نابغة عصره ولكن في الشعر

الإثنين، 08 أبريل 2019 03:11 م
نابغة عصره ولكن في الشعر


أما اسمه فهو زياد بن معاوية بن ضباب، ويصل نسبه إلى عيلان بن مضر. وكان النابغة يكنى بابنتيه (أمامة) و(ثمامة) فينادى بأبي أمامة أو أبي ثمامة.

وقد اشتهر بلقبه النابغة حتى كاد هذا اللقب أن يمحو اسمه الحقيقي وهو زياد. ويرجع بعض الدارسين هذا اللقب إلى نبوغه في الشعر وتفوقه فيه.
وقد شهد له أبو الفرج الأصفهاني في كتابه الأغاني حيث قال: كان يُضرب للنابغة الذبياني قبة بسوق عكاظ فتأتيه الشعراء فتعرض عليه أشعارها.. وأول من أنشده الأعشى ثم حسان بن ثابت ثم أنشدته الخنساء وبنت عمرو وبن الشريد..
وعندما وصلت الخنساء إلى البيت الذي تقول فيه:
وإن صَخراً لتَأْثمُّ الهُداة بِهِ
كأنهُ عَلَمٌ في رأسِهِ نَارُ
اهتز النابغة طرباً وقال:
? والله لولا أن أبا صخر أنشدني آنفاً لقلتُ: إنك أشعر الجن والإنس..
عندها نهض الشاعر حسان بن ثابت ثائراً وقال:
? والله لأنا أشعر منك ومن أبيك.. 
فقال له النابغة:
? يا ابن أخي أنت لا تحسن أن تقول:
فإنّكَ كالليلِ الذي هو مُدْركي
وإنْ خِلتُ أنَّ المنْتأى (1) عنك واسعُ
خطاطيف (2) حَجْنٍ (3) في حبال متينة 
تُمَدُّ بها أَيْدٍ إليكَ نوازعُ
فخنس حسان ولم يرد.

وعندما اكتمل نضوجه الشعري وفد على أبي قابوس النعمان بن المنذر ملك الحيرة، فقربه من دون سائر الشعراء وحَظي لديه على مكانة لم يحظ بها أي شاعر آخر غيره. وكان النعمان بن المنذر ملك الحيرة يعرف الغث والسمين ويدرك أهمية الإبداع لدى الشاعر، ويتلمس مواقع القوة والضعف في كل قصيدة يصغي إليها.

وقامت صداقة حميمة بين النعمان والنابغة إلى درجة أن جعله النعمان في حاشيته ينادمه ويؤاكله في آنية من الذهب مما جر عليه حسد الحاسدين ونقمتهم ومؤامراتهم التي كادت تودي بحياته.

وكانت للنابغة المقرب من الملك النعمان مكانته الاجتماعية العالية في صفوف قومه، يساعدهم ويفك أسراهم ويحل مشاكلهم.

وامتد التقدير والاحترام حتى شمل الجزيرة العربية، وأصبح النابغة أشعر الشعراء وأكثرهم شهرة وأقدرهم على الحكم بين شعراء عصره.

ولكن المؤامرات لم تتوقف على النابغة، واستطاعت واحدة من هذه المؤامرات أن تضع إسفيناً في العلاقة بين النعمان والنابغة حتى أن النعمان غضب على النابغة وفكر بقتله.. وهذه هي الحكاية:
في إحدى الليالي الساهرة، وبفعل الخمرة التي دارت بالرؤوس وجعلت المستحيل ممكناً، مرت المتجردة وهي زوجة النعمان أمام الملك النعمان وندمائه..
وعلى ما يبدو لم تكن المتجردة تتوقع أن ترى الملك وندماءه في ذلك الموقع من القصر.. وسقط نصيفها، والنصيف هو ما يغطي الرأس من خمار وغيره.. فقامت بتغطية وجهها بذراعها، وكانت سمينة بحيث كادت ذراعها أن تغطي كامل وجهها..
إن المرأة الجميلة في مقاييس ذلك الزمن لم تكن النحيفة ذات الوزن القليل، بل السمينة ذات الوزن الزائد.

كان مع النعمان بالإضافة إلى النابغة شاعر آخر هو المنخّل بن عبيد بن عامر اليشكري والذي تصفه المراجع بأنه كان من أجمل العرب.. بينما كان الملك النعمان دميماً، قبيح المنظر، وراجت إشاعات في ذلك الزمن أن المنخّل كان محل إعجاب المتجردة زوجة النعمان.. وأن علاقة قامت بينهما، بل إن ابني النعمان من المتجردة كانا من المنخّل.

المشهد الذي رآه النعمان من سقوط خمار زوجته أمام ضيوفه لم يصبه بالغضب، ولكن على العكس تماماً جعله يضحك ويقول للنابغة:
? والله يا أبا ثمامة.. إن ما حدث يستحق منك قصيدة..
فضحك النابغة ووعد النعمان بأن ينشده قصيدة المتجردة في اليوم التالي..
وفي الليلة التالية، وبعد أن عملت الخمرة عملها في رؤوس الندماء، ألقى النابغة قصيدته المشهورة “المتجردة” والتي نضع هنا بعض أبياتها:
سَقط النصيفُ ولم تُردْ إسقاطهُ
فتناولته واتقتنا باليد
بمخضب رخص (4) كأن بنانَهُ
عَنَمٌ (5) يكاد من اللطافة يُعقَدُ
نظرت إليكَ بحاجةٍ لم تقضها
نظر السقيم إلى وجوه العود (6)
زعَمَ الهُمام (7) بأن فاها باردٌ
عذبٌ مقبله، شهيُّ المَوْردِ
زعم الهُمامُ ولم أذقهُ أنّهُ
عذبٌ إذا ما ذقتهُ قلتَ: ازدَد
كانت قصيدة النابغة في المتجردة قمة البلاغة في الوصف، ولذلك أثارت حسد اليشكري المتهم بعلاقته الآثمة مع المتجردة فوجدها فرصة للنيل من النابغة.. فقال للنعمان في غياب النابغة:
? لا يستطيع أن يقول هذا الشعر إلا من جربه.
? ماذا تقول يا منخّل.. جرّبه؟
? نعم.. هذا شعر لا يصدر عن خيال بل عن تجربة.
وهكذا زرع اليشكري إسفين الشك في فكر النعمان الذي صحا فجأة ليجد نفسه محاصراً بفكرة خيانة النابغة له.. تغير وجهه، ولم يخف غضبه على النعمان.. وكان حاجب النعمان عصام بن شهبر الجرمي قد أدرك بعد أن سمع المنخّل يوغر صدر النعمان على النابغة أن صديقه الحميم النابغة في خطر.. فذهب إليه وأبلغه بما حدث وأوصاه بعدم المجيء إلى مجلس النعمان، بل ونصحه بالفرار إلى مكان آمن، فالملك الآن في غضب شديد، وإلى أن يكتشف الحقيقة وبراءة النابغة من الخيانة فعليه أن يظل بعيداً.
وهكذا أنقذ عصام النابغة من القتل.. بينما لقي المنخّل اليشكري مصرعه على يد الملك عمرو بن هند الذي تغزل اليشكري بابنته هند وقال فيها:
وأُحِبُّهـــــا وتُحِبُّنــــي ويُحــبُ ناقَتَهــا بَعيــري
وصدق قول القائل: من حفر حفرة لأخيه وقع فيها.
ابتعد النابغة عن النعمان بن المنذر مضطراً وذهب إلى الغساسنة في بلاد الشام، ونزل بكنف عمرو بن الحادث الأصفر فمدحه ومدح أخاه النعمان ونال منهما الكثير من الجوائز والهدايا القيمة، ولكنه لم يستطع أن يتنكر للنعمان، بل استمر يمدحه بقصائد اعتبرت من أجود شعره وسميت بالاعتذاريات. وظل النابغة يحن إلى العودة إلى دياره وأهله، ولكنه كان يريد قبل ذلك أن يزيل سوء التفاهم الذي حدث بينه وبين النعمان بعدما دسّ ذلك اليشكري بوشايته وجعل النعمان يسخط على النابغة طالباً ودّ النعمان ومدافعاً عن نفسه ضد تهمة الخيانة. ومنها قصيدته “أتاني أبيت اللحن”، وفيها:
أتاني أبيتَ اللعْن (8) أنك لُمتني
وتلكَ التي أهتمُّ منها وأَنصبُ (9)
فبتّ كأن العائدات (10) فرشنني (11)
هُراساً (12)، به يعلى 
فراشي ويُقشبُ (13)
حلفتُ فلم أتركْ لنَفسكَ ريبةً
وليس وراء الله للمَرء مذهبُ
لئن كنتَ قد بُلغتَ عني وشايَة
لمُبلغُك الواشي أغشُّ وأكذبُ
ولكنني كنت امْرءاً لي جانبٌ
من الأرض فيه مستردٌ ومذهبُ (14)
مُلُوك وإخوانٌ إذا ما أتَيْتُهُمْ
أحكمُ في أموالهم وأقربُ
كفعلكَ في قوم أراكَ اصْطنَعتهمْ
فلَمْ ترهُم في شكرِ ذلكَ أذنبوا
فلا تَرْتكِني بالوعيدِ كأنني
إلى الناس مَطليٌّ به القارُ أجربُ
ألَمْ تَرَ أن الله أعطاك سورة (15)
ترى كلَّ مَلْك دُونها يتذبذبُ
فإنّك شمسٌ والملوكُ كواكبٌ
إذا طلعَتْ لم يبْدُ مِنهُن كوكبُ
ولستِ بُمستَبق أخاً لا تلمُّهُ
على شعثٍ (16) أيّ الرجالِ المهذب؟
فإنك أكُ مظلوماً فَعبْدٌ ظلَمْتَهُ
وان تكُ ذا عُتبى (17) فمثلك يُعِتبُ (18)
ورغم قصائد الاعتذار الكثيرة التي حاول فيها النابغة أن يبرئ نفسه من تهمة الخيانة إلا أنه لم يأمن العودة إلى صديقه النعمان بن المنذر إلا حين أبلغوه أنه عليل يعاني سكرات الموت.. عند ذلك نفد صبر النابغة فشد الرحال عائداً إليه فوجده بين الحياة والموت ينقلونه محمولاً من مكان إلى آخر..
فخاطب عصام بن شهبر حاجب الملك، والذي كان له فضل إخباره بوشاية اليشكري التي أوغر بها صدر النعمان عليه، بأبيات عبر فيها عن مدى حبه وإخلاصه للنعمان.. قال النابغة:
ألَمْ أقسِمْ عليك لتُخْبرَنّي
أمحمولٌ على النعشِ الهمامُ
فإني لا ألومكَ في دخولي
ولكنْ ما وَراءكَ يا عصامُ
فإن يَهْلكْ أبوقابوسَ يَهْلِكْ
ربيعُ الناسِ والشهرُ الحرامُ
ونُمسكْ بَعْدَهُ بذنابِ عَيش
أجَبِّ الظهِر ليسَ له سنامُ
وهو هنا يقول لعصام: أنا ألومك في منعي من الدخول على النعمان، ولكن كان عليك أن تخبرني أنه مريض.. فالنعمان هو كالربيع الخصب للناس.. وكالشهر الحرام لجاره.
وهكذا صنعت الأحداث وهيأت في قلب الشاعر النابغة هذا الشعر الرائع الذي خلده وجعله في قمة شعراء العرب.

اضافة تعليق