نبي الله يونس و سر الأصوات الغريبة في بطن الحوت .. تفسير مذهل

الإثنين، 22 أبريل 2019 08:30 م
يونس
يونس في بطن الحوت .. دروس وعبر

روايات عديدة تحدثت عن نسب سيدنا يونس عليه السلام فقيل في إحداها وهي الأرجح إنه يونس بن متّى، ثمّ يتصل نسبه بنسل بنيامين شقيق يوسف عليه السلام،أي أنه من نسل أبي الأنبياء سيدنا إبراهيم عليه السلام .

نبي الله يونس -عليه السلام- بعث إلى نينوى،"الموصل " في العراق، إلى قومٍ انتشر الشرك بينهم؛ فكانوا يعبدون الأصنام، فدعاهم يونس وأرشدهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، إلا أنّهم كذّبوه، وكفروا برسالته، وأصرّوا على عبادة أصنامهم وأوثانهم، وكان من بينها صنم أكبر يُدعى: عشتار.

مؤرخون أكدوا إنّ دعوة يونس -عليه السلام- لقومه استمرت ثلاثاً وثلاثين سنة، إلّا أنّه لم يؤمن معه سوى رجلين، ولذلك شعر يونس -عليه السلام- باليأس من قومه، فتركهم وغادر بلدتهم. ، وظنّا أنّ الله -تعالى- لن يؤاخذه بهذا الخروج؛ لأنّه قدّم كلّ ما عليه في سبيل دعوة قومه، ولم يستجب أحد.

وعندما غادر سيدنا يونس نينوي بالعراق، بدأ يحلّ على قومه بوادر العذاب الذي توعّدهم فيه، فهلّت السُّحب السوداء، وغشيهم دخانها، واسودّت سطوحهم، فأيقن القوم أنّ عذاب الله -تعالى- آتٍ لا مفرّ منه، فخافوا ووجِلوا، وبحثوا عن يونس عليه السلام؛ ليهديهم طريقة التوبة والإنابة فلم يجدوه. 

أهل نينوي بالعراق لم يقتصر رد فعلهم علي البحث عن نبي الله يونس بل سألوا رجلاً شيخاً عمّا يجب فعله، فأرشدهم إلى طريق التوبة إلى الله تعالى، فجمعوا كبيرهم وصغيرهم، وذكرهم وأنثاهم، ، ولبسوا المسوح من اللباس؛ تواضعاً لله سبحانه، ثمّ أقبلوا عليه في هذا الحال في مشهدٍ عظيمٍ، ضارعين له أن يصرف عنهم العذاب، ويتوب عليهم، الله تعالي الرءوف الرحيم بعباده ، تقبل الله توبتهم ولم يشهد يونس -عليه السلام- هذا الحال منهم.

سيدنا يونس حين غادر نينوي أقبل على قومٍ وركب معهم سفينتهم، فلمّا أن وصلت بهم جميعاً إلى عُرض البحر، تمايلت السفينة واضطربت واهتزّت، فلم يجدوا سبيلاً للخلاص إلى أن يلقوا بأحدهم في البحر؛ تخفيفاً للحِمل، فاقترعوا على من يُلقي بنفسه في البحر، فخرج سهم يونس عليه السلام. 

ركاب السفينة التمسوا في سيدنا يونس الخير والصلاح، لم يحبّذوا أن يُلقي بنفسه في البحر، فأعادوا القرعة ثلاث مرّات، وكان يخرج سهم يونس -عليه السلام- في كلّ مرّة، فلم يجد يونس -عليه السلام- إلّا أن يلقي نفسه في البحر، وظنّ أنّ الله -تعالى- سيُنجيه من الغرق، وبالفعل فقد أقبل إليه حوت أرسله الله -تعالى- فالتقمه.

حينما صار يونس -عليه السلام- في بطن الحوت، ظنّ أنّه مات، لكنّه حرّك يديه، وساقيه، فتحرّك، فسجد لله -تعالى- شاكراً له بأن حفظه، ونجّاه، فلم تُكسر له يد، ولا رجل، ولم يصبه مكروه، وبقي في بطن الحوت ثلاثة أيّام، وسمع فيها أصواتاً غريبةً لم يفهمها، فأوحى الله -تعالى- له أنّها تسبيح مخلوقات البحر.

إزاء هذه النعم ظل سيدنا يونس يسبّح الله تعالى، قائلاً: "لا إله إلّا أنت، سُبحانك إنّي كنت من الظّالمين"، ثمّ بعد ذلك أمر الله -تعالى- الحوت فقذف به على اليابسة، وأنبتت عليه شجرة يقطين (نبات القرع)؛ يستظلّ بها، ويأكل من ثمرها، حتى نجا.

عاد يونس -عليه السلام- بعد ذلك إلى نينوى حيث قومه، فوجدهم مؤمنين بالله -تعالى- موحّدين، فمكث معهم حيناً من الدهر، وهم على حال الصلاح والتقى، حيث قال الله تعالى: "وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ*فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ"148الصافات .

بعد أن أنعم الله علي سيدنا وقومه لقي يونس ربه بحسب روايتين الأولي تشير إلي أنه دفن في كفرا بصيدا القديمة في لبنان، فيما تشير الرواية الأخري إلي أنه مدفون بتلة التوبة، في الموصل، في العراق، وهي المكان الذي عاش فيه النبي يونس، وتمّ بناء مسجد هناك باسم جامع النبي يونس.

فوائد عديدة يمكن أن نستخلصها من قصة هذا النبي الكريم علي رأسها عدم الاستعجال واليأس من النجاح ؛ حيث قال الله تعالى: "وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ*فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ"87الانبياء.

 ففي هذا الأية إشارة إلى أنّه كان على يونس -عليه السلام- ألّا يستعجل فيترك قومه لوحدهم، بل أن يبقى معهم، مُذكّراً، موجّهاً لأبعد حدّ، ولا ينتظر منهم القبول، والإيمان بسرعةٍ، و عدم الغضب.

فخروج يونس -عليه السلام- من قومه كان غضباً عليهم، وعلى حالهم، وعدم نزول العذاب الموعود فيهم، وظنّه كذلك أنّ الله -تعالى- سيعطيه فُسحة من المجال؛ ليدعو أقواماً آخرين طالما أنّ قومه لم يأخذوا بكلامه، ولم يستجيبوا له.

لكنّ الله -تعالى- أراد شيئاً مختلفاً وهو الهداية المتأخّرة لقومه أنفسهم،بشكل يشير إلي قيمة الصبر فهو مفتاح الفرج، وهو طريق تحقيق الغايات التي تأخّر ظهورها، والداعي إلى الله -تعالى- عليه أن يكون صبوراً في دعوته، فالناس تخاف وتتوجس من التغيير، وتكسل عن العبادات فتتأخّر،

 ومن هنا فيجب علي المسلم الداعية إلى ربّه -عزّ وجلّ- أن يكون صبوراً، طويل النفس؛ ليصل إلى غايته العظيمة. الاستمساك بصيغة التسبيح الواردة في قصة يونس عليه السلام، وهي: "لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ"، فهي جامعة، شاملة للتوحيد، والتسبيح، والاعتراف بفضل الله -تعالى- على العبد.

اضافة تعليق