Advertisements

تعرف على معنى قوله: "لا يمسُّه إلا المطهَّرون"

م. وليد متولي الثلاثاء، 09 أبريل 2019 06:20 م
وليد متولي

إنّ مسّ المصحف الشريف كما نعلم يجب أن يكون على طهارة؛ فلا يمسّ المصحف غير المتوضئ إلا في الحالات الخاصة التي أجازها الفقهاء.
والذي يتبادر إلى أذهاننا مِن المقصود بمس المصحف؛ هو مسكه باليد, وتناوله للقراءة فيه أو حمله, ولنا أن نتساءل هل معنى قوله تعالى: " لا يمسُّه إلا المطهَّرون" (الواقعة/79), وقول الرسول صلى الله عليه وسلم:" لا يمس القرآن إلا طاهر".. يتوقف عند هذا الحد من مسك المصحف على طهارة ووضوء, وتناوله باليد. أو أن الأمر له أبعاد فوق ذلك؟.

وللإجابة على هذا التساؤل يجب أن نتعرف على المعاني المختلفة له من خلال الآيات الوارد فيها في القرآن الكريم ثم نتدبر ما يضيفه سياق الآيات لهذا اللفظ من معانٍ.

"المس" في اللغة هو مسك الشيء بيدك, وهو الجمع بين الشيئين على نهاية القرب, والممسوس من الماء ما نالته الأيدي. وعند استعراضنا للكلمات التي ارتبط ذكرها بالمسّ في آيات القرآن الكريم نجدها كالآتي: مسّ النار, والعذاب, ونفحة منه, والضُر والضراء, والبأساء, والسرّاء, والسوء, والشر, والخير, والبشر, والنساء, والقرح, وسقر, والكبر, والنصب, والشيطان, وطائف منه, والزيت. وقد أتت هذه الألفاظ مُعرَّفة, ومُنكرة في إحدى وستين آية.

وسنبدأ بمعنى (مسّ الزيت) في قوله تعالى: (يكاد زيتُها يُضيء ولو لم تَمْسَسْهُ نار) (النور/35). إن الزيت عندما يلتقي بالنار يشتعل؛ لأن النار تُمده بالطاقة اللازمة التي عندها يبدأ الزيت في الاحتراق, وبذلك فالنار تعمل على إهلاك الزيت بالأخذ من مكوناته وحرقها ما دام استمر التقاؤه بالنار, والعائد من ذلك هو الإضاءة أو غيرها, وزمن هذا المسّ مستمر باستمرار الاشتعال, والكمية القابلة, وإن هذا العائد من إشعال الزيت واقع في الخاطر. ولهذا العائد ظهور مادي أو يمكن الاستدلال عليه - كالشعور بالحرارة هنا- كما أنه متعدد الأغراض.

ومثال آخر يوضح ذلك, وهو (مسّ النار) في قوله تعالى على لسان الذين كفروا من بني إسرائيل: (لن تمَسَّنا النّار إلا أياماً معْدودةً) (البقرة/ 80) فنحن نعلم ماذا تفعل النار إذا التقت بالجسم- من بدء الجلد- فإنها تؤدي إلى إحراقه, وإفقاده لمكوناته الأساسية من شعر وبشرة وما يلي ذلك بحسب شدتها, ومدة التعرض لها. إذن يحدث تداخل بين النار والجسم أو الجلد, ويحدث فقد في المكونات للجسم, واكتساب حرارة النار, أما الزمن اللازم لذلك فهو يختلف باختلاف الحدث وشدته, رغم ربطهم المسّ هنا بأيام معدودة- على حسب معتقدهم- ولكن التعذيب في النار يرتبط بالزمن المقدر على سبيل قوله تعالى: (إن الذين كفروا بآياتنا سوف نُصْليهمْ نارًا كلما نضجتْ جُلودهُمْ بدلناهم جلوداً غيرها لِيذُوقُوا العذاب إن الله كان عزيزًا حكيمًا) (النساء/56).

وما ترتب على العائد هنا من المسّ لم يكن موجودًا قبل التقاء النار بالجلد؛ بل هو شيء آخر يختلف عن الماس والممسوس عبارة عن جلد محترق له شكل يختلف عن سابقه, فهو مزيج من الجلد السابق والنار, وهذا إذا توقف الحدث عند مرحلة الجلد. أما في حالة (مس البشر)- أو النساء- فسنتناوله من خلال قول الصديقة مريم في قوله تعالى: (قالت ربِّ أنى يكون لي ولد ولم يمسَسْني بشرٌ قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى امراً فإنما يقول له كن فيكون)(آل عمران/47). وقوله تعالى: (قالت أنّى يكون لي غُلام ولم يمْسَسْني بشر ولم أك بغيًا)(مريم/20).  

إذن وجود الولد أو الغلام مرتبط تماما بحدوث المسّ, وإلا لأتى اللمس بدلا من المسّ على الأقل في آية من هاتين الآيتين, إن كان كل منهما يقوم بنفس الأداء التعبيري عن حدوث كيفية الإتيان بالولد, وأيضا يتبين هنا الفرق بين (اللمس) الذي يوجب الوضوء, و(المسّ) الذي يكون نتاجه الولد؛ والذي يوجب الغُسل, كما أن هناك إشارة يجب أن تؤخذ في الاعتبار وهي أداة الجزم والنفي "لم", وهي تفيد نفي الفعل المضارع وقلب زمنه إلى الماضي, فهذه الإشارة تبين لنا وتؤكد أن هناك فرقا بين اللمس والمسّ, فهي لم تنفِ اللمس وإلا ألم تلمس أمها – وهي من البشر- جلدها وهي تتعرف عليها وهي مولودة رضيعة, وكذلك من كان يحملها, فهذا شيء حادث.

ولكن عندما يتطرق الكلام والمعنى إلى خصوصية تذكر بذكر المرأة مع الرجل, وما يكون بينهما, وما يترتب عليه الولد؛ فإنه لا مجال لذكر اللمس هنا؛ ولكن التعبير يكون بالمسٍّ, وهو ما تم نفيه والتعجب منه على لسان الصديقة مريم العذراء.

ومع ذلك يتضح لنا أن العائد من هذا المس بين المرأة وزوجها – وهو التمتع والولد- يكون مقصودًا وواقعا في الخاطر حدوثه, وأيًا كان نوع الولد - ذكرًا أو أنثى- مما يدل على أن العائد مجمل ومتعدد الفائدة, وليس لغرض واحد. وفي حديث الميضأة – إناء به ماء- عن أبي قتادة في مسند الإمام أحمد عندما طلبها الرسول صلى الله عليه وسلم منه, قال: "مِسّوا منها"؛ أي خذوا منها الماء وتوضئوا, فالعائد هنا متعدد الفوائد, فعلى المستوى المادي يتمثل في إزالة ما علق بالبشرة من أتربة, وما شابهها, ومعنويا بخروج الذنوب التي تخرج مع الماء أو آخر قطر الماء كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهي طهارة ليس لها تجسد ظاهر لنا.

ونخلص من تحليل الأمثلة السابقة إلى أن المقصود من المسِّ التأثير أو التأثر أو التداخل والأخذ أو التبادل, أو كلها, في بعض المكونات والصفات بين الطرفين أو أحدهما. ويكون العائد من ذلفك مقصوداً وواقعاً حدوثه في الخاطر, وأنه لا وجود له بين الطرفين قبل المسّ.

وشروط ذلك المسّ تتمثل في كون الطرفين ماديين أو أحدهما. وأن زمن المسّ يختلف بحسب نوع الماس والممسوس والعائد. وأن العائد له صفة بقاء مُدركة تتناسب مع كيفية المسّ وزمنه وما قُدِّر له؛ مثل الولد وهو العائد من التقاء الزوجين.

بعد ذكر معنى المسّ, نحاول بفضل الله تعالى وتوفيقه الدخول إلى رحاب قوله تعالى: (لا يَمَسُّه إلا المُطَهَّرون) ( الواقعة /79).
هذه الآية لعظم أهميتها وقدرها مهد الله تعالى لها بقسم عظيم للفت الأنظار والعقول لمعانيها الجليلة, فقد قال سبحانه:(فلا أقسم بمواقع النجوم وإنَّه لقسم لو تعلمون عظيم) (الواقعة/ 75: 76), وأعقب ذلك بجواب القسم ووصفه في قوله تعالى: (إنَّه لقرآنٌ كريمٌ في كتابٍ مكنونٍ) (الواقعة: 77- 78). ونعود مرة أخرى إلى هذه الآيات وما أُثير من السادة المفسرين حولها. إذ نجد هذه التساؤلات: هل الكتاب المذكور هو المصحف الذي في أيدينا أو اللوح المحفوظ ؟, هل المطهرون هم الملائكة أو المؤمنون؟ هل حرف "لا" هنا حرف نفي أو نهي؟.


بُناء على ذلك سيتوقف المعنى المقصود من المسّ. والآن نتناول الإجابة عن هذه التساؤلات بشيء من الاختصار نقول: عند التعرض للتفاسير والاطلاع على الآراء حول المقصود من (الكتاب) سواء من الصحابة الكرام رضي الله عنهم أو المفسرين نجد رأيين؛ أحدهما: أن المقصود بالكتاب هو الذي في السماء؛ أي اللوح المحفوظ. والآخر: هو المصحف الذي في أيدينا. والأقرب عندي أن الرأيين صواب, ولا تعارض بينهما؛ وذلك لأن الله تعالى أقرأ القرآن لأمين وحيه جبريل عليه السلام من اللوح المحفوظ لقوله تعالى: (بل هو قرآن مجيد في لوحٍ محفوظٍ) (البروج 23:22), وأقرأه جبريل عليه السلام لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ثم دون هذا القرآن المقروء في المصحف الذي في أيدينا كما في قوله تعالى: "نزل عليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديْهِ وأنزل التوراة والإنجيل) (آل عمران:3). أما القول في المطهَّرين هل هم الملائكة أو المؤمنين؟.

فإننا نجد لفظ "المطهَّرون" جاء على صيغة اسم المفعول؛ وهي تفيد الذات التي وقع عليها. ومن هنا جاء ترجيح القول لدى من قالوا بأن "المطهَّرين" هم الملائكة لأن الله طهَّرهم, غير أن المؤمنين أيضا قد طهَّرهم الله بالإيمان. وبذلك يمكن القول بأن لفظ "المطهَّرون" يمكن إطلاقه على المؤمنين الذين أنعم الله عليهم بالإيمان فصاروا مُطهَّرين. وأيضًا؛ لأن المُخاطبين بهذه الآية والمأمورين بالتعبد بتلاوتها هم المؤمنون, والإيمان بالله تعالى هو أصل الطهر.

والآن نأتي إلى حرف "لا" لنتبين معناه؛ أي هل هو للنفي أو للنهي ولماذا؟، والراجح أنها للنفي على أساس أن اللمس ليس هو المسّ كما وضحنا سابقا؛ أي ليس الأمر متوقفا على الالتقاء بالكتاب بالبصر و اليد أو سمعيا؛ لإدراك أن هذا الكتاب أو المصحف هو القرآن المنزل من الله تعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم, وإلا لجمدنا هذا العطاء العظيم في هذه الآية الكريمة: "إنَّهُ لقُرْآنٌ كريمٌ" ( الواقعة:77) على هذا القدر فقط, وهو ما أدركه كفار قريش أيضًا في كون هذا القرآن مُنزلاً من عند الله تعالى، ولكن جحدت أنفسهم.

فإن أخذنا بذلك المفهوم فقط لم نجعل لنا نصيبًا في هذه الآية الكريمة التي هي جواب للقسم العظيم الذي هو قسمٌ بمواقع النجوم التي جعل الله لها الأثر البالغ في حياتنا واستمرارها على الأرض. مما سبق يتبين لنا أن تناول ومسك المصحف الشريف باليد ليس هو المقصود فقط من مسّ القرآن الكريم. وهذا يفيد أن "لا" نافية؛ فالنفي أليق بكتاب الله تعالى؛ لأن النفي هو نفي انتساب شيء إلى شيء آخر. مثل نفت الريح التراب؛ أي أطارته, وامتنع صلته بالأرض. فالأمر المنفي عنه تكون المنعة فيه؛ أي ممتنع بذاته. وهذا النفي هو ما تؤكده قواعد النحو في علامة الإعراب - بعيدًا عن تكلف التأويل-؛ أي الضمة في كلمة " يَمسُّه", بالإضافة إلى قراءة عبد الله بن مسعود في ذلك "ما يمسُّه", فقد قرأ الآية بحرف "ما" النافية. إذن فهذا النفي هو الذي يليق بهذا الكتاب العزيز والقرآن المجيد, فهو كلام ربُّ العالمين لا يمسُّه إلا من أذن لهم الله تعالى, وهم المطهَّرون- مع العلم بأن الإيمان بالله هو أصل الطهر- ؛ أي لا يجد طعمه وبركته ونوره, وهديه, وخيره, وشفاؤه, ورحمته, وكل ما يمتد من أوصاف هذا القرآن الكريم عند قصده إلا المطهَّرون, وهم المتقون الذين قال الله عنهم: "ذلك الكتاب لا رَيْبَ فيهِ هُدًى للمُتقينَ" (البقرة:2 ).

وقد جاء لفظ "المطهَّرون" هنا مطلقًا غير مُقيد بطُهرٍ  بعينه, فهو يشمل كلّ الطهر بدءًا من الطهر المادي؛ أي الطهارة والوضوء إلى الطُهر المعنوي وأبعاده.

ولا يفوتنا هنا أن النفي جاء للمسّ ولم ينفِ اللمس وذلك لما نراه من لمس الطاهر له وغير الطاهر مما أجازه الفقهاء لظروف خاصة, وما يقع من الكفار من لمسه. ولكن للتأدب مع هذا الكتاب والقرآن الكريم وتعظيمه في حياة المؤمن والتعبد بتلاوته وقصد الانتفاع بكرمه ووقوع ذلك في الخاطر فيجب أن يكون المؤمن على طهارة, فلا يمسّ كلامه إلا طاهر كما ذكرنا سابقا بدءًا من طهر الوضوء إلى مطلق الطهر الذي يُعلم, كالطهر من الكفر والشرك, والرياء, والنفاق, والكِبْر, والجزع, والمنِّ وطهر السمع والبصر, وطيب المأكل والمشرب, وطهر الملبس, وطهر اللسان من الكذب.. إلخ.

فعلى قدر درجات الطهر يكون العطاء، إذن فالطهر هو مفتاح لهذا الكنز العظيم في الدنيا والآخرة, والذي لا تنقضي عجائبه, ولا ينتهي عطاؤه.                                                                                   

اضافة تعليق