تعرف على فضله وأسمائه وأبوابه ومكانته في الإسلام

المسجد الأقصى المبارك.. ما من شبر به إلاّ وصلى فيه نبيّ أو ملك

الثلاثاء، 02 أبريل 2019 08:00 م
المسجد الأقصى المبارك
الأقصى المبارك أولى القبلتين وثالث الحرمين

للمسجد الأقصى المبارك مكانة كبرى في الإسلام بعد الحرمين الشريفين: المسجد الحرام والمسجد النبوي؛ فهو ثالث الحرمين الشريفين، وقبلة المسلمين الأولى، وهو منتهى إسراء سيدنا ونبينا محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهو بداية المعراج إلى الملأ الأعلى، وهو فوق ذلك كلِّه  فهو المسجد الذي شرفه الله وبارك حوله، كما قال تعالى في مستهلّ سورة الإسراء: «سُبْحٰنَ الَّذِيْ أَسْرٰى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْـمَسْجِدِ الحَرَامِ إِلى الْـمَسْجِدِ الأقصى الذي بَارَكْنَا حَوْلَهُ» (الإسراء:1).
والبركة التي ذكرتها الآية الكريمة هي – كما يصرح المفسرون – بركة دينية تتمثل في النبوة والشرائع والرسل الذين ضَمَّهم هذا المكان المبارك، فكان المسجد مُتَعَبَّدًا للأنبياء وقبلةً لهم، كما هي بركة دنيوية تتمثل في كثرة الزروع والثمار والأنهار.
وقد حشد الله سبحانه لخاتم أنبيائه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء في المسجد الأقصى جميعَ الأنبياء والرسل، فاجتمع بهم وتحدث إليهم وأَمّهم في الصلاة، وبذلك آلت إليه الخلافة للرسالات جميعاً.
 وقد اتفق العلماء – كما يقول الفخر الرازي رحمه الله – على أن المراد بالمسجد الأقصى بيتُ المَقْدِس، وقد ذكر «الزركشي» - صاحب إعلام الساجد بأحكام المساجد – سبعة عشر اسماً للمسجد الأقصى، منها بيتُ المَقْدِس وبيتُ القُدْس والبيتُ المُقَدَّس ومسجد إيلياءَ.
 وعلى الرغم من أن كتاب الأمان الذي أعطاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه أهلَ هذا البلد عام 17هـ يذكر المدينةَ باسم «إيلياء» حيث كانت تعرف لديهم بهذا الاسم، وقد يكون في ذكر هذا الاسم في وثيقة الأمان تطييبٌ لخاطر أهل البلد وخاصة أنه كان اسماً غير مُسْتَنْكَرٍ؛ لأن معناه «بيت الله».
 وعلى الرغم من ذلك فقد كان المسلمون في حياة النبي صلى الله عليه وسلم يعرفون تسميتَها أيضاً بيت المقدس، فقد روى البخاري ومسلم والإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لما كَذَّبتني قريشٌ حين أُسْرِيَ بي إلى بيت المقدس طفقتُ أخبرهم عن آيات وأنا أنظر إليه». ويشتمل صحيح البخاري على أحد الأبواب بعنوان «باب مسجد بيت المقدس». ومن ذلك يتضح أن تسمية بيت المقدس قديمة قِدَمَ الإسلامِ ذاته.
والمقصود بالمسجد الأقصى في القرآن الكريم هو جميع ما أحاطه السُّورُ وفيه الأبواب، ويشمل المسجد المعروف الآن المسجدَ الأقصى ومكانَ الصخرة المشرفة والساحاتِ المحيطة بهما، وقد قُدِّرَتْ مساحة المسجد الأقصى بنحو 260650 مترًا مربعاً يحيط بها سور يبلغ طوله في الجانب الشرقي 424 مترًا، وفي الجانب الغربي 490 مترًا، وفي الجانب الشمالي 321 مترًا، وفي الجانب الجنوبي القبلي 283 مترًا.

أسماء المسجد الأقصى

المسجد الأقصى: وكلمة "الأقصى" تعني الأبعد، وسُمِّيَ الأقصَى لبعد ما بينه وبين المسجد الحرام، وكان أبعد مسجد عن أهل مكة في الأرض يعظَّم بالزيارة، والذي سمّاه بهذا الاسم وفقًا للعقيدة الإسلامية الله في القرآن، وذلك في الآية: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، سورة الإسراء، الآية 1.
البيت المُقَدَّس: وكلمة "المقدّس" تعني المبارك والمطهّر، وقد ذكر علماءُ المسلمين وشعراؤهم هذا الاسم كثيرًا، كما قال الإمام ابن حجر العسقلاني.
إلى البيت المقدّس قد أتينا  حِنان الخُلد نُزُلاً من كريم
بيت المَقْدِس: وهو الاسم الذي كان متعارفًا عليه قبل أن يُطلق عليه اسم "المسجد الأقصى" في القرآن الكريم، وهذا الاسم هو المستَخدَم في معظم أحاديث النبي محمد، مثل ما قاله يوم الإسراء والمعراج: «ثم دخلت أنا وجبريل عليه السلام بيت المقدس فصلى كل واحد منا ركعتين».[6]

أول بنائه


لا يُعرف بشكل دقيق متى بُني المسجد الأقصى لأول مرة، ولكن ورد في أحاديث النبي محمد بأن بناءه كان بعد بناء الكعبة بأربعين عامًا، فعن أبي ذر أنه قال: «قلت: يا رسول الله! أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال: المسجد الحرام. قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى. قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون سنة».
 وقد اختلف المؤرخون في مسألة الباني الأول للمسجد الأقصى على عدة أقوال: أنهم الملائكة، أو النبي آدم أبو البشر، أو ابنه شيث، أو سام بن نوح، أو النبي إبراهيم، ويرجع الاختلاف في ذلك إلى الاختلاف في الباني الأول للكعبة، وقد رجّح الباحث عبد الله معروف بأن آدم عليه السلام هو من بنى المسجد الأقصى البناء الأول، لرواية عن ابن عباس، ولترجيح أن يكون آدم عليه السلام هو الباني للكعبة أيضاً، كما رجّحه الإمام ابن حجر العسقلاني في كتابه فتح الباري، ويُرجّح عبد الله معروف أن يكون البناء الأول للمسجد الأقصى قد اقتصر على وضع حدوده وتحديد مساحته التي تتراوح ما بين 142 و144 دونماً.


فضل المسجد الأقصى
وردت في فضل المسجد الأقصى آيات وأحاديث، نذكر بعضاً منها فيما يلي:
 قال تعالى: «سُبْحَانَ الَّذِيْ أَسْرٰى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْـمَسْجِدِ الْـحَرَامِ إِلَى الْـمَسْجِدِ الأقْصىٰ الَّذِيْ بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيْعُ الْبَصِيرُ» (الإسراء:1)
قيل: لو لم تكن له فضيلة إلا هذه الآية لكانت كافية، وبجميع البركات وافية لأنه إذا بورك حوله، فالبركةُ فيه مضاعفة.
وقال تعالى: «يَا قَوْمِ ادْخُلُو الأرضَ الْـمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوْا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوْا خَاسِرِيْنَ» (المائدة:21).
 وقال تعالى: «وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوْطاً إلَى الأَرْضِ الَّتِيْ بَارَكْنَا فِيْهَا لِلْعَالَمِيْنَ» (الأنبياء: 71).
 وقال تعالى: وَ اَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِيْنَ كَانُوْا يُسْتَضْعَفُوْنَ مَشَارِقَ الأرضِ وَمَغَارِبَها الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا» (الأعراف: 137).
  وفي قصة سليمان عليه السلام يقول سبحانه وتعالى:
 «ولِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِيْ بِأَمْرِهِ إِلَى الأرْضِ الَّتِيْ بَارَكْنَا فِيْهَا» (الأنبياء:81)
وعند حديث القرآن عن هناءة ورغد عيش أهل سبأ يقول سبحانه: «وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِيْ بَارَكْنَا فِيْهَا قُرىً ظَاهِرَةً» (سبأ:18)؛ وهي قرى بيت المقدس كما رُوِيَ عن ابن عباس رضي الله عنهما.
أما الأحاديث، فقد روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم­ قال: «لا تُشَدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى».
 وقد روى ابن ماجة عن أنس – رضي الله عنه – مرفوعاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة الرجل في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة، وصلاته في مسجدي بخمسين ألف صلاة، وصلاته في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة».
وهناك روايات أخرى في مقدار فضل الصلاة في المسجد الأقصى. والحق أن الخلاف الواقع بين هذه الروايات لا يؤثر على جوهر الموضوع. فالمهمّ هو زيادة الثواب للمصلى الذي يصلى في هذه المساجد الثلاثة.
بسط الملائكة أجنحتها على الشام: فقد أخرج الترمذيُ وأحمدُ وصحَّحَه الطبراني والحاكم و وافقه الذهبي من حديث زيد بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يا طوبى للشام! يا طوبى للشام! يا طوبى للشام!) قالو: يا رسول الله ولم ذلك؟ قال: تلك ملائكةُ الله باسطو أجنحتِها على الشام). قال العزّ بنُ عبد السلام رحمه الله: (أشار رسول الله إلى أن الله سبحانه وتعالى وَكَّلَ بها الملائكة، يحرسونها، ويحفظونها).
 وقد ورد في الحديث أن سليمان عليه السلام دعا بالمغفرة لمن صلّى في بيت المقدس؛ فعن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لما فرغ سليمانُ بن داود من بناء بيت المقدس، سأل الله ثلاثاً: حكماً يصادف حكمه، وملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وألاّ يأتي هذا المسجدَ أحدٌ لا يريد إلاّ الصلاةَ فيه، إلاّ خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما اثنتان فقد أُعْطِيَهُمَا، وأرجو أن يكون قد أُعْطِيَ الثالثةَ. وأخرجه النسائي وابن ماجة. والرجاءُ المذكور في الحديث مُتَحَقِّقٌ لنبينا بإذن الله. كما استجاب الله لدعوات سليمان عليه السلام.
 ولأجل هذا الحديث كان ابن عمر رضي الله عنهما يأتي من الحجاز، فيدخل المسجد الأقصى فيصلي فيه، ثم يخرج ولا يشرب فيه ماءً مبالغةً منه لتمحيص نية الصلاة دون غيرها، لتصيبه دعوةُ سليمان عليه السلام.
     تحويل القبلة
 وقد كان المسلمون ببداية بعثة النبي صلى الله عليه وسلم في مكة يتجهون في صلاتهم نحو المسجد الأقصى، فقد أخرج الإمام أحمد والطبراني في المعجم الكبير عن ابن عباس رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلّي وهو بمكة نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه وبعد ما هاجر إلى المدينة كان يصلي نحو بيت المقدس ستة عشر شهرًا ثم صُرِفَ إلى الكعبة.
 وكان اليهود بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وصلاته نحو بيت المقدس قد فرحوا بهذا ظناً منهم أنه بذلك يتبع ملتهم؛ ولكنهم بعد التحويل بدأوا في السخرية من المسلمين.
والقرآن الكريم يقول في هذا الصدد: «سَيَقُوْلُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِيْ كَانُوْا عَلَيْهَا قُلْ لله الْـمَشْرِقُ والْـمَغْرِبُ يَهْدِيْ مَنْ يَشَاءُ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم» (البقرة/142)
ولم يكن تحويل القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة تحوّلاً عن تقديس بيت المقدس ولا نكوصاً أو هجراناً. فقد ظلّ المسجد الأقصى أحدَ المزارات الثلاثة المقدسة في الإسلام بتصريح النبي صلى الله عليه وسلم لا تشدّ الرحال إلاّ إليها. وإنما كان إيحاءً إلٰهيًّا باكتمال ربط قلوب المسلمين بأماكن الله المقدسة: بيت المقدس وإقليمه والكعبة وإقليمها.

اهتمام الأمة الإسلامية بالمسجد الأقصى

     قد فتح المدينة المقدسة رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الفتح العملي لها وذلك برحلته المباركة إليها ليلة الإسراء، وكان هذا يعد إيذاناً للمسلمين بعدم التخلى عنها وبالاهتمام بها. وقد شهدت المدينة المقدسة منذ تم فتحها في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه، شهدت عهدًا جديدًا من الاستقرار والسلام لم تشهد له مثيلاً في تاريخها الطويل.
     روى الحافظ بن كثير في البداية والنهاية أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين دخل بيت المقدس صلّى فيه تحية المسجد بمحراب داود وصلّى بالمسلمين فيه صلاة الغداة من الغد فقرأ في الأولى بسورة «ص» وسجد فيها والمسلمون معه وفي الثانية بسورة الإسراء، وبعد ذلك جاء إلى الصخرة المشرفة فاستدل على مكانها من كعب الأحبار ثم نقل التراب وأزال القاذورات عن الصخرة، وجعل يكنسها بيده ويحملها في ردائه وجعل المسلمون يحذون حذوه ويكنسون معه.
وقد تتبع المسلمون مساجد الأنبياء مسجدًا مسجدًا ابتداء من إبراهيم الخليل عليه السلام إلى آخر من دُفِنَ منهم في فلسطين وبيت المقدس فأعادوا بناءها وحافظوا على قدسيتها وطهروها من كل الأدناس.
 وقد كانت عناية المسلمين بالمدينة المقدسة صادرة عن أسباب كثيرة:
 (1) : لأن الله – عز وجل – قد اختصها بالعديد من الأنبياء ابتداء من إبراهيم إلى عيسى بن مريم صلوات الله عليهم أجمعين. وقد روى عن ابن عباس رضي الله عنه قال: «البيت المقدس بنته الأنبياء وسكنته الأنبياء، ما فيه موضع شبر إلاّ وقد صلى فيه نبيّ أو قام فيه ملك».
 (2) : لأن الله – عز و جل– قد خصها بإسراء المصطفى صلى الله عليه وسلم فكانت نهاية رحلة الإسراء وبداية رحلة المعراج.
 (3) : لأن فيها أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.

أبواب المسجد الأقصى
للمسجد الأقصى المبارك 15 باباً، منها عشرة أبواب مفتوحة وخمسة مغلقة، أما المفتوحة فهي: باب الأسباط، وباب حطة، وباب العتم، وتقع هذه الأبواب الثلاثة على السور الشمالي للمسجد الأقصى، وباب المغاربة، وباب الغوانمة، وباب الناظر، وباب الحديد، وباب المطهرة، وباب القطانين، وباب السلسلة، وهذه الأبواب السبعة تقع على السور الغربي للمسجد، وكلها مفتوحة وتستعمل من المصلين المسلمين، باستثناء باب المغاربة الذي صادرت قوات الاحتلال مفاتيحه عام 1967م، ومنعت المسلمين الدخول منه إلى الأقصى.

وأما الأبواب المغلقة فهي: الباب الثلاثي، والباب المزدوج، والباب المفرد، وباب الرحمة، وباب الجنائز، وتقع هذه البوابات في السور الجنوبي والشرقي للأقصى، إلا أن الباب المفرد لا توجد له في الوقت الحاضر آثار واضحة في سور المسجد الأقصى المبارك.

اضافة تعليق