ماذا وجد النبي في نهاية رحلة المعراج؟

الخميس، 04 أبريل 2019 09:17 ص
ماذا وجد النبي في نهاية رحلة المعراج وما هي أنهار الجنة وما هو الحوض الشريف


في نهاية رحلة المعراج التي تشرف بها النبي صلى الله عليه وسلم بلقاء ربه، رأى الجائزة الكبرى، على العمل الصالح له ولأمته في الأخرة، وهي مقاعد المسلمين والمؤمنين في الجنة، ليبشر صلى الله عليه وسلم أمته بموعود ربهم، ويدخل السرور والفرحة على قلوبهم، بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

دخول النبي الجنة


يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ثُمَّ أُدْخِلْتُ الجَنَّةَ، فَإِذَا فِيهَا حَبَايِلُ اللُّؤْلُؤِ وَإِذَا تُرَابُهَا المِسْكُ".

واختلف العلماء في تحديد مكان الجنَّة! وقال أكثرهم بما يثبت أن الجنَّة في السماء؛ بل إنها أعلى السماء السابعة؛ لأنه لم يثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد خرج من السماء السابعة حتى يدخل الجنَّة، والرواية تذكر أنه قبل أن يدخل الجنَّة كان عند سدرة المنتهى، والسدرة في السماء السابعة كما نعلم؛ فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حَتَّى انْتَهَى بِي إِلَى سِدْرَةِ المُنْتَهَى، وَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لاَ أَدْرِي مَا هِيَ، ثُمَّ أُدْخِلْتُ الجَنَّةَ"، فبدت الجنة وكأنها قريبة من سدرة المنتهى.

ومن أبواب الجنة في السماء السابعة، ومنه دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، والجنَّة التي دخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، هي جنَّة المأوى؛ وذلك لما جاء في سورة النجم وصفًا لهذا الجانب من رحلة المعراج. قال تعالى: {عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى} [النجم: 14 - 15]، فجنَّة المأوى بنصِّ الآية عند سدرة المنتهى، وسدرة المنتهى في السماء السابعة، فصارت جنَّة المأوى -أو جانبًا منها- في هذه السماء.

وصف الجنة

وصف النبي صلى الله عليه وسلم الجنة بأوصاف، عجز العقل عن استيعابها لروعة البلاغة والإيجاز فيها، فمشاعر الرسول صلى الله عليه وسلم عندما دخل الجنَّة، عبرت عن فرحته بجزاء أمته، في الآخرة، وانطبعت على بلاغته، وهو يسير في طرقها وفوق ترابها وعلى ضفاف أنهارها.

وأول ما لفت نظر النبي صلى الله عليه وسلم "حَبَايِلَ اللُّؤْلُؤِ" وهي عقود اللؤلؤ وقلائده، وذلك لتزيين الجنَّة ذاتها، وقد يكون هذا نوع من زينة الاحتفال بدخول خير البريَّة صلى الله عليه وسلم؛ فنحن نرى في دنيانا كيف يستقبل الملوك ضيوفهم المكرمين، فكيف باستقبال ملك الملوك سبحانه لأكرم ضيوفه قاطبة؟! والذي يُؤَيِّد هذا المعنى أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصف مشهدًا عامًّا للجنَّة اكتفى فيه بذكر أمرين؛ وهما حبايل اللؤلؤ والتراب، ولا يُتَوقَع في هذا المقام أن يصف شيئًا يُلْبَس.

أما تراب الجنَّة فهو المسك كما وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا يُعطي الانطباع عن الرائحة العامة الرائعة التي يشمُّها أهل الجنَّة بصفة دائمة؛ فهي ليست روائح مخصوصة بأماكن معينة؛ إنما هي التراب الموجود في كل مكان!.

أنهار الجنة

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وَإِذَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ: نَهْرَانِ بَاطِنَانِ وَنَهْرَانِ ظَاهِرَانِ، فَقُلْتُ: مَا هَذَانِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: أَمَّا البَاطِنَانِ فَنَهْرَانِ فِي الجَنَّةِ، وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ فَالنِّيلُ وَالْفُرَاتُ".

في رواية الرؤيا قال أنس بن مالك: وَحَدَّثَ نَبِيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "أَنَّهُ رَأَى أَرْبَعَةَ أَنْهَارٍ يَخْرُجُ مِنْ أَصْلِهَا نَهْرَانِ ظَاهِرَانِ، وَنَهْرَانِ بَاطِنَانِ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَا هَذِهِ الأَنْهَارُ؟ قَالَ: أَمَّا النَّهْرَانِ الْبَاطِنَانِ فَنَهْرَانِ فِي الجَنَّةِ، وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ: فَالنِّيلُ وَالْفُرَاتُ".

لقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه المرحلة من رحلة الإسراء والمعراج أربعة أنهار، وسأل جبريل عليه السلام عنها، فأجاب: إن نهرين من هذه الأنهار الأربعة باطنان؛ وهما من أنهار الجنَّة، والآخرين ظاهران؛ وهما النيل والفرات!.

هذه الأنهار الأربعة كلها عظيمة؛ بل لعلها من أعظم أنهار الجنَّة، وإلا لما كانت مشاهدتها جزءًا من برنامج زيارة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 والواقع أن الأحاديث التي ذكرت أن النيل والفرات من أنهار الجنَّة أحاديث صحيحة ؛ ومجموعها يُؤَكِّد على أن منبع النيل والفرات من الجنَّة، فرواية مسلم صريحة في كون النيل والفرات من أنهار الجنَّة، حيث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ، وَالْفُرَاتُ وَالنِّيلُ كُلٌّ مِنْ أَنْهَارِ الجَنَّةِ".

ولا أتوقَّع أن هناك مجرَّد تشابه في الأسماء بين أنهار الجنَّة وأنهار مصر والعراق، وإلا للفت إليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم النظرَ؛ بل إنه أكَّد على الأمر بشكل أوضح عندما قال: "فُجِّرَتْ أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ مِنَ الجَنَّةِ: الْفُرَاتُ، وَالنِّيلُ، وَسَيْحَانُ، وَجَيْحَانُ". فهذه رواية صريحة جدًّا في أن المقصود هو خروج المنبع لنهري مصر والعراق من الجنَّة؛ لأنه لو كان يُقصد أن هذا التفجير خاص بأنهارٍ في الجنَّة دون الدنيا لما صارت هناك أهمية لذكر أن منابعها تخرج من الجنَّة؛ لأنها لو كانت من أنهار الجنَّة فقط لكان بدهيًّا أن تكون منابعها من هناك، ولا يحتاج حينها أن يذكر ذلك.

وللنهرين في الجنَّة مسار معروف، ثم يخرجان منها إلى السماء السابعة، فيجريان فيها كذلك، ثم يخترقان السموات كلها بصورة لا يعلمها إلا الله تعالى فيصلان إلى السماء الدنيا، فيجريان فيها كما جريا في السماء السابعة، ويُؤَكِّد على وجودهما بشكل حقيقي في السماء الدنيا ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ذكر قول جبريل عليه السلام وهو يصف النهرين؛ حيث قال: "هَذَا النِّيلُ وَالْفُرَاتُ عُنْصُرُهُمَا" .

وعنصرهما أي أصلهما؛ فالنهران ليسا صورة تخيلية إنما حقيقة واقعية أصلية، ثم بعد ذلك يُرسل الله عز وجل ماءهما إلى جبال أثيوبيا ووسط إفريقيا (في حالة النيل)، وإلى جبال تركيا (في حالة الفرات)، فتنزل مطرًا هناك؛ فيتكون النهران، ويأخذان مسارهما المعروف في الأرض.

نهر الكوثر

روى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ فِي الجَنَّةِ، إِذَا أَنَا بِنَهَرٍ، حَافَتَاهُ قِبَابُ الدُّرِّ المُجَوَّفِ، قُلْتُ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا الكَوْثَرُ، الَّذِي أَعْطَاكَ رَبُّكَ. فَإِذَا طِينُهُ -أَوْ طِيبُهُ- مِسْكٌ أَذْفَرُ" .

وروى الترمذي -بسند صحيح- عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الكَوْثَرُ نَهْرٌ فِي الجَنَّةِ، حَافَّتَاهُ مِنْ ذَهَبٍ، وَمَجْرَاهُ عَلَى الدُّرِّ وَاليَاقُوتِ، تُرْبَتُهُ أَطْيَبُ مِنَ المِسْكِ، وَمَاؤُهُ أَحْلَى مِنَ العَسَلِ، وَأَبْيَضُ مِنَ الثَّلْجِ" [2].

وفي مسند أحمد بإسناد صحيح عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أُعْطِيتُ الْكَوْثَرَ، فَإِذَا هُوَ نَهَرٌ يَجْرِي كَذَا عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ، حَافَّتَاهُ قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ، لَيْسَ مَشقُوقًا، فَضَرَبْتُ بِيَدِي إِلَى تُرْبَتِهِ، فَإِذَا مِسْكَةٌ ذَفِرَةٌ، وَإِذَا حَصَاهُ اللُّؤْلُؤُ" .

وقال تعالى: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ} [الكوثر: 1-3]، وقد جاء التصريح بأن نهر الكوثر في الجنَّة هو المقصود في السورة في كلام عائشة رضي الله عنها؛ فقد روى البخاري عن أبي عُبَيْدَةَ، عن عائشة رضي الله عنها، قال: سَأَلْتُهَا عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ}، قَالَتْ: "نَهَرٌ أُعْطِيَهُ نَبِيُّكُمْ صلى الله عليه وسلم، شَاطِئَاهُ عَلَيْهِ دُرٌّ مُجَوَّفٌ، آنِيَتُهُ كَعَدَدِ النُّجُومِ" .

إنه نهر يجري على سطح أرض الجنة، دون أن يكون له مجرى عميق! فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ". وقال: "لَيْسَ مَشقُوقًا". وفي رواية: "فَإِذَا هُوَ نَهَرٌ يَجْرِي، وَلَمْ يُشَقَّ شَقًّا".

وهذا العمق الطفيف قد يكون هدفه هو إظهار أرض النهر؛ حيث إن طين أرضه المسك، وعليه اللؤلؤ والياقوت، فهذا العمق البسيط يُعطي الفرصة للاستمتاع برؤية جواهره الكريمة المنثورة في قاعه!.

وحافَّتا هذا النهر من الذهب، وعلى هاتين الحافتين تنتشر الأبنية الجميلة، وهي على شكل قباب عجيبة، كل قبة منها عبارة عن لؤلؤة ضخمة مُجَوَّفة، وعلى الحافتين كذلك آنية كثيرة كثيرة، عددها كعدد نجوم السماء!.

أما الطعم واللون والرائحة فليس كمياه الدنيا! الطعم أحلى من العسل، واللون أبيض من الثلج، والرائحة رائحة المسك الأذفر!.

حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم

وردت روايات كثيرة جدًّا تصف حوض رسول الله حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس الهدف في هذه السطور تقصِّي صفته بالكامل؛ إنما سنورد بعض الروايات فقط لفهم العلاقة بينه وبين نهر الكوثر.

روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إِنَّ حَوْضِي أَبْعَدُ مِنْ أَيْلَةَ مِنْ عَدَنٍ لَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ الثَّلْجِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ بِاللَّبَنِ، وَلآنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ النُّجُومِ وَإِنِّي لأَصُدُّ النَّاسَ عَنْهُ، كَمَا يَصُدُّ الرَّجُلُ إِبِلَ النَّاسِ عَنْ حَوْضِهِ"، قالوا: يا رسول الله أتعرُفنا يومئذٍ؟ قال: "نَعَمْ لَكُمْ سِيمَا لَيْسَتْ لأَحَدٍ مِنَ الأُمَمِ تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا، مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ" .

وروى الترمذي -بإسناد صحيح- عن ثَوبان رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال: "حَوْضِي مِنْ عَدَنَ إِلَى عَمَّانَ البَلْقَاءِ، مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنَ العَسَلِ، وَأَكْوَابُهُ عَدَدُ نُجُومِ السَّمَاءِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ شَرْبَةً لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَدًا، أَوَّلُ النَّاسِ وُرُودًا عَلَيْهِ فُقَرَاءُ المُهَاجِرِينَ، الشُّعْثُ رُءُوسًا، الدُّنْسُ  ثِيَابًا، الَّذِينَ لاَ يَنْكِحُونَ المُتَنَعِّمَاتِ ، وَلاَ تُفْتَحُ لَهُمُ أَبْوَابُ السُّدَدِ .

وروى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ، وَزَوَايَاهُ سَوَاءٌ، وَمَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ الْوَرِقِ، وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ، وَكِيزَانُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ، فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلاَ يَظْمَأُ بَعْدَهُ أَبَدًا".


إذن تكون الصورة الكاملة للكوثر إنه نهر عظيم يتفجَّر من الفردوس -كعامة أنهار الجنة- ثم يجري في الجنة، ثم يخرج منها إلى السماء الدنيا، فيجري فيها أيضًا، ثم إذا جاء يوم القيامة نزل النهر من السماء الدنيا إلى الأرض ليمدَّ حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم بالماء!.

اضافة تعليق