Advertisements

خطبة الجمعة غدًا.. أخلاقيات البيع والشراء في الإسلام

الخميس، 11 أبريل 2019 11:00 م
أخلاق البيع والشراء

تماشيا مع ما ينفع المسلمين وخاصة الدعاة نقدم زادًا للدعاة يعينهم على البحث ويفتح لهم الطريق لاستلهام الدروس والحكم من خلال نشر الوعي وإمدادهم بزاد ثقافي حول موضوع خطبة الجمعة كل أسبوع:

 "الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيّد المرسلين محمد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فإنّ حقيقة المسلم ليست في هدْيٍ يبدو على شكله في صلاة، أو صورة ظاهرة على وجهه وملبسه فحسب؛ بل لا بدّ أن يُثبتَ صحة إسلامه بسلوكه الراقي في الخُلُق الإنساني عند التعامل مع الناس حوله.
كما لا يليق بمسلمٍ أن يكون حافظًا للأقوال أو مُرَدِّدًا لنصوص الدين دون أن يُظهر أثر تلك النصوص في سلوكيّاته، وها هو صلى الله عليه وسلّم ينصح بلسانه بسلوك هدي المحبة والإخاء والألفة المجتمعية، فيقول: (أفشوا السلام) أي: انشروا الأمان الاجتماعي بينكم..، ثم وجدناه صلى الله عليه وسلّم في ذات الوقت -حين مات صاحبه أسعد بن زُرارة الأنصاري في أوّل مقدمه إلى المدينة، وبعد كلامه السابق(أفشوا السلام) وجدناه- يذهب مسرعًا بعد دفن صاحبه أسعد -رحمه الله ورضي الإله عنه- إلى بناته؛ ليعودهنّ ويزورهنّ وقد أهداهُنّ شيئًا من ذهَب.. إنها سلوكيات المسلمين الحقيقية؛ أن يتوافق القول مع الفعل.
نقول هذا الكلام في زمنٍ بدا فيه حدوث انفصام في حياة بعض المسلمين؛ بيْن مَا يتحدّثون به دينًا، وما يتعاملون به سلوكًا وسمتًا..
ومن أخطر ما وقع فيه الخلل في حياة الناس اليوم: المعاملات المالية عند البيع والشراء، ولذا فقد أحاطت الشـريعة الإسلامية تعاملات الناس المالية بسياج آمِنٍ من الآداب والضوابط الشرعية والأخلاقية؛ رغبة في تحقيق الاستقرار والأمان النفسي والإنساني. فتعالوا بنا أيها الأحبة لنتوقف عند أخلاقيات البيع والشراء في الإسلام..
واسمحوا لي بداية أن نذهب سويًّا في رحلةٍ إلى الجنة سريعًا لننظر في هذا السوق الذي أقيم هناك؛ ففي الحديث الصحيح -كما عند مسلم- عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ t، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَسُوقًا، يَأْتُونَهَا كُلَّ جُمُعَةٍ، فَتَهُبُّ رِيحُ الشَّمَالِ فَتَحْثُو فِي وُجُوهِهِمْ وَثِيَابِهِمْ، فَيَزْدَادُونَ حُسْنًا وَجَمَالًا، فَيَرْجِعُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ وَقَدِ ازْدَادُوا حُسْنًا وَجَمَالًا، فَيَقُولُ لَهُمْ أَهْلُوهُمْ: وَاللهِ لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالًا، فَيَقُولُونَ: وَأَنْتُمْ، وَاللهِ لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالًا".. هذا سوق الآخرة وسوق الجنة.. فكيف بأسواق الدنيا؟ وكيف هو مَن غش وخدع واحتال في أسواق الدنيا؟ يا للحرمان الذي سيلحقه من سوق الجنة!!
لماذا الحديث عن أخلاقيات البيع والشراء في الإسلام؟
نتحدث في هذا الموضوع للأسباب التالية:
بيان وجه من وجوه العظمة في باب المعاملات المالية؛ فالإسلام دين متكامل شاملٌ، لا يتوقّف عند صورة واحدة من صور الحياة، قال تعالى: )قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لله رَبِّ الْعَالَمِينَ([الأنعام: 162]، فالتعاملات المالية جزء من الدين كالصلاة والصيام والزكاة والحج تماما بتمام.
نتحدث عن أخلاقيات البائع والمشتري؛ لكثرة أخطاء الباعة والمشترين، بل وكثرة الجرائم التي تُرْتَكب تحت اسم التجارة والبيوع، وربما أوجدَ البعض لنفسه فتوى تبيح له ذلك من تضليل وتدليس، وهو ما يرفضه الإسلام كلية.
وأغلب الأسواق اليوم تحيط بها الشياطين، بل وتفترشها بسوء السمت والخُلُق؛ ففي صحيح مسلم عن سَلْمَانَ، قَالَ: ((لَا تَكُونَنَّ إِنِ اسْتَطَعْتَ، أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ السُّوقَ وَلَا آخِرَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهَا، فَإِنَّهَا مَعْرَكَةُ الشَّيْطَانِ، وَبِهَا يَنْصِبُ رَايَتَهُ)). وهذا يعني أنّ الشيطان يفترس التجار، بنشر الغش والخداع بين الناس في الأسواق، وهذا يعني أيضًا أن حاضر في كل سوق تجاريّ.
لأنّ خيانات البعض في مسألة البيوع تعدّ علامة من علامات الساعة المنذرة بشؤم النتائج؛ ففي الحديث:(يأتي على الناس زمانٌ، لا يبالي المرء ما أخذ منه، أمِن الحلال أم من الحرام؟).
حقائق إسلاميّة حول المعاملات المالية:
الإسلام يقرّ بفطرية حب المال، لكنه يضبطها بضوابط الشرع الحنيف، قال تعالى: )وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا( [الفجر: 20].
يظلّ البيع والشراء أحد أهم الطّرق والسُّبُل المشروعة لاكتساب المال في الحياة، قال تعالى: )وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا( [البقرة: 275].
يؤكّد النبيّ صلى الله عليه وسلّم على ضرورة الانتباه لسؤال القيامة عن المال، من أين اكتسبه، وفيم أنفقه؟
وضع الإسلام شروطًا لاستخدام المال، ومنها: ألا يلهي العبد عن طاعة ربه، وتحقيق غاية وجوده، يقول تعالى: )في بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ( [النور: 36- 37].
ضرورة مراقبة الدولة والنظام الحاكم على الأسواق وضبط معاملات الناس التجارية، وقد فعل النبيّ الحبيب -صلى الله عليه وسلّم- ذلك بنفسه، حين أقبل إلى السوق يطمئن على معاملات الناس، ووجد رجلاً وضع تمرًا مبللا أسفل تجارته وأمره أن يضعه في الأعلى؛ حتى لا يوهم الناس أو يضللهم.
أخلاقيات البيع والشراء كما صاغها الإسلام:
ذكر الله تعالى؛ لأنّ المعاملة المالية -غالبًا- ما تقوم على الغفلة، ولذا وجدناه صلى الله عليه وسلّم يرشدنا إلى دعاء يذكرنا برقابة الله عند دخول الأسواق؛ لأنها من أماكن الغفلة، ولذا قال تعالى: )فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ( [الجمعة: 10] ويقولالنبيّ صلى الله عليه وسلّم: ((منْ دَخَلَ السُّوقَ، فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ حَسَنَةٍ، وَمَحَا عَنْهُ أَلْفَ أَلْفِ سَيِّئَةٍ، وَرَفَعَ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ دَرَجَةٍ)).
التبكير في طلب الرزق: لا شكّ أن السعي على الرزق من أفضل عبادات الإسلام، وقد ربط المولى الكريم الرزق والبركة فيه بالسعي والمشي في مناكب الأرض؛ فقال تعالى: )فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ( [الملك: 15]. وأما بالنسبة للتبكير، فقد دعا النبيّ -صلى الله عليه وسلّم- للمبكِّرين بالبركة، فقال داعيًا ربّه: "اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا"..
الحذر من الصخب والكلام البذيء؛ ففي الحديث كما عند البخار ري في صحيحه: عنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّوْرَاةِ؟ قَالَ: " أَجَلْ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي القُرْآنِ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} [الأحزاب: 45]، وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ المتَوَكِّلَ لَيْسَ بِفَظٍّ وَلاَ غَلِيظٍ، وَلاَ سَخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ، وَلاَ يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ المِلَّةَ العَوْجَاءَ، بِأَنْ يَقُولُوا: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيَفْتَحُ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا، وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا.
الصدق في البيع والشراء؛ فلا البائع يكذب في عرض سلعته، ولا المشتري يبخس البائع حقه في تجارته ظلمًا، والصّدق بركة على البيّعان، كما ثبت في الحديث: ((البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، -أَوْ قَالَ: حَتَّى يَتَفَرَّقَا- فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا)).. وقد استحق التاجر الصدوق درجة عليا يوم القيامة؛ كما قال صلى الله عليه وسلّم: ((التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ، وَالصِّدِّيقِينَ، وَالشُّهَدَاءِ)).
أما نراه اليوم من كثرة الحلف بالكذب عند البيع والشراء جريمة عمّت بها البلوى في الأسواق والمولات التجارية، بينما يقول المولى سبحانه، محذّرًا: )وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ( [البقرة: 224]، وفي الحديث الصحيح عند البخاري: ((ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ الله يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، -وَعَدّ منهم-: رَجُلٌ حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى وَهُوَ كَاذِبٌ...)).. وفي الحديث الصحيح عن أبي ذرّ عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" فَقُلْتُ: مَنْ هُمْ؟ يا رسول الله، فَقَدْ خَابُوا وَخَسِـرُوا؟ قَالَ: "الْمُسْبِلُ إِزَارَهُ، وَالْمَنَّانُ عَطَاءَهُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ"..
والصدق يكون في:
جودة السلعة المُباعة وخلوّها من العيوب.. يقول عقبة بن عامر: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: (لا يحل لمسلم باع من أخيه شيئاً فيه عيب إلا بيَّنه له).
صدق المشتري في الوفاء بالثمن في وقته وبالطريقة الراقية.
ويكفي التاجر الصادق والشركاء الصادقون معية الله معهما، ففي الحديث القدسي: (أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما الآخر).
البُعد عن الغش والخداع: فلقد شاع بين كثير من الناس اليوم -إلا من رحم ربي- أنّ الغاية تبرر الوسيلة، فمن أجل أن يزيد في ماله يغش ويخدع، ويحتال على الناس في بيعه أو شرائه، وقد حذّرت الشريعة من شرّ الغش، وخبث نتيجته على الفرد والمجتمع؛ ففي الحديث كما عند مسلم: ((مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا، وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا)) وأما سبب ورود لفظة (من غشنا فليس منا) فيحكي لنا الإمام أحمد -رحمه الله- عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: مرَّ رسول الله -صلي الله عليه وسلم -بطعام وقد حسَّنه صاحبُه، فأدخل يده فيه، فإذا طعام رديء، فقال له النبيّ عليه الصلاة والسلام: "بِعْ هذا على حِدَة، وهذا على حدة، فمن غَشَّنَا فليس منَّا". وأخطرُ الغش اليوم ما كان في غذاء الناس وشرابهم، ومساكنهم وألبستهم، أو من يبيع سلعة بعد انتهاء صلاحية استخدامها وتناولها.
وفي موقف عمليّ يقوم فيه ولي الأمر بمتابعة أمر الأسواق، يحكي لنا الإمام مسلم عن أبي هريرة t، وفيهأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَرَّ عَلَى صُبَرٍ مِنْ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلا قَالَ مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ قَالَ أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَفَلا جَعَلْتَ فَوْقَ الطَّعَامِ حَتَّى تَرَاهُ النَّاسُ مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا)..
السماحةُ عند البيع والشراء: فالبائع يتسامح قليلا في السعر ولا يغالي، والمشتري يتسامح ولا يبخس البائع حقًّه هو له، وقد أمرت شريعتنا بالتحقق بخُلُق السماحة عند البيع والشراء، كما قال النبيّ صلى الله عليه وسلّم: ((رَحِمَ الله رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى)) [رواه البخاري في الصحيح].
عدمُ احتكار السلعة التجارية) لغرض التربح السريع على حساب الفقراء والمحتاجين: والاحتكار طريقة يستخدمها بعض التجار في الأسواق التجارية، يستهدفون من ورائها -بعد أن يقل المعروض من تلك السلعة في السوق- عرضها وبيعها بسعر أعلى، مستغلين بذلك حاجة الناس لتلك السلعة، وهذه جريمة بكل المقاييس، ويشتد الجُرم إذا وصل الاحتكار للسلع الغذائية أو الأدوية أو الألبان للأطفال الرضّع.. وغير ذلك.. وقد ورد في السنة النبوية ما ينبئ عن العاقبة الوخيمة لفاعل ذلك وعُدَ فعله خطأ وجريمة، قال صلى الله عليه وسلّم: ((مَنِ احْتَكَرَ فَهُوَ خَاطِئٌ)) وفي مصنف عبد الرزاق الصنعاني، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا الْخَوَّانُونَ، أَيِ الْخَاطِئُونَ الْآثِمُونَ» وما أدراك ما عاقبة الخيانة؟ سيما في باب المطعومات والمشروبات.
عدمُ التطفيفِ في المكاييل والموازين: فمن بين أهم الأسباب التي تُحدثُ المصائب والكوارث والأوبئة، التطفيف الخبيث في الموازين، وقد أُرسِلَ نبيّ الله شعيب لقومه خاصة لعلاج هذه الكارثة الاقتصادية والاجتماعية، فقال لقومه: )وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ( [الأعراف: 85] وحكى عنه القرآن الكريم في موضع آخر، فيقول: )وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ( [هود: 84] وقال لهم أيضًا: )وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ( [هود: 85] وعلى هذا فإن التطفيف والتنقيص في حقوق الناس عند البيع والشراء جزء من الإفساد في الأرض. ويعلم غالب المسلمين أنّ في القرآن سورة سميت بــــ(المطففين) وبدأت بعظة وتذكرة قوية للمطففين، يقول تعالى: )وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ( [المطففين: 1 - 6].
كون السلعة المباعة والمشتَرَاة مباحة لا حرامًا: فلا يجوز شرعًا المشاركة في بيع أو شراء محرّم، كالخمر ولحم الخنزير، وكذا ينبغي الحذر من سلوك الطرق الملتوية في البيع والشراء كالبيع على بيع الصديق والزميل، وسلوك منهجية النجش([2]) ففي الحديث عند البخاري: «لاَ يَبْتَاعُ المَرْءُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلاَ تَنَاجَشُوا، وَلاَ يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ». وفي الحديث عن أَبي سعيد الخدري t: أنَّ يهوديًّا قدم زمن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- بثلاثين حِملاً شعيرًا وتمرًا، فسعَّر مدًّا بمد النبي -صلى الله عليه وسلم- بدرهم، وليس في الناس يومئذ طعام غيره، وكانَ قد أَصابَ الناسَ قبل ذلك جوعٌ لا يجدون فيه طعامًا، فأتى النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- الناسُ يشكون إليه غلاء السعر، فصعد المنبر، فحمد الله وأَثنى عليه، ثم قال: "لَأَلْقَيَنّ اللهَ من قبل أَن أعطيَ أَحدًا من مال أَحد من غير طيب نفس، وإِنّما البيع عن تراضٍ، ولكنَّ في بيوعكم خصالًا أذكرها لكم: لا تضاغَنوا([3])، ولا تناجشوا، ولا تحاسدوا، ولا يسوم الرَّجل على سوم أَخيه، ولا يبيعنَّ حاضر لبادٍ، والبيعُ عن تراضٍ، وكونوا -عباد الله- إِخوانًا".
إنها أخلاقيات عزيزة على المسلم، لا ينبغي أن يتكاسل في الأخذ بها؛ سيما وأنها تدل على صفاء نفس المسلم، وحسن مراقبته لربه ومولاه سبحانه.. وحري بالمجتمع المسلم أن يراعي الله تعالى في بيعه وشرائه؛ رغبة في أن يصلح الله الحال، ويحفظ البلاد والعباد؛ فلا يُنال ما عند الله إلا بطاعته..
ويظهر لنا مما سبق إجمالا:
أن حياة المسلم العابد لربه ينبغي أن تكون مليئة بمظاهر العبودية لله عزّ وجل في كل جانب.
لا بد من تعلّم أحكام وفقه البيع والشراء؛ حتى لا يقع المسلم في الحرام أو أن يُطعم أبناءه حرامًا.
أنّ سماحة المسلم في البيع والشراء جزء من التدين؛ فليس التدين شكلا ولا صورة ظاهرة فحسب.
أن يحذر كل واحدٍ منّا إذا باع أو اشترى من الكذب على السلعة وهو يبيعها أو يبتاعها.

اضافة تعليق