا به المسلمون فقط بل يشمل كل بني الإنسان على اختلاف مللهم واعتقاداتهم داخل ذلك المجتمع، كما قال الله تعالى: "لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" (الممتحنة)، ذلك أن أساس التكافل هو كرامة الإنسان حيث قال الله تعالى: "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً" (الإسراء).

والتكافل يتدرج ليشمل الإنسانية جمعاء، حيث يبدأ الإنسان المسلم بدائرته الذاتية ثم دائرته الأسرية ثم محيطه الاجتماعي ثم إلى تكافل المجتمعات المختلفة.

ويجب مراعاة تفعيل دور العائلة في التكافل والتراحم فيما بينهم، حيث يحرص الأغنياء على إعانة ومساعدة أقاربهم من الفقراء، والحرص على كفالة الأيتام داخل العائلة الكبيرة، فلا شك أن هذه اللُّحمة القوية -التي أصبحت مفتقدة عند الكثيرين- ستساعد على شد ضروريات هؤلاء الفقراء، ومساعدتهم على مواجهة أعباء الحياة، ولا شك أيضًا أن الأقربون أولى بالمعروف.

التكافل في محيط الأسرة من الزوجين بتحمل المسؤولية المشتركة في القيام بواجبات الأسرة ومتطلباتها كل بحسب وظيفته الفطرية التي فطره الله عليها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته،.... والرجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها".

ويأتي تقسيم وتوزيع المسؤوليات داخل البيت بين الرجل والمرأة بما يضمن قيام الأسس المادية والمعنوية التي تقوم عليها الأسرة، فالله سبحانه وتعالى يخاطب أرباب الأسر رجالاً ونساءً بقوله: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ" (التحريم).

وأما بالنسبة للمجتمع، فقال الله عز وجل، ":وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ" (المائدة).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا".

وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم حال أفراد المجتمع في تماسكهم وتكافلهم بصورة تمثيلية رائعة حيث قال صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".

ولم ينس الإسلام كفالة كبار السن، قال تعالى: "وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً" (الأحقاف).
ويقول تعالى: "وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً" (الإسراء)، فمسئولية الأبناء عن بر الآباء ورعايتهم مسئولية إلزامية ديانة وقضاء، بمعنى أن أوامر الدين توجب على الأولاد وتلزمهم بها، فإذا قصروا فيها ألزمهم بها القضاء، ولو كان دينهما مختلفاً عن الأبناء، فإن ذلك لا يسقط حقهم ولا يلغي تلك المسئولية، قال تعالى: "وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً" (لقمان)، وإذا لم يكن لهم أبناء انتقلت المسؤولية عنهم إلى المجتمع، ممثلاً في الدولة بصورة إلزامية.

وحتى صغار السن والأيتام، ورد في الحث على كفالة الأيتام والعناية بهم ما يبعث في نفس المؤمن دافعًا قويًا إلى ذلك، قال تعالى: "فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ" (الضحى).

وقال تعالى: "يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ" (البقرة)، وهناك العديد من الآيات التي تحض على رعاية اليتيم والإحسان إليه، ورعاية ماله إن كان له مال.

ولا يمكن أن نغفل دور العلماء والمربين في توجيه المجتمع نحو التكاتف والتكافل، وضرورة إنشاء مؤسسات متخصصة في ترابط المجتمع ككل ترعاها الدولة كما يحدث بشأن مستشفيات الأطفال في مصر والتوعية حول أهمية المشاركة في دعمهم ماديًا ومعنويًا.

ومما لاشك فيه أن نجاح مؤسسة كـ "57357"، وتكافل الجميع حول إنجاحها في محاربة السرطان، يعد مثالاً يحتذى للنهوض بالأمة ككل، لأنه يُقلِّص الفوارق الاجتماعية؛ بل ويحقق الوَحدة وتماسك المجتمع، ونيل الثواب وكسب رضا الله سبحانه وتعالى، والشعور بالرحمة، وطهارة النفس من الشحِّ والحقد.

اضافة تعليق