إذا عرف السبب.. لماذا لم يعف النبي عن "بن أبي سرح" ولام أصحابه على عدم قتله؟

الثلاثاء، 16 أبريل 2019 03:01 م
سر الاستثناء فيما عرف عن عفوه


عن سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه قال : " لما كان يوم فتح مكة اختبأ عبد الله بن سعد بن أبي سرح عند عثمان بن عفان ، فجاء به حتى أوقفه على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، بايع عبد الله ، فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثاً كل ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث، ثم أقبل على أصحابه فقال: (أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله؟) فقالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك، ألا أومأت إلينا بعينك؟، قال: (إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين) " رواه أبو داود و البيهقي .

ربما تأخذك الحيرة حول موقف النبي صلى الله عليه وسلم من عبد الله بن سعد بن أبي سرح، والذي زاد فيه غضب وسلم للحد الذي لم يتقبل بيعته ويعاتب أصحابه لقلة غيرتهم في قتله.

لكن حينما تعرف القصة تعرف السر في هذا الغضب النبوي، فحينما جاء يوم الفتح، وأقبلت جيوش المسلمين رافعة لواء التوحيد عالية خفّاقة، لتعلن عودة الذين أُخرجوا من ديارهم جورًا وظلمًا، وطردوا من أرضهم إجبارًا وقهرًا، يدخلوا مكّة في عزة.

مع ذلك لم يكن دخول النبي صلى الله عليه وسلك وأصحابه مكة كدخول الجبابرة من ملوك الأرض عادةً، بطشًا وإحراقًا، وتنكيلاً ونكاية، بل كان قدومه عليه الصلاة والسلام قدوم خير وبركة، وأمن وسلام، فقال من لزم بيته فهو آمن ومن دخل الكعبة فهو آمن ومن دخل بيت أبي سفيان فهو آمن، وأعلن راية العفو الجماعي لمن قاتلوه وآذوه: ( اذهبوا فأنتم الطلقاء).

إلا أنه ومع هذا العفو العام تبين أن ذلك العفو على عمومه مخصوص، فثمّة رجال أربعة وامرأتان لم يشملهم العفو، جمعوا إلى كفرهم وضلالهم، وغيّهم وفسادهم، جرائم خاصّة في حق النبي صلى الله عليه وسلم، وفي حق الدعوة، وحقوق الأبرياء الذين قُتلوا على أيديهم وبأسبابهم.

وكانت أسماؤهم كالتالي : "ابن خطل، وعكرمة بن أبي جهل، ومقيس بن صبابة، وعبدالله بن سعد بن أبي سرح "، وجاريتين كانتا تحت رجل من قريش تغنّيان بهجاء النبي صلى الله عليه وسلم .

وما إن لامس الخبر أذان أولئك حتى بادروا بالفرار شرقاً وغرباً، رغبةً في الخلاص من شبح الموت الذي يلاحقهم، فمنهم من استجار بالكعبة – وهو ابن خطل – وتعلّق بأستارها ظنّاً منه أن ذلك يُنجيه من قرار القتل.

لكن أوامر النبي – صلى الله عليه وسلم – كانت واضحة منذ اللحظة الأولى : ( اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة ) فسارع إليه سعيد بن حريث وعمار بن ياسر رضي الله عنهما فسبق سعيد إليه فقتله.

أما عبدالله بن سعد بن أبي سرح، ذلك الرجل الذي أسلم قديماً وهاجر فيمن هاجر، وترقّى في منازل الشرف حتى صار من كتّاب الوحي، ليهوي من القمّة إلى القاع، ويُعلن ردته ثم يلحق بقريش، بل ويدّعي بأقبح الافتراء وأشنعه أنّه كان يُملي الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا النوع من الكذب الرخيص يطعن في أصل نبوّته صلى الله عليه وسلم، ويقدح في صدقه، فلا عتب إذاً حين لم يشمله العفو العام.

وكان لعبدالله بن أبي السرح قرابة مع عثمان بن عفان رضي الله عنه، والصلة بينهما جاءت بسبب الرضاعة، فكان من الطبيعي أن يُسارع إلى بيت أخيه رضاعةً، وقد أعلن أمامه ندمه على ما كان منه من كذبٍ وافتراء، وعداوةٍ واجتراء، وذكر له رغبته في العودة إلى ظلال الإسلام، ورجاه أن يشفع له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أخذ عثمان رضي الله عنه بيد عبد الله بن أبي سرح، وجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن ينفذ إليه أحد من المسلمين، وكلّمه في شأنه ثم قال له : " يا رسول الله، بايع عبد الله ".

نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى ابن أبي السرح طويلاُ دون أن ينطق بشيء، ووقف الصحابة من حوله يرقبون الموقف، وطال الصمت، فعاود عثمان رضي الله عنه قوله دون أن يحظى بجواب النبي عليه الصلاة والسلام، فكرّر طلبه للمرّة الثالثة، وهنا مدّ النبي عليه الصلاة والسلام يده موافقا على المبايعة.

وانصرف عبدالله مسروراً بقبول توبته والموافقة على بيعته، وما إن توارى عن الأنظار حتى التفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه معاتباً، وقال : ( أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله؟) .

نظر القوم إلى بعضهم والحيرة تملأ وجوههم، إذ لم يدُر بخَلَد أحدهم أن إحجام النبي صلى الله عليه وسلم كان مقصوداً، وأنه عليه الصلاة والسلام كان راغباً في قتله، فقالوا تأكيداً لحيرتهم : " ما ندري يا رسول الله ما في نفسك" وسألوه : "ألا أومأت إلينا بعينك؟" فقال النبي صلى الله عليه وسلم قولته المشهور: " ما كان لنبي أن يعمل بخائنة الأعين".

فكان الحدث جللاً، دل على قبح خلق الخيانة والأمانة العظيمة التي ولاها النبي لهذا الصحابي في كتابة القرآن وما ينزل من الوحي، إلا أنه ارتد وخان الأمانة، وفي ذلك يقول الله تعالى في القرآن الكريم : { إن الله لا يحب الخائنين } ( الأنفال : 58 ).

ومع ذلك فقد حسنت توبة هذا الصحابي وشارك في عدد من الفتوحات العظيمة، وقيل أنه مات وهو ساجد في صلاة الفجر.

اضافة تعليق