العقل هدية الله للإنسان.. ما أشقى من يرفضها

الإثنين، 22 أبريل 2019 11:20 ص
العقل

أهم ما يميز الإنسان عن غيره من المخلوقات والكائنات، هو ذلك العقل الذي كرمه الله به، والذي يتخذ به كل قراراته في الحياة، هو الوعاء الذي يحمل الأفكار، والذي من خلاله ولدت أعظم المنجزات البشرية، فالله لم يمنحك إياه، إلا لتميز به الغث من السمين، ومن أجل أن تستخدمه فيما ينفعك، وينفع الناس، وقبل كل شيء السعي لنيل رضا الله.

ولقد وجّهنا الله تعالى إلى استخدام العقل من خلال التأمل والتفكر والتدبر والنظر في السموات والأرض وما فيهما، قال تعالى: "قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ"، وقال: "أفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ".

فالإنسان مكلف بإعمال العقل في كل شيء، كبر أم صغر، والتفكير هو فريضة على كل عاقل حث الخالق عليها في مجموعة من الأوامر القرآنية، وتعطيل العقل عن وظيفته، إنما هو من سوء الاستخدام، لأنه يخرجه عن الهدف المراد، ويؤدي إلى حرمان صاحبه من نعم كثيرة.

يقول الأديب الراحل عباس محمود العقاد، متحدثًا عن منزلة العقل ومكانته في كتاب الله: "والقرآن الكريم لا يذكر العقل إلا في مقام التعظيم والتنبيه إلى وجوب العمل به والرجوع إليه، ولا تأتي الإشارة إليه عارضة ولا مقتضبة في سياق الآية، بل هي تأتي في كل موضع من مواضعها مؤكدة جازمة باللفظ والدلالة، وتتكرر في كل معرض من معارض الأمر والنهي التي يحث فيها المؤمن على تحكيم عقله، أو يلام فيها المنكر على إهمال عقله وقبول الحجر عليه".

بل يكفي الإسلام تكريمًا للعقل وإعلاء من شأنه أن جعله مناط التكليف، فلا يتوجه الخطاب الشرعي إلا للعقلاء من البشر، بينما يسقط التكليف وترتفع المسؤولية عن فاقدي هذه النعمة الإلهية والجوهرة الثمينة، ففي الحديث عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ وعن الصغير حتى يكبر وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق". 

والعقل هو منهج تفكير كل الأنبياء، بلا استثناء، هو الذي قاد نبي الله إبراهيم إلى الإيمان الكامل بالخالق جل في علاه، من خلال التفكر والتدبر في خلق السموات والأرض، "وَكَذَلِكَ نُرِي اِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ اِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ اِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ".

وفي موضع آخر يطلب إبراهيم من الخالق أن يريه ما يجعل الإيمان يستقر أكثر في عقله ووجدانه، حين طلب منه إحياء الموتى، "وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ".

وبعد أن يستقر الإيمان والاطمئنان في قلبه، يقيم إبراهيم الحجة على قومه بالحكمة والعقل، ويخوض مواجهة فكرية عقلية في مواجهة الملك "نمرود"، يثبت من خلالها بالبرهان الساطع ألوهية الخالق، وحده لا شريك له، فيقول القرآن حكاية على لسانه: "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ".

العقل إذا خلا من أية عوامل للتشويش عليه، وامتلأ إيمانًا ويقينًا قاد الإنسان إلى معرفة الحقيقة، فلا يَضل، أو يُضل، ولو لم يكن للإنسان، لكانت حياته أشبه بحياة الحيوانات تخلو من التمييز بين الأشياء، ولانعدمت حاسة الإدراك فأصبح من بين أولئك الذين قال الله عنهم في القرآن "إِنَّ شَرّ الدَّوَابّ عِنْد اللَّه الصُّمّ الْبُكْم الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ".

والعقل هو الذي يدفع الإنسان إلى تأمل الكون وما فيه من أشياء عظيمة سخرها الله من أجله، حتى يستخدمها في إعمار الأرض، وتذلل له الحياة، فتكون سهلة يسيرة، ولو لم يكن الإنسان ليصل إلى ما وصل إليه الآن، إلا عن طريق العقل الذي وهبه الله إياه، فتوصل عن طريقه إلى أعظم المنجزات التي غيرت وجه الحياة، وباتت الحياة معها أسهل وأرحب مما كانت عليه من قبل.

ولا ريب أن الإيجابيات التي هي من ثمرة العقل البشري أكبر ممن أن تحصيها الكلمات، لكن في المقابل، هناك من يستخدم العقل في غير ذلك الهدف، فيضر نفسه، ويتعدى حدود ضرره إلى غيره، بل وفي أحيان كثيرة كانت الخسارة الناجمة عن سوء استخدام العقل أفدح مما توصف.

وقد ورد فِعلُ العقل في القرآن الكريم في تسعة وأربعين موضعًا، بما يدل على عملية الإدراك والتفكير والفهم لدى الإنسان، لكن لم ترد كلمة "العقل" بالصيغة الاسمية، بل جاءت بمسميات مختلفة جميعها تدل عليه، مثل اللب، وجمعت على الألباب والحلم وجمعت على الأحلام، والحجر، والنهي والقلب، والفؤاد وكلها جاءت بمعنى العقل. 

يقول الإمام محمد عبده في "رسالة التوحيد": "كان "علم الكلام" أو "علم التوحيد" كعلم يبحث في وجود الله ووحدانيته وصفاته وحقيقة الرسالة النبوية، كان هذا العلم معروفًا عند الأمم قبل الإسلام، ولكنهم قلما كانوا ينحون فيه نحو الدليل العقلي، فكان علماؤهم يتذرعون بالبينات الفائقة للطبيعة أو الخارجة عنها، بـ "المعجزات" أو "الخرافات" أو "الخطابيات"، ولما جاء القرآن غيّر ذلك كله، فبين بصورة لاتضارع "ما أذن الله لنا، وما أوجب علينا أن نعلم، لكن لم يطلب التسليم به لمجرد أنه جاء بحكايته، بل ادعى وبرهن وحكى مذاهب المخالفين وكر عليها بالحجة"، وبالاختصار، أقام العقل حكمًا فاصلًا في إقرار اليقين، وبنى أحكامه الخلقية على أسس عقلية، وهكذا "تآخى العقل والدين لأول مرة في كتاب مقدس على لسان نبي مرسل، بتصريح لا يقبل التأويل".

اضافة تعليق