صبر الطاعة أعظم من صبر البلاء: الأول اختيار والثاني اضطرار

الجمعة، 05 أبريل 2019 03:36 م
الصبر

 يظن البعض أن الصبر إنما يكون فقط عند وقوع الابتلاءات، وحلول المصائب، وهذا تصور خاطئ، لأن الصبر في حقيقته أوسع معنى من أن يكون قاصرًا على كل ما يصيب الإنسان من هم وغم، بل هو في الطاعات أوجب، لأن المواظبة عليها، والاستمرار فيها، مما يتطلب مقاومة لرغبات النفس التي هي بطبعها "إمارة بالسوء"، في الانقطاع عنها، والتوقف عن أدائها.

وقد ذُكِر الصبر في القرآن في تسعين موضعًا في موطن المدح والثناء والأمر به، والصبر هو نصف الإيمان، والنصف الآخر شكر، والصبر على الطاعة أفضل من الصبر عن غيرها؛ والله تعالى يقول: "وَصَابِرُوا"، فإنك تلزم نفسك الصلاة فتصلي، فلا تركن إلى الكسل, أو إلى الفراش, أو إلى أي أمر يشغلك عنه, كذلك يأمرك بالصوم فتصوم، تمتنع عن الطعام، وتتوقف عن إشباع رغبتك الجنسية كل هذا إلزامًا لنفسك، وكذلك يأمرك الله بالحج فتلبي النداء ما استطعت إليه سبيلاً، مع ما به من مشقة وجهد كبير، لكنك لا تتأخر كل ذلك إرضاء لله.

يقول ابن القيم رحمه الله: "الصبر على الطاعة أعلى مقامًا من الصبر على البلاء، لأن الصبر على الطاعة صبر اختيار، والصبر على البلاء صبر اضطرار".
وذكر أن الصبر على الطاعة، أفضل من الصبر على المصيبة، فقال: "فإن قيل: أي أنواع الصبر الثلاثة أكمل: الصبر على المأمور، أم الصبر عن المحظور، أم الصبر على المقدور؟ قيل: الصبر المتعلق بالتكليف، وهو الأمر والنهى، أفضل من الصبر على مجرد القدر؛ فإن هذا الصبر يأتي به البر والفاجر، والمؤمن والكافر، فلا بد لكل أحد من الصبر على القدر اختيارًا أو اضطرارًا.

وأما الصبر على الأوامر والنواهي، فصبر أتباع الرسل، وأعظمهم اتباعًا أصبرهم في ذلك، وكل صبر في محله وموضعه أفضل، فالصبر عن الحرام في محله، أفضل، وعلى الطاعة في محلها أفضل".

وقال ابن القيم أيضًا: "وأما الصبر على الطاعة فقد يعرض فيه ذلك أو بعضه وقد لا يعرض فيه، بل يتجلى بها ويأْتي بها محبة ورضى، ومع هذا فالصبر واقع عليها، فإنه حبس النفس على مداومتها والقيام بها، قال الله تعالى: "وَاصْبِرْ نَفْسكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِى". وأما الصبر عن المعصية فقد يعرض فيه ذلك أو بعضه، وقد لا يعرض فيه، لتمكن الصابر من قهر داعيها وغلبته".

وأضاف رحمه الله تعالى: "وههنا مسألة تكلم فيها الناس، وهى أي الصبرين أفضل؛ صبر العبد عن المعصية، أم صبره على الطاعة؟ فطائفة رجحت الأول؛ وقالت: الصبر عن المعصية من وظائف الصدّيقين، كما قال بعض السلف: "أعمال البر يفعلها البر والفاجر، ولا يقوى على ترك المعاصي إلا صدّيق".
قالوا: "ولأن داعيَ المعصية أشد من دواعي ترك الطاعة، فإن داعي المعصية إلى داع أمرٍ أمرٌ وجودى تشتهيه النفس وتلتذ به، والداعي إلى ترك الطاعة الكسل والبطالة والمهانة، ولا ريب أن داعى المعصية أقوى".

قالوا: "ولأن العصيان قد اجتمع عليه داعي النفس والهوى والشيطان وأسباب الدنيا وقرناءُ الرجل وطلب التشبه والمحاكاة وميل الطبع، وكل واحد من هذه الدواعي يجذب العبد إلى المعصية ويطلب أثره، فكيف إذا اجتمعت وتظاهرت على القلب؟ فأي صبر أَقوى من صبر عن إجابتها؟ ولولا أَن الله يصبره لما تأْتى منه الصبر. وهذا القول كما ترى حجته فى غاية الظهور.

ورجحت طائفة؛ الصبر على الطاعة بناءً منها على أن فعل المأْمور أَفضل من ترك المنهيات، واحتجت على ذلك بنحو من عشرين حجة.

ولا ريب أن فعل المأمورات إنما يتم بالصبر عليها، فإذا كان فعلها أفضل كان الصبر عليها أفضل، وفصل النزاع في ذلك أن هذا يختلف باختلاف الطاعة والمعصية: فالصبر على الطاعة العظيمة الكبيرة أفضل من الصبر عن المعصية الصغيرة الدنية، والصبر عن المعصية الكبيرة أفضل من الصبر على الطاعة الصغيرة، وصبر العبد على الجهاد مثلاً أفضل وأعظم من صبره عن كثير من الصغائر، وصبره عن كبائر الإثم والفواحش أعظم من صبره على صلاة الضحى، وصوم يوم تطوعاً ونحوه، فهذا فصل النزاع فى المسألة. والله أعلم".

يقول أبو قدامة: "فالصبر عبارة عن ثبات باعث الدين في مقابل باعث الشهوات، فإن ثبت حتى قهر الشهوة التحق بالصابرين، وإن ضعف حتى غلبت الشهوة ولم يصبر على دفعها، التحق بأتباع الشياطين، وإذا ثبت أن الصبر عبارة عن ثبات باعث الدين في مقاومة الهوى، فهذه المقاومة من خاصية الآدميين"‏.‏

لذا فإن الصبر على الطاعة أعلى مقامًا من الصبر على البلاء لأن الصبر على الطاعة صبر اختيار، والصبر على البلاء صبر اضطرار، "لذلك كان صبر نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام على ما نالهم في الله باختيارهم وفعلهم ومقاومتهم قومهم أكمل من صبر أيوب على ما ناله في الله من ابتلائه وامتحانه بما ليس مسبَّبا عن فعله، وكذلك كان صبر إسماعيل الذبيح وصبر أبيه إبراهيم عليهما السلام على تنفيذ أمر الله أكمل من صبر يعقوب على فقد يوسف".

وسبب آخر لكون الصبر على الطاعة أكمل من الصبر على البلاء؛ وهو أن من علامات كمال الصبر على البلاء وأمارات قبوله عند الله: فعل الطاعة بعده، ولذلك قال تعالى في معرض الحديث عن غزوة أحد: "وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ"، ولم يقل وسيجزي الصابرين مع أن المقام مقام صبر بل قال: "الشَّاكِرِينَ"، أي الطائعين الذين استمروا على طاعتهم عقب البلاء.. أعظم بلاء، وهل أعظم من مقتل النبي.

اضافة تعليق