"معروف الكرخي".. عبد الله شوقًا إليه.. فرفع عنه الحجب

الأربعاء، 17 أبريل 2019 10:31 ص
معروف الكرخي.. حكايات العابدين تفوق الخيال

للعارفين والعابدين حكايات وأسرار، حفظوا الله في السر فحفظهم في العلن، وهابوا جنابه وابتعدوا عن معاصيه فهابهم الناس، وعظموهم.

ومن هؤلاء العابد أبو محفوظ معروف الكرخي الذي خصّه الله بالاجتباء في حال الصبا، يذكر أن أخاه عيسى قال: كنت أنا وأخي معروف في المكتب، وكنا نصارى، وكان المعلم يعلم الصبيان: "أب" و"ابن" فيصيح أخي معروف: "أحد أحد"، فيضربه المعلم على ذلك ضربًا شديدًا، حتى ضربه يوما ضربًا عظيمًا، فهرب على وجهه.

وكانت أمه تبكي وتقول: لئن ردّ الله عليّ معروفًا، لأتبعنّه على أي دين كان، فقدم عليها معروف بعد سنين كثيرة، فقالت له: يا بنيّ، على أي دين أنت؟ قال: على دين الإسلام، فقالت: أشهد أن لا اله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، فأسلمت أمي وأسلمنا كلنا.

ومن حكايات العابدين أيضًا، أن أحد أصدقاء بشر بن الحارث رآه في منامه وهو قاعد في بستان بين يديه مائدة وهو يأكل منها، فقلت: يا أبا نصر, ما فعل الله بك؟ قال: رحمني وغفر لي، وأباح لي الجنة بأسرها، وقال لي: كل من جميع ثمارها، واشرب من أنهارها، وتمتع بجميع ما فيها، كما كنت تحرم نفسك عن الشهوات في دار الدنيا.

فقلت له: فأين أخوك أحمد بن حنبل؟ فقال: هو قائم على باب الجنة يشفع لأهل السنة ممن يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق.

فقلت له: وما فعل الله بمعروف الكرخي؟ فحرّك رأسه، وقال هيهات هيهات، حالت بيننا وبينه الحجب، إن معروفًا لم يعبد الله شوقًا إلى جنّته، ولا خوفًا من ناره، وإنما عبده شوقًا إليه، فرفعه إلى الرفيق الأعلى، ورفع الحجاب بينه وبينه.

ولذلك كان أحد الوعاظ يخطب الناس ويقول: "أيها المقيم على الخطايا والعصيان، التارك لما أمرك الرحمن، المطيع للغويّ الفتان، إلى متى أنت على جرمك مصرّ، ومما يقرّبك إلى مولاك تفرّ؟ تطلب من الدنيا ما لا تدركه، وتتقي من الآخرة ما لا تملكه، لا أنت بما قسم الله من الرزق واثق، ولا أنت بما أمرك به لاحق".

يا أخي، الموعظة، والله لا تنفعك، والحوادث لا تردعك.. لا الدهر يدعك، ولا داعي الموت يسمعك، كأنك يا مسكين لم تزل حيا موجودا، كأنك لا تعود نسيا مفقودا.

فاز، والله، المخفون من الأوزار، وسلم المتقون من عذاب النار، وأنت مقيم على كسب الجرائم والأوزار.

قال الجنيد رضي الله عنه: مرض السّريّ السّقطي رضي الله عنه فدخلت عليه أعوده، فقلت له:كيف أشكو إلى طبيبي ما بي .. والذي قد أصابني من طبيبي، فأخذت المروحة لأروّح عليه، فقال: كيف يجد ريح المروحة من جوفه يحترق من داخل.

ويروى عن علي بن الموفق رضي الله عنه أنه قال: خرجت يوما لأؤذن، فأصبت كتابا، فأخذته ووضعته في كمي، وأقمت الصلاة وصليت، فلما صليت قرأته، فإذا مكتوب: بسم الله الرحمن الرحيم. يا علي بن الموفق، أتخاف الفقر وأنا ربك؟.

ويروى عن المزني، قال: دخلت على الشافعي رضي الله عنه في علته التي مات منها، فقلت له: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت في الدنيا راحلا، وللإخوان مفارقا، ولكأس المنيّة شاربا، ولسوء عملي ملاقيا، وعلى الله واردا، فلا أدري: أروحي تصير إلى الجنة فأهنيها، أم إلى النار فأعزيها؟ ثم بكى وأنشأ يقول:

ولما قسى قلبي وضاقت مذاهبي ..  جعلت الرجا مني لعفوك سلما

تعاظمني ذنبي فلمـــــا قرنته  ...  بعفوك ربي كان عفوك أعظما

فما زلت أعفو من الذنب ولم تزل ... تجود وتعفو منّـــة وتكرّمـا

اضافة تعليق