وصايا نبوية تجنبك الفتن والسقوط أسيرًا للمال والنساء والشيطان

السبت، 06 أبريل 2019 03:28 م
كيف تتجنب الفتن قبل أن تصبح أسيرا للمال أو النساء أو الشيطان


يتعرض المسلمون لكثير من الفتن، على مستوى مجموع الأمة أو على فرد من أفرادها، ما بين الأزمات الاقتصادية، وحب الشهوات التي زينت للإنسان من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة.

فضلاً عن الفتن التي تشكك المسلم في دينه، من خلال الهجمات الشرسة التي يتعرض لها المسلمون، وربطه بالإرهاب، الأمر الذي يدخل الإنسان في حالة من التيه، ينقص معها الإيمان للحد الذي ربما يؤثر على حياته في الدنيا، وجزائه في الآخرة.

ومن بين الفتن الكفر والشرك والبدع، والوقوع في كبائر الذنوب والمعاصي فتنة، وحب المال والنساء، والسلطان والملك والظلم والجور.

 ودلَّنا النبي صلى الله عليه وسلم، على السبيل الأمثل في التعامل مع الفتن؛ وذلك باجتنابها، واعتزال أهلها، وكَفِّ اليد واللسان عن العمل فيها، وجاء في ذلك أحاديث كثيرة، منها حديث أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((سَتَكُونُ فِتَنٌ الْقَاعِدُ فيها خَيْرٌ من الْقَائِمِ وَالْقَائِمُ فيها خَيْرٌ من الْمَاشِي وَالْمَاشِي فيها خَيْرٌ من السَّاعِي وَمَنْ يُشْرِفْ لها تَسْتَشْرِفْهُ وَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أو مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ)) رواه الشيخان.

ونبه النبي صلى الله عليه وسلم، على أن اعتزال الفتنة، والهرب من أهلها أصل عظيم من أصول هذا الدين؛ لمصلحة العبد وصيانة دينه، وسلامة يده ولسانه من دماء المسلمين وأعراضهم، ولمصلحة الأمة بإخماد الفتنة، وتقليل الخسائر فيها؛ كما في حديث كُرْزِ بن عَلْقَمَةَ الخزاعي رضي الله عنه قال: قال رَجُلٌ: يا رَسُولَ الله، هل لِلإِسْلاَمِ من مُنْتَهَى؟ قال: "نعم، أَيُّمَا أَهْلِ بَيْتٍ مِنَ الْعَرَبِ أَوِ الْعَجَمِ أَرَادَ الله بِهِمْ خَيْراً أَدْخَلَ عَلَيْهِمُ الإِسْلاَمَ"، قال: ثُمَّ مَهْ؟ قال: "ثُمَّ تَقَعُ الْفِتَنُ كَأَنَّهَا الظُّلَلُ"، قال: كَلاَّ والله إن شَاءَ الله، قال: "بَلَى والذي نفسي بيده، ثُمَّ تَعُودُونَ فيها أَسَاوِدَ صُبًّا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ". رواه أحمد. وصححه ابن حبان وزاد في روايته: "فخير الناس يومئذ مؤمن معتزل في شعب من الشعاب يتقي الله ويذر الناس من شره".

ومن أعظم الفتن فتنة الدجال، وقد قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم:"من سمع بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ منه فان الرَّجُلَ يَأْتِيهِ وَهْوَ يَحْسِبُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ فَلاَ يزل بِهِ لِمَا معه مِنَ الشُّبَهِ حتى يَتَّبِعَهُ" رواه أحمد، وهذا يدل على أن الفرار من الفتنة واعتزال أهلها من أصول هذا الدين العظيم.

وأوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالبادية هربا من الفتنة مع ما في البادية من الجفاء، وتعطيل الدعوة والحسبة، والتخلف عن الجمع والجماعات، ولكن ذلك أهون من الانغماس في الفتنة، كما في حديث أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه أَنَّهُ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بها شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ من الْفِتَنِ" رواه البخاري وبوب عليه فقال رحمه الله تعالى: ((باب من الدين الفرار من الفتن)).

وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا ينجو من الفتنة إلا مرابط في الثغور، أو معتزلٌ في البادية؛ كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أظلتكم فتنٌ كقطع الليل المظلم أنجى الناس منها صاحب شاهقة يأكل من رَسْلِ غنمه أو رجل من وراء الدروب آخذ بعنان فرسه يأكل من فيء سيفه هذا" رواه الحاكم وصححه.

وحال ضاقت الدنيا في وجه صاحبها، ولا يكون للعبد حال الفتنة غنم ولا إبل يفرَّ بها من الفتنة إلى البادية فأوصاه النبي صلى الله عليه وسلم بأن يلزم بيته، ويتخلص من سلاحه؛ لئلا يضطر إلى استخدامه ضد مسلم فيقتله فيبوء بإثمه، كما جاء في حديث أبي مُوسَى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال في الْفِتْنَةِ: "كَسِّرُوا فيها قَسِيَّكُمْ وَقَطِّعُوا فيها أَوْتَارَكُمْ وَالْزَمُوا فيها أَجْوَافَ بُيُوتِكُمْ وَكُونُوا كَابْنِ آدَمَ".

وروى مُحَمَّدُ بن مَسْلَمَةَ رضي الله عنه فقال: إِنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ وَفُرْقَةٌ وَاخْتِلَافٌ فإذا كان كَذَلِكَ فَأْتِ بِسَيْفِكَ أُحُدًا فَاضْرِبْهُ حتى يَنْقَطِعَ ثُمَّ اجْلِسْ في بَيْتِكَ حتى تَأْتِيَكَ يَدٌ خَاطِئَةٌ أو مَنِيَّةٌ قَاضِيَة" رواه ابن ماجه.

ونهى النبي صلى الله عليه وسلم على المسلم أن يخرج من بيته ليشارك في الفتنة، وفي حديث أَبي بَكْرَةَ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتَنٌ، ألا ثُمَّ تَكُونُ فِتْنَةٌ الْقَاعِدُ فيها خَيْرٌ من الْمَاشِي فيها وَالْمَاشِي فيها خَيْرٌ من السَّاعِي إِلَيْهَا، ألا فإذا نَزَلَتْ أو وَقَعَتْ فَمَنْ كان له إِبِلٌ فَلْيَلْحَقْ بِإِبِلِهِ وَمَنْ كانت له غَنَمٌ فَلْيَلْحَقْ بِغَنَمِهِ وَمَنْ كانت له أَرْضٌ فَلْيَلْحَقْ بِأَرْضِهِ"، قال: فقال رَجُلٌ: يا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ من لم يَكُنْ له إِبِلٌ ولا غَنَمٌ ولا أَرْضٌ، قال: "يَعْمِدُ إلى سَيْفِهِ فَيَدُقُّ على حَدِّهِ بِحَجَرٍ ثُمَّ لِيَنْجُ إن اسْتَطَاعَ النَّجَاءَ، اللهم هل بَلَّغْتُ، اللهم هل بَلَّغْتُ، اللهم هل بَلَّغْتُ"، قال: فقال رَجُلٌ: يا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ إن أُكْرِهْتُ حتى يُنْطَلَقَ بِي إلى أَحَدِ الصَّفَّيْنِ أو إِحْدَى الْفِئَتَيْنِ فَضَرَبَنِي رَجُلٌ بِسَيْفِهِ أو يجئ سَهْمٌ فَيَقْتُلُنِي قال: "يَبُوءُ بِإِثْمِهِ وَإِثْمِكَ وَيَكُونُ من أَصْحَابِ النَّار" رواه مسلم.

ونبه النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث على الكف عن القتال في الفتنة ولو أُكره عليه، فإن دخل عليه مسلم في بيته يريد مقاتلته فالأفضل أن يكف يده عن مقاتلته ولو أدى ذلك إلى قتله؛ فقتله خير له من الولوج في الفتنة والتلطخ بدم مسلم، كما جاء في حديث سَعْدِ بن أبي وَقَّاصٍ رضي الله عنه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ إن دخل عَلَيَّ بَيْتِي وَبَسَطَ يَدَهُ لِيَقْتُلَنِي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كُنْ كَابْنَيْ آدَمَ" رواه أبو داود.

وفي حديث أبي ذَرٍّ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له في قتال الفتنة:"اقْعُدْ في بَيْتِكَ وأغلق عَلَيْكَ بَابَكَ"، قال: فإنْ لم أُتْرَكْ؟ قال: "فَائْتِ من أنت منهم فَكُنْ فِيهِمْ"، قال: فَآخُذُ سلاحي؟ قال: "إِذن تُشَارِكَهُمْ فِيمَا هُمْ فيه وَلَكِنْ إنْ خَشِيتَ أن يَرُوعَكَ شُعَاعُ السَّيْفِ فألق طَرَفَ رِدَائِكَ على وَجْهِكَ حتى يَبُوءَ بِإِثْمِهِ وإثمك" رواه أحمد.

والاستسلام في قتال الفتنة سببٌ لحقن الدماء المعصومة وتقليلها، وبه تخمد الفتنة، وتُخْرَسُ ألسن من يشعلونها وينفخون فيها، بخلاف الإصرار على القتال فإنه يزيد الفتنة اشتعالا وانتشارا، وبه يكثر القتلى، وتستنزف الدماء؛ فكان المعتزل والمستسلم فيها خيرا من المقاتل؛ فإنه ضحى بدمه لحقن دماء إخوانه، وقدَّم نفسه فداء لأمته، قال اﻹمام أحمد رحمه الله : " واﻹمساكفى الفتنة سُنة ماضية ، واجب لزومها ، فإن ابتليت فقدم نفسك دون دينك ، وﻻ تعن على فتنة بيد ، وﻻ لسان ؛ ولكن اكفف يدك ، ولسانك ، وهواك ، والله المعين".

وقد امتدح النبي صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي رضي الله عنهما فقال: "ابْنِي هذا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بين فِئَتَيْنِ من الْمُسْلِمِين" رواه البخاري. فوقع ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ وضع الحسن رضي الله عنه السلاح، وترك القتال، وبايع معاوية رضي الله عنه؛ فاجتمعت الأمة بعد الافتراق، وحُقنت الدماء، وسُمي ذلك العام (عام الجماعة) وكان كف الحسن رضي الله عنه عن القتال خيرا له ولجميع المسلمين.

ولقد كان العرب في جاهليتهم يفخرون بوضع السلاح عن قتال الإخوان، ويحضون على الصلح بين القبائل، ويمتدحون من بذل ماله أو دمه في سبيل إغماد السيوف، وحقن الدماء، واجتماع القلوب.

وفي حرب البسوس بين بني وائل بكرٍ وتغلب، أرسل الحارثُ بنُ عُبَاد ابنَه بُجَيرا ليُقتل بدم كليب لتُحقن بدمه دماء القبيلتين فقتله أبو ليلى المهلهل، وسمع أبوه بمقتله وظن أنه قد قتله بأخيه كليب ليصلح بين الحيين فقال: ((نعم القتيلُ قتيلٌ أصلح بين ابني وائل)).

وكان ابن عمر رضي الله عنهما ممن اعتزل الفتن، وكان يصلي مع ابن الزبير رضي الله عنهما في الحرم، فإذا فاتته الصلاة مع ابن الزبير فسمع مؤذن الحجاج صلى مع الحجاج فقيل له: ((أتصلي مع ابن الزبير ومع الحجاج؟ فقال: إذا دعونا إلى الله عز وجل أجبنا، وإذا دعونا إلى الشيطان تركناهم)).




اضافة تعليق