في الخصومة.. "وخيرهما الذي يبدأ بالسلام"

الثلاثاء، 23 أبريل 2019 10:52 ص
الخصومة في الإسلام

نهى الإسلام عن الفجر الخصومة، وعده من علامات النفاق، فعن عبدالله بن عمرو أن النبي صلى الله  عليه وسلم قال: أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن، كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر".


ورغبّ في المقابل في التصالح بين المتخاصمين، ولم يبح استمرار الخصومة لأكثر من 3 أيام، لما في الحديث: "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام"، ولذلك لما له من أضرار اجتماعية خطيرة، فالمجتمع الذي يسود السلام والوئام بين أفراده، هو مجتمع بنيته قوية، عصي على التفتيت والانهيار، ولا يقبل الانكسار.

 

العفو عند الخصام ليس ضعفًا، ولا ينتقص من كرامة الشخص الذي يعفو عمن أساء له، لأنه دليل على سلامة الصدر، وحسن الطوية، وجميل الصفح والعفو، وقد رأينا ما فعله يوسف مع إخوته، بعدما كادوا له وكادوا يقتلونه وهو صغيرًا، وانتهى به المطاف عبدًا، حتى أفاض الله عليه بكرمه، ومكن له في الأرض، فساعد أخوته وقت الاحتياج إليه، لم تتملكه روح الانتقام، لكنه قابلهم بالعفو الحسن والصفح الجميل، وقال لهم: "قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ".

 

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزًا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله"،

 

فالإسلام يكره التباغض والتخاصم لما يتبعه من التحاسد والتباغض، وهو أمر نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه، قال: "دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين".

 

وفي الحديث: "تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين والخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا إلا رجل كانت بينه وبين أخيه شحناء"، فيقال: "انظروا هذين حتى يصطلحا. وأفضل المتهاجرين هو من يبدأ بالاتصال بأخيه فيسلم عليه، ولذا قال النبي "وخيرهما الذي يبدأ بالسلام"، ليؤكد على أفضلية من كان هذا صنيعه، ومن تحلى بخلق العفو والصفح.

 

وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إياكم و الظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا و لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك".

 

وعظم النبي الكريم، أجر من يسعون في الإصلاح حتى إنه لما يقوم به عند الله أفضل من الصلاة والصدقة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بأفضلَ من درجةِ الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى. قال: صلاح ذات البَيْن، فإن فساد ذاتِ البَيْن هي الحالقة، لا أقول: هي تحلق الشعر، ولكن تَحْلِقُ الدِّيْن".

 

وإذا ما وقعت الخصومة على كراهة لها، فعلينا أن نتأدب بآداب الإسلام، حتى لا يتطور الخصام إلى ما هو أخطر، وحتى ندع الأمور تهدأ، وتذوب الخلافات بعد فترة لا ينبغي أن تتجاوز ثلاثة أيام كما حدد النبي الكريم، لأن الخصومة، ستعاد أمام الله تعالى يوم القيامة، روى الترمذي عن الزبير قال: لما نزلت "ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ"، قال الزبير: يا رسول الله أتكرر علينا الخصومة يوم القيامة، بعد الذي كان بيننا في الدنيا؟ قال: نعم، قال إن الأمر إذًا لشديد.

 

والتخاصم يتبعه القطيعة، وهو أفضل مناخ ينفث فيه الشيطان نار شروره، فيزيد الأحقاد ويثير الخلافات بين المتخاصمين، ولا يدعمها يتصالحان، فتسود الشحناء والبغضاء بينهما، وأكثر ما يقع هذا بين الأرحام والأقارب، إذ على المسلم أن يصل رحمه وإن قطعت به؛ فإنه كما في الحديث: "ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها".

 

فكان النهي عن اللدد في الخصومة، وقد سمى الله في كتابه الكريم الفجر في الخصومة لدداً قال تعالى: "وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ"، وعن عائشة رضى اللع عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم".

 

ولا بد أن يترك الإنسان للصلح موضعًا، وأن يتذكر أنه مهما طال أمد الخلاف، فإن الصلح دائمًا أفضل. فعن علي رضي الله عنه قال: "أحبب حبيبك هونًا ما عسى أن يكون بغيضك يومًا ما، وأبغض بغيضك هونًا ما عسى أن يكون حبيبك يومًا ما"، قيل لأبي سفيان رضي الله عنه: ما بلغ بك من الشرف؟ قال: ما خاصمتُ رجلاً إلا جعلتُ للصلح موضعًا".

 

والمجتمع نفسه له دور في القضاء على الخصومات، حتى لا يدعها تستفحل ويتفاقم خطرها إلى عدوات لا تنتهي، قال الله تعالى: "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ"، حتى تُحفظُ به المجتمعات من الخصام والتفككِ.
فإذا ما دبت الخلافات داخل الأسرة الواحدة، هب أهل الصلاح والإيمان لإصلاح ذات البين بين أفرادها، من أجل الحفاظ عليها من الانهيار، وصونها مما يتهددها من خطر الشقاق والخلاف، قال الله تعالى: "وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا"،  وقال أيضًا: "وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ".

 

والإصلاح بين الناس هو خير وظيفة يفعلها الإنسان، لأن من يقوم بها هو إنسان نقي السريرة، يحب الخير والهدوء ويكره الشر، ويمقت الخلاف، فلا يتأخر عن مد يد المساعدة وتحقيق الإصلاح بين الناس.

 

 

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلح بنفسه بين المتخاصمين، عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن أهل قباءٍ اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال: "اذهبوا بنا نصلح بينهم".
وعن عمرة بنت عبد الرحمن قالت: سمعت عائشة تقول: "سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوت خصوم بالباب، عالية أصوتهما، وإذا أحدهما يستوضع الآخر ويسترفقه في شيء، وهو يقول: والله لا أفعل، فخرج عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أين المتألي على الله، لا يفعل المعروف؟" فقال: أنا يا رسول الله، فله أيّ ذلك أحب". فعندما رأى النبي يستنكر عمله، عدل عن رأيه، واستجاب لفعل الخير، وقد قامت في نفسه داوفعه إرضاءً لله ولرسوله.

 

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة"، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة"، فجعل الصلح بين الناس أفضل من درجة الصائمين والمصلين والمتصدقين ترغيبًا فيه وتحبيبًا في الإصلاح بين المتخاصمين.

اضافة تعليق