القبول بالآخر.. هكذا أرسى الإسلام قواعد التعايش

الإثنين، 29 أبريل 2019 10:22 ص
التعايش وقبول الآخر

الاختلاف سنة ربانية وحقيقة كونية لا يمكن إنكارها، وقد جعل الله تعالى الاختلاف بين البشر في الألوان والأجناس والألسنة آية من آياته، فقال تعالى: "وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ" (الروم: 22)، ولو شاء الله لجعل لسان العالمين واحدًا، ولونهم واحدًا؛ فرغم أن الأصل واحد؛ إذ إن الكل من آدم وحواء، لكن نشأ عن هذا الأصل الواحد كل هذا التنوع والاختلاف والتعدد.

فالإسلام علّم المسلمين، وغرس فيهم، مبدأ قبول الآخرين والتعايش معهم على أساس الالتزام بالحقوق والواجبات، فعاش غير المسلمين مع المسلمين فى الدولة الإسلامية فى أمن وأمان واستقرار، على أساس المساواة فى الحقوق والواجبات، وساد فى الناس هذا القانون العادل الذى ينظم علاقة المسلمين بغيرهم على قاعدة لهم ما لنا وعليهم ما علينا، هذا القانون الذى ينظم علاقة المسلمين بغيرهم كحد أدنى للتعايش ويضمن للناس جميعا الأمن والاستقرار الذى لم تعرفه الإنسانية إلى الآن إلا فى الإسلام.

 فلا تفرقة بين الناس فى الحقوق والواجبات بسبب الدين أو اللون أو الجنس أو العرق أو الغنى أو الفقر. بل إن الأمر لم يقف عند الالتزام بالحقوق والواجبات بل تجاوزه إلى حد التسامح والإحسان.

فلا شك أن قبول الآخرين والتعايش معهم مبدأ أسسه الإسلام وأرسى دعائمه وطبقه النبى محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام تطبيقا عمليا منذ أن قامت الدولة الإسلامية فى المدينة المنورة، ومنذ أن تحرك الفاتحون ناشرين الإسلام فى شرق الدنيا وغربها قبل أن تسمع الدنيا كلها بهذا المبدأ بقرون طويلة.

قال الله تعالى: "لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" (الممتحنة: 8).
فكيف بمن يطرأ عليه الاختلاف في مراحل حياته ألا يقبل الاختلاف عند الآخرين؛ فهو يطلب محالاً من المحالات، لذلك قال -تعالى: "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ" (هود: 118).

وسنة الاختلاف دليل على الحرية الممنوحة للإنسان في هذه الحياة الدنيا، فلو شاء الله لجعل البشر مثل باقي المخلوقات التي هي مسخرة ومفطورة على الطاعة، لكنه تعالى ترك لهم حرية الاختيار في الدنيا، لذا نشأ الاختلاف.

فلم يعرف التاريخ أمة متسامحة كما عرف ذلك بالنسبة للمسلمين، ومرد هذا التسامح إلى ان المنهج الذى ربى المسلمين ويحتكمون إليه مبرأ من الأهواء البشرية، وفي ذلك قول الله تعالى: "وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَت وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ" (الجاثية: 22).

لذلك أمر الله تعالى المسلمين أن ينصفوا الناس من أنفسهم، فضلاً عن آبائهم وأمهاتهم وذويهم. بغض النظر عن معتقداتهم وما يدينون به وهذا على سبيل الوجوب، قال تعالى: "يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَو عَلَى أَنفُسِكُمْ أَو الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَو فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا وَإِن تَلْوُوا أَو تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً" (النساء: 135).

كما أمر الله تعالى المسلمين أن ينصفوا أعداءهم من أنفسهم وأن يقولوا الحق لله تعالى وألا تحملهم العداوة للكافرين على ظلمهم، قال الله تعالى: "يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُم شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ" (المائدة: 8).. فالمسلم يقول الحق لله تعالى لأن الله أعز عليه من كل من عداه.

لقد أنزل الله تعالى فى كتابه الكريم ثمانى آيات تنتصر ليهودى لأنه اتهم ظلماً وذلك من قوله تعالى: "إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُن لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً وَاسْتَغْفِر اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً وَلا تُجَادِل عَن الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُم إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً يَسْتَخْفُونَ مِن النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِن اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُم إِذ يُبَيتُونَ مَا لا يَرْضَى مِن الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً هَاأَنْتُم هَؤُلاءِ جَادَلْتُم عَنْهُم فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُم يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَن يَكُونُ عَلَيْهِم وَكِيلاً وَمَن يَعْمَل سُوءاً أَو يَظْلِم نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِر اللَّهَ يَجِد اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً وَمَن يَكْسِب إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً وَمَن يَكْسِب خَطِيئَةً أَو إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَد احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً" (النساء: 105-112).

وهنا نرى القرآن الكريم قد سارع إلى الانتصار للحق وتبرئة البرىء وإنصافه مع أنه يهودى وإدانة المذنب مع أنه ينتسب إلى المسلمين وإن كان من المنافقين، وكان من الممكن أن يقال: إن المصلحة العامة للمسلمين تقتضى ألا ينزل بشأن هذه الواقعة قرآن، وأن ستر هذا الموقف واجب حتى لا يستثمرها اليهود- وهم أعدى أعداء الإسلام والمسلمين- المتربصون بهم لتشويه صورة المسلمين وأنهم يرتكبون الجرائم ثم ينسبونها إلى اليهود ويطلبون من النبى صلى الله عليه وسلم أن يدافع عنهم.

ولقد حرم الإسلام الظلم لذاته بغض النظر عن كون المظلوم كافرا أو فاسقا، فإن كان كافرا أو فاسقا فكفره أو فسقه على نفسه فلا يتقرب إلى الله بالظلم قال الله تعالى: "وَقَاتِلُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ" وعنْ أَبِى ذَرٍّ عَنْ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم فِيمَا رَوَى عَنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: "يَا عِبَادِى إِنِّى حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِى وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلا تَظَّالَمُوا". أخرجه مسلم.

وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "اتَّقُوا الظُّلْمَ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاتَّقُوا الشُّحَّ فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ" أخرجه مسلم.

اضافة تعليق