المسئولية في الإسلام وتطبيقاتها العمليّة

الخميس، 04 أبريل 2019 08:00 م
المسئولية في الإسلام

تماشيا مع ما ينفع المسلمين وخاصة الدعاة نقدم زادًا للدعاة يعينهم على البحث ويفتح لهم الطريق لاستلهام الدروس والحكم من خلال نشر الوعي وإمدادهم بزاد ثقافي حول موضوع خطبة الجمعة كل أسبوع:

"الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمّا بعـد: فقد جاء الإنسان إلى الدنيا وهو يعلم لماذا جاء إليها؟ كما أنه يدرك حقيقة انتسابه للمجتمع الكبير الذي فيه يحيا وبين أرجائه يعيش..

مقاصد الخلق وعلاقتها بالمسئولية:
لقد خلق الله تعالى عباده في تلك الحياة لغايات منشودة، ومقاصد معدودة -ترتبط برسالة الله إلى البشر- من: توحيده وعبوديته والعمل على تعمير الأرض وبنائها وتزكية النفس البشريّة.. ولا يتحقق تعمير الأرض بلا مسئولية يتحملها الفرد نحو نفسه والمجتمع مِن حولِه.. فكان مبدأ المسئولية من أهمّ مبادئ الشريعة الإسلامية ومن أخطر قضايا الدين الحنيف..
ويوم أن غاب استشعار المسئولية عن حياة النّاس: ضاعت القيم، واحتلّت البلدان، ومُيّعت الثوابت، وفرّط الناس في الكثير من المبادئ والأخلاقيات، وتحكّمت الأهواء، وضاعت الحضارة، وصارت على هامش الحياة؛ حين كثُرَ حبّ الدنيا، ونسى الناس لقاء ربّهم..
ودعونا نبدأ لقاءنا اليوم بآية عظيمة تضعنا أمام مهمتنا الحقيقية في الأرض، غير أن تبدأ من النهاية لا من البداية، يقول تعالى: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا} [آل عمران: 30].. تضعك هذه الآية أمام مسئوليتك: ماذا قدّمت؟ وماذا فعلت لنفسك ومجتمعك؟
أنـــواع المسئوليــــــة:
وتتجسّد المسئولية في كل لحظة من لحظات حياتنا؛ وتتنوّع إلى مسئولية يتحملها الفرد عن نفسه، ومسئولية يتحمّلها عن مجتمعه ووطنه وأمّته من حوله..
فأمّا المسئولية الفردية:
فنجد التأكيد القرآني عليها كثيرًا كثيرًا؛ حيث يقول الملِك سبحانه: {لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى} [طه: 15]، ويقول أيضًا عن الحساب يوم القيامة: {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [غافر: 17] ولذا فإنّ السؤال يوم القيامة سيكون للفرد عن نفسه أولا قبل أيّ أحد غيره، قال عزّ مِن قائل: {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} [مريم: 95] ويقول جلّ شأنه: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ} [الصافات: 24]. ويقول تقدست أسماؤه: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} [المدثر: 38].. وقد روى الترمذي عن أبي برزة الأسلمي -رضي الله عنه-، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه، وعن علمه فيم فعل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه).. فالمسئولية الفردية تعني أن يحفظ المسلم جوارحه عن كل منقصة ومذمّة، وأن يحفظ ماله عن الحرام، وعلمه عن توظيفه في الحرام، وأن يحفظ كل ما أعطاه الله من نعم؛ فلا يؤذ أحدًا ولا يعتدي على أحد.. وفي الحديث: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان) فالمُسْلِم مسئولٌ تجاه خالقه (اعتقادًا وسلوكًا)، وأسرته (تربية ورعاية)، ومجتمعه (حفظًا وحماية) وأمّته (نصرة وريادة)..

وأمّا المسئولية المجتمعية:
فتعني الإحساس بقيمة المجتمع وضرورة إثبات الدور لذاتي في حفظه من خلال تعميره وإقامة الخير فيه، والعمل على نشر القيم والمحبة بين أرجائه، ومنع المفسدين من الإضرار في سفينته، وإنّا لنلحظ تحذيرًا قرآنيًّا عجيبًا في قول الحق جلّ في عُلاه: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: 25]. فالمسلمون لُحْمة والمؤمنون إخوة، وحق الإنسان على أخيه أن يقف معه، وأن ينصحه، وأن يذكّره بالخير ويصرفه عن الشرّ، وأن يحفظ المجتمع من الفتن والشهوات، وأن يعمل على صرف كل سوء عمّن حوله..
ولعلّ حديث السفينة يثبت ذلك:
فقد روى البخاري في صحيحه -من حديث النعمان بن بشير:(مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاَهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجَوْا جَمِيعًا).. ومجتمعنا هو هذا الحديث!! فقد انقسم لناس إلى قسمين أو ثلاثة، قسم يريد أن يخرّب، وقسم يريد أن يصلح، وقسم يشاهد ويسكت -بل ربّما يعمل على تثبيط همم المصلحين- مما يجعلنا نحذر من غرق سفينة المجتمع، ويحمّل الجميع مسئوليته تجاه إنقاذ المجتمع..
المسئولية الإنسانية نحو المقهورين في الأرض:
يقول الله تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} [الحجرات: 13]، فحق الإنسان على الإنسان أن يحافظ عليه وأن يسانده عند الضرر، وأن يعمل على رفع القهر والظلم والضرر عن الآخرين.. وصيانة الأوطان والبلاد تبدأ من تحمل المسئولية الإنسانية نحو الضعيف والمظلوم والمحتاج- لن تتحقق إلا بالمحبة الإنسانية.
أُمَّتُنا تحتاج أهل المسئولية:
ولم لا؟ والإنسان -كما يقولون- (مدنيّ بطبعه) فهو اجتماعي بالفطرة، ولا يستطيع أن يعيش منفردًا أو منعزلاً عن المجتمع، فهو فرد في أسرة، وفي مجتمع، وبين جوانب أمّة تنتظر همّته وجهده في نصرتها وحفظ مكانتها.. فمن منطلق اجتماعية الإنسان يتحمّل مسئوليته نحو مجتمعه في إقرار الحق ونبذ الباطل، والإعانة على الخير ونبذ الشر..
والناظر في حال أُمّتنا اليوم يراها وقد تشتت أبناؤها، وتمزّقت وحدتها، وتفرّق دعاتُها، ويتساءل: أهذه أمّة محمّد بن عبدالله؟ أهذه أمّة محمد الكريم الذي جمع المتفرّق، ورفع راية الحق والوحدة على رايات الفرقة والنزاع؟، أهذه أمّة محمد الذي قال للأوس والخزرج يومًا: أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم، دعوها فإنّها مُنتنة؟!!
إنّ مجتمع المسلمين بنعمة الله وبروح الإسلام كتلة واحدة في عموم الكرة الأرضية، من شرقها إلى غربها، ومن شمالها إلى جنوبها، لا يعرف الإسلام القومية المهينة التي مزّقت أمّتنا كل ممزّق، أهذه الأمّة التي نادى في آذانها الرسول بقوله: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا)، وشبك بين أصابعه... أهذه هي الأُمّة التي جعلها الإسلام جسدًا واحدًا، قال صلى الله عليه وسلّم: (مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تدعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)..
إنّ من عظيم المسئولية أن يتحمّلها المسلم نحو أُمّته المكلومة الجريحة اليوم؛ فمقدسات تهان وتغلق أمام المسلمين كالأقصى الحزين، وبلاد محتلّة لا تجد فيها نفسًا لحُرّ أبيّ كريم، ودول تمزّق أبناؤها تحت رايات متعدّدة بسبب الكبر والعناد..
حَرّكَتْهُم المسئولية:
أتساءل كثيرًا عن دوافع هؤلاء الأكارم في الحركة نحو إنقاذ المجتمع، وأنهم لم يستسلموا لنبرات اليأس والتيئيس، وشعارات السلبية القاتلة مثل (عش جبانًا تمت مستورًا.... الخ)؛ فقد تحرّكوا ولم يكترثوا بما سيحدث لهم؛ فقد كان همّهم الأول إنقاذ مجتمعهم وأبنائه..
ما الذي حرّك مؤمن آل ياسين؛ ليدعو قومه بالاستجابة للرّسل؟؟
ما الذي حرّك مؤمن آل فرعون، وهو المنعّم في القصور والسلطة، ما الذي حرّكه ليثبت الحق الذي جاء به الداعية موسى عليه السلام؟
ما الذي حرّك النبيّ موسى -صلى الله عليه وسلّم- ليسقي للفتاتين في مدين، وهو الفارّ بدينه من بطش الظالمين؟
ما الذي حرّك الناصحين في قصة أصحاب السبت لينصحوا قومهم -ممن يرتكبون الباطل ويتحايلون على أمر الله تعالى- وقالوا لهم: هذا حرام!! رغم تثبيط السلبيين لهم، قائلين: (لم تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم) غير أنهم ردّوا بعزّة النفس: (معذرة إلى ربّكم)؟؟ فما الذي حرّكهم إذًا؟؟
ما الذي حرّك الرسول الصادق الأمين -عليه الصلاة والسلام- ليحضرَ في دار عبدالله بن جدعان (حلف الفضول) ويقف بجوار مظلوم لا يعرفه؟؟
ما الذي حرّك صلاح الدين الأيوبيّ نحو بيت المقدس المأسور الجريح يومًا من الأيّام؟.
ما الذي حرّك عبدالحميد بن باديس، وعبدالقادر الجزائري، وعمر المختار نحو نصرة بلادهم والحفاظ عليها دون أمر من مسئول أو رئيس أو مدير؟؟؟
بل قل: ما الذي حرّك هدهدًا ليأخذ بيد أمّة تسجد للشمس والقمر من دون الله؟ ما الذي حرّك نملة لا نسمعها وربما لا نراها أن تنصح قومها (لا يحطمنّكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون)؟؟.
إنها الإحساس بالمسئولية ....... أن تحسّ بالمسئولية وأن تستشعر الأمانة فأنت إنسان!!.

وفي المقابل لما تخلّى أُناس عن مسئوليتهم الدينية والمجتمعية والإنسانية عوقبوا وضلّت حياتهم وأظلمت عليهم دنياهم، وانظر إلى حال قوم موسى حين قالوا له: (اذهب أنت وربّك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون).

ابتلاء السلبية:

لقد ابتليت أمتنا في زماننا الحالي بأناس انتسبوا إليها فَقَدُوا الشعور بالمسئولية وكثُر بين أبنائها مَن ينزع إلى الأنانيّة والأناماليّة -(وأنا مالي)-.. غير أنّ الناظر في حقيقة الإسلام يراه دينًا يفجّر طاقات البشر نحو خدمة دينهم وأمّتهم، ويحرّك الهمم نحو الشعور بالمسئولية (وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) ألا يعني هذا الإحساس بالمسئولية؟!!.
من صور المسئولية الغائبة:
تدخل المسئولية في كل علاقة وجانب من جوانب حياتنا، فمسئوليةٌ عن النفس والوالدين والأبناء والزوج، والمجتمع، والعُصَاة، والمظلومين، والضعفاء، والمقدسات، ومسئولية الراعي عن رعيته في كل جانب وزاوية، حتى المسئولية عن الحيوانات..
والحديث الأشهر في هذا الشأن ما رواه البخاري ومسلم: (كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ ومَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، -قَالَ: وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ: وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ- وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)..
صور غائبة للمسئولية المطلوبة:
المسئولية بين الزوجين بالقيام بالواجبات والعمل على إسعاد الآخر كموقف خديجة يوم أن نزل الوحي على الرسول صلى الله عليه وسلم.
العمل على رفع جهل الجاهلين؛ فمسئولية العالم أن يرفع جهل الناس؛ حرصًا على مصلحة الأمّة والمجتمع.
بث الأمل في نفوس اليائسين: فلا يصح أن تبث اليأس فمن قال هلك الناس فهو أهلكهم.
نشر الأخلاق ونبذ الفاحشة: فالذي يعمل على نشر الفُحش خبيث، والمسئولية الحق هي التي تعمل على نشر الفاضل من كل خُلُق.
قضاء الحوائج ورعاية المحتاجين
إعانة المظلومين وإغاثة الملهوفين
نصرة المقدسات (لا سيما المسجد الأقصى الجريح).. فالأقصى له حق على كل مسلم، ولا يليق بأمّة محمد أن تفرق بين المقدسات، أو ترتبط بقومية قاتلة أهلكت الوحدة ومزّقت التآلف بين الناس.
وصية عملية:
كن جزءًا صالحًا مصلحًا في جَسَدِ أُمّتك، فتّش عن جراحاتها واعمل على علاجها ومداواتها بقدر استطاعتك، بتربية أبنائك تربية الأخلاق والقيم، بنصحك للمفسِد بحكمة ورفق، بإرشادك للضال عن طريق الحقّ بهدوء وتأنّ، ببذلك من وقتك وعلمك لأمّتك المجروحة، بنشر لقضية المسلمين الأولى (فلسطين)، بِدُعائك في صلواتك للضعفاء والمجروحين، بنصرتك لمظلوم وإعانتك لمحتاج وإغاثتك لملهوف، ونجدتك لجريح..

لا تعش لأهوائك، ولا تحيا لأنانية قاتلة، لن تفيدك شيئًا أمام الله سوى الحسرة والنّدامة.. فمن عاش لنفسه مات سريعًا ولو عاش بين الناس بجسده، ومن عاش لأمّته كُتبت له حياة فوق حياته ولو مات بجسده.
لا تظنّ أن الأنامالية (وأنا مالي) سوف تغنيك أو تنجيك أو تعطيك رزقًا ليس لك!!
نسأل الله تعالى أن ينصر المسلمين في كل مكان، وأن يحفظ وحدة أمتنا، وأن يعيد إليها مجدها التليد".

اضافة تعليق