تلميذ موسي ومعلم بني إسرائيل ..كيف وقع في الفتنة ؟

الإثنين، 15 أبريل 2019 05:30 م
تلميذ موسي
مستجاب الدعوة وإغراءات أهل مدين

أحداث هذه القصة وقعت في زمن نبي الله موسى عليه السلام ، وهي تحمل بين طياتها عبرةً عظيمةً وعظةً للعالمين ، سجلتها آية كريمة نزلت على نبينا محمد صلّي الله عليه وسلم لتكريس قناعة أن الأعمال بالخواتيم وأن أي شخص مهما أتاه الله من العلم والتقوي ليس آمنا من الوقوع في براثن الفتنة والضلال .

قصة هذا الرجل بلعام بن باعوراء ؛ بلغت النبي صلي الله عليه وسلم عبر الأيتين 157، 158 من سورة الأعراف وفي قوله تعالي :"واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ"

هذا الرجل عاش في زمن سيدنا موسى عليه السلام وتلقى العلم على يديه ، حيث تعلم التوراة على يدي كليم الله وأتم حفظها وفهمها ، حتى أصبح من أعلم بني إسرائيل وبلغ درجة من العلم لم يبلغها أحدٌ إلا الأنبياء والرسل ،

الكثيرون من بني إسرائيل كانوا يتلقون العلم على يديه ، ولقد قال الله تعالي في ذلك "واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا" فلقد أتاه الله عزوجل من العلم ما لا يحصى ولا يعد وهذا من فضل الله عليه ، ومن تلك الآيات التي أعطاها الله له أنه كان مجاب الدعوة .

 فأي دعوة كان يتوجه بها بلعام إلى أبواب السماء كان يستجيب له الله سبحانه وتعالى ، ولكن بلعام كفر وضل عن طريق الحق بعد أن كان من المؤمنين ولم يساعده علمه علي تجنب الوقوع في الزلل أو للعودة للطريق القويم .

جحود بلعام بنعم الله ظهر بقوة عندما أرسله نبي الله موسى عليه السلام إلى أهل مدين لكي يدعوهم إلى التوحيد والإيمان برسالة نبي الله موسى ، ولكن أهل مدين أغروه بالمال والعطايا الكثيرة وعرضوا عليه كل ما يتمناه لكي يترك دعوة موسى ، ونصبوه ملكا علي مدين.

الإغراءات المقدمة من أهل مدين لبلعام حتي يفارق دين موسي كانت عديدة إذ عرضوا عليه الزواج بأجمل بنات مدين ، وأن يعيش بينهم غنيًا وسيدًا عليهم في مقابل أن يترك إنكار ما عليه موسي عليه السلام والانضمام إليهم  .

بلعام رد علي عرض آل مدين بإعطائه مهلة كي يفكر فيما عرضوه عليه ، ثم أخذ حمارته وسار بها لكي يتخذ قراره ولكن شيطانه وهواه أرشده إلى ترك الحق وإتباع الهوى ، فلقد اختار الدنيا الفانية وفضلها عن الآخرة الباقية ،

حب المال والجاه أعماه عن حب الله ، ولما أخذ حمارته عائدًا لهم ليقيم معهم ويترك الحق نفرت منه الحمارة وسجدت لله سبحانه وتعالى في تأكيد علي المسار السيئ الذي اختارخه بلعام لنفسه ورضوخه لإغراءات أهل مدين .

وهكذا كفر بلعام العابد العالم بعد أن كان من المؤمنين ، وعندما قرر سيدنا موسى أن يسير بقومه إلى تلك الأرض ليدعوهم إلى دين الحق ، نزل قريبًا منهم فلما علم الكنعانيون بالأمر هرعوا إلى بلعام يستنجدون به ، ويقولون له لقد جاء موسى بن عمران ليخرجنا من أرضنا ويقتلنا ونحن قومك ، فقال لهم بلعام وماذا أفعل ؟.

الكنعانيون استغربوا قوله وردوا عليه أنت رجل مجاب الدعوة فأدع على موسى وقومه ، فقال لهم بلعام ويحكم !! إن هذا نبي الله وهؤلاء قومه كيف أدعوا عليهم إنكم تلقون بي إلى التهلكة ، واستمروا في تحريضه حتى أطاعهم بلعام وصعد إلى الجبل ودعا على سيدنا موسى ومن معه .

بلعام كلما هم بالدعاء على سيدنا موسى وقومه بسوء أو هزيمة ، حول الله لسانه بهذا الدعاء على قومه من الكنعانيين ، وكلما دعا لقومه بالنصر والخير حول الله لسانه بهذا الدعاء إلى قوم سيدنا موسى عليه السلام فيعم عليهم الخير والبركة ، فذهب إليه الكنعانيون وقالوا له : أنت تدعوا علينا بالهزيمة والشر !.

بلعام بدا بلا إرادة ورد علي الكنعانيين قائلا : أنا أعلم ولكني لا أملك تغيير ذلك فكل ذلك يحدث دون إرادتي ، فقالوا له هل ستتركنا هكذا فماذا نحن فاعلون ؟ فقال لهم سأحتال وأمكر حتى تتمكنوا من هزيمة بني إسرائيل.

بن باعوراء تفتق ذهنه عن فكرة خبيثة وقال لهم : إذا ارتكب بنو إسرائيل المعاصي فسيخذلهم الله ، وفكر بلعام في حيلة وهي أن يجملوا نساءهم وأن يعطوهم السلع ليذهبوا بها إلى بني إسرائيل ، ولا تمتنع أي منهن عن أي رجل من بني إسرائيل إن أرادها .

بل واستمر في غيه محاولا إقناع الكنعانيين بأن تترك زوجاتهم رجال بني إسرائيل يزنون بهن وبهذا يصبحون من العاصين ، وبالفعل هذا ما حدث فأرسل الله سبحانه وتعالى الطاعون إلى بني إسرائيل ، وكان هناك رجلًا يدعى صحاح بن عيراد كان غائبًا عن المدينة ، وعندما حضر أخذ حربته ودخل على من يزني ثم قتله وخرج به من قبة البيت رافعًا يديه إلى السماء .

الرجل الغائب دعا ربه : اللهم هكذا نفل بمن يعصيك ، فعفى الله عنهم ورفع عنهم الطاعون ، وقد بلغ عدد الهالكين منهم 70 ألف ، أما بلعام فضرب الله به المثل والعبرة لكل من أتاه الله العلم وارتد إلى المعاصي وحطام الدنيا الزائلة رغم علمه بطريق الحق الذي لا طريق غيره ، ولكنها شهوة النفس والطمع.


اضافة تعليق