Advertisements

الفضيل بن عياض.. من قاطع طريق إلى أحد أئمة الزهد والورع

الثلاثاء، 23 أبريل 2019 09:21 م
الفضيل بن عياض.. من قاطع طريق إلى أحد أئمة الزهد والورع
ضريح الفضيل بن عياض

وصفه ابن مهدى بأنه «رجل صالح»، وقال عنه سفيان بن عيينة إنه «ثقة»، أما العجلى فأشار إلى أنه «هو ثقة متعبد، رجل صالح»، فيما وصفه أبوحاتم بأنه «صدوق»، وزاد النسائى على ذلك ونعته بأنه «ثقة مأمون» وهى الصفة التى وافقه عليها الدار قطنى راوى الحديث.
كذلك قال عنه عبدالله بن المبارك «ما بقى على ظهر الأرض عندى أفضل من الفضيل بن عياض... لقد رأيت أعبد الناس عبدالعزيز بن أبى روَّاد، وأورع الناس الفضيل بن عياض، وأعلم الناس سفيان الثورى، وأفقه الناس أبا حنيفة، ما رأيت فى الفقه مثله... لقد صدق الفضيل الله فأجرى الحكمة على لسانه، فالفضيل ممن نفعه علمه... ما بقى فى الحجاز أحد من الأبدال إلا فضيل، وابنه على، وعلىّ مقدم فى الخوف، وما بقى أحد فى بلاد الشام إلا يوسف بن أسباط، وأبومعاوية الأسود، وما بقى أحد فى خراسان إلا شيخ حائك يقال له معدان».
ووصفه عبيد الله القواريرى بأنه أحد أفضل من رأى من المشايخ. ورأى نصر بن المغيرة البخارى أنه أحد أحفظ الناس وأفقههم وأورعهم، مثل وكيع وابن المبارك. وينسب إلى الخليفة هارون الرشيد قوله: «ما رأيت فى العلماء أهيب من مالك، ولا أورع من الفضيل».
والإمام الزاهد نسبه هو الفضيل بن عياض بن مسعود الخراساني ولد في مدينة سمرقند عام 107 هجري، وتعلم على يد الكثير من الشيوخ كان منهم هشام بن حسان و منصور بن المعتمر وسليمان التيمي و عوف الاعرابي وغيرهم من العلماء.

قصة توبته
كان الفضيل بن عياض يسرق ويعطل القوافل في الليل، يأخذ فأساً وسكيناً ويتعرض للقافلة فيعطلها، كان شجاعاً قوي البنية، وكان الناس يتواصون في الطريق "إياكم والفضيل إياكم والفضيل!"، كما أن المرأة تأتي بطفلها في الليل تسكته وتقول له: اسكت وإلا أعطيتك للفضيل. ورأى الفضيل بن عياض ذات يوم امرأة جميلة جدا فطلبها لنفسه إلا أنها امتنعت من الزواج منه لما اشتهر به، فقرر الدخول عليها في بيتها وذات ليلة تسلق الجدار المؤدي إلى بيتها فإذا بها أمامه بحوشالدار مستقبلة القبلة وقائمة تصلي لله عز وجل، فجلس الفضيل ووضع يده على السقف وظل ينظر إلى تلك المرأة تقرأ القرآن وتبكي حتى بلغت قول الله عز وجل: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) الحديد:16.
 فنظر الفضيل إلى السماء وقد حشرجت عيناه بالدموع فقال: "يا رب! إني أتوب إليك من هذه الليلة"، ثم نزل فاغتسل ولبس ثيابه وذهب إلى المسجد يبكي حتى الصباح، فتاب الله عليه، فجعله إمام الحرمين في العبادة والزهد، وذات يوم وهو يسير في الشارع متجها لصلاة الفجر سمع تاجرا يقول لصاحبه فلننطلق الآن إلى تجارتنا، فقال له الآخر إن هذه المدينة بها رجل يقال له الفضيل بن عياض وسيقطع طريقنا، فبكى بكاء شديدا وأخذ يقول في نفسه من أكون أنا لأخيف عباد الله.
وعلّق الإمام الذهبى على هذه القصة قائلاً: «وبكل حال: فالشرك أعظم من قطع الطريق، وقد تاب من الشرك خلق صاروا أفضل الأمة، فنواصى العباد بيد الله، وهو يضل من يشاء، ويهدى إليه من أناب».
تصوفه وزهده
قيل لابن عياض: ما الزهد؟، أجاب: القنوع، قيل: ما الورع؟ أجاب: اجتناب المحارم. قيل: ما العبادة؟ أجاب: أداء الفرائض. قيل: ما التواضع؟ أجاب: أن تخضع للحق. وقال: أشد الورع فى اللسان. هكذا هو، فقد ترى الرجل ورعا فى مأكله وملبسه ومعاملته، وإذا تحدث يدخل عليه الداخل من حديثه، فإما أن يتحرى الصدق، فلا يكمل الصدق، وإما أن يصدق، فينمق حديثه لِيُمْدَح على الفصاحة، وإما أن يظهر أحسن ما عنده ليعظم، وإما أن يسكت فى موضع الكلام، لِيُثْنَى عليه. ودواء ذلك كله الانقطاع عن الناس إلا من الجماعة.
وسأله عبدالله بن مالك ذات يوم: يا أبا على ما الخلاص مما نحن فيه؟ قال: أخبرنى، من أطاع الله هل تضره معصية أحد؟ قال: لا. قال: فمن يعصى الله هل تنفعه طاعة أحد؟ قال: لا، قال: هو الخلاص إن أردت الخلاص.
وكان ابن عياض يحض على الزهد ويقول لأتباعه: «حرام على قلوبكم أن تصيب حلاوة الإيمان حتى تزهدوا فى الدنيا»، قال: «رهبة العبد من الله على قدر علمه بالله، وزهادته فى الدنيا على قدر رغبته فى الآخرة، من عمل بما علم استغنى عما لا يعلم، ومن عمل بما علم وفَّقه الله لما لا يعلم، ومن ساء خلقه شأن دينه وحسبه ومروءته». وكان يقول أيضاً: «لا يسلم لك قلبك حتى لا تبالى من أكل الدنيا».
وللفضيل أقوال أخرى فى ذم الدنيا، من بينها:
- لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يعد البلاء نعمة، والرخاء مصيبة، وحتى لا يحب أن يحمد على عبادة الله.
- إذا أحب الله عبداً، أكثر غمه، وإذا أبغض عبداً، وسع عليه دنياه.
ثمة أقوال مأثورة عدة للفضيل، نقلها عنه الرواة، وهى جميعها تدل على حكمته وعمق إيمانه ونفاذ بصيرته وورعه. ومن بينها:
- إنما أمس مثلٌ، واليوم عمل، وغدا أمل.
- من خاف الله لم يضره أحد، ومن خاف غير الله لم ينفعه أحد.
- أكذب الناس العائد فى ذنبه، وأجهل الناس المُدِلّ بحسناته، وأعلم الناس بالله أخوفهم منه، لن يكمل عبد حتى يؤثر دينه على شهوته، ولن يهلك عبد حتى يؤثر شهوته على دينه.
- ترْك العمل لأجل الناس رياء، والعمل لأجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله عنهما.
- والله ما يحل لك أن تؤذى كلباً ولا خنزيراً بغير حق، فكيف تؤذى مسلماً.
- لا يكون العبد من المتقين حتى يأمنه عدوه..
- بقدر ما يصغر الذنب عندك يعظم عند الله، وبقدر ما يعظم عندك يصغر عند الله.
ويقال إن الفضيل بن عياض قدم إلى الكوفة وهو مسن، فسمع الحديث، ثم تعبد، وانتقل إلى مكة ونزلها إلى أن مات فيها فى أول سنة سبع وثمانين ومائة فى خلافة هارون الرشيد.

اضافة تعليق