سدرة المنتهى.. ماذا وجد النبي؟ وما هي تفاصيل أعظم لقاء؟

الثلاثاء، 02 أبريل 2019 03:05 م
سدرة المنتهى


وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى "سدرة المنتهى"، وهي شجرة عظيمة في السماء السابعة، وهي حَدٌّ فاصل لا يتجاوزه أحد؛ فهي المنتهى لكل رحلة، إلا رحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي المنطقة التي ينتهي علم الملائكة عندها،  وَلَمْ يُجَاوِزْهَا أَحَدٌ إِلاَّ نبي الإسلام.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثُمَّ رُفِعَتْ إِلَيَّ سِدْرَةُ المُنْتَهَى، فَإِذَا نَبْقُهَا مِثْلُ قِلاَلِ هَجَرَ، وَإِذَا وَرَقُهَا مِثْلُ آذَانِ الفِيَلَةِ، قَالَ: هَذِهِ سِدْرَةُ المُنْتَهَى"  وقال في رواية أخرى: "فَلَمَّا غَشِيَهَا مِنْ أَمْرِ اللهِ مَا غَشِيَ تَغَيَّرَتْ، فَمَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْعَتَهَا مِنْ حُسْنِهَا".

وحرص النبي صلى الله عليه وسلم على نقل ما استطاع أن ينقله من شكلها لنا، مستعينًا في ذلك بالتشبيه بأمور نعرفها، فذكر أن نبقها مثل قلال هجر، وهجر بلدة يعرفها الصحابة كانت تنتج نوعًا مشهورًا من القلال، وقال صلى الله عليه وسلم : "فَإِذَا نَبْقُهَا..". فهو قد أدرك من الشكل أن هذا نبق، كما أن الله تعالى يصف فاكهة الآخرة بقوله: {كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} [البقرة: 25].

وهذا يعني أن شكل ثمرة الآخرة مشابه لشكل ثمرة الدنيا؛ إلا أنه يختلف في الطعم والحجم، وغير ذلك من أشياء لا يعلمها إلا الله، ومن هنا كان وجه المشابهة الرئيس بين نبق شجرة السدر وقلال هجر هو الشكل الخارجي، بالإضافة إلى الحجم الكبير.

وكما وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم الثمر وصف أوراق الشجرة، فذكر أنها مثل آذان الفيلة، وهناك بعض الروايات التي تُفَصِّل في حجم هذه الأوراق، وزاد الأمر جمالاً وعجبًا عندما غَشِي الشجرةَ فَرَاشٌ من ذهب، كما جاء في وصف عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، ولا عجب أن يخلق الله تعالى كائنًا ذا حياةٍ من الذهب، أو من غيره، فهذه آية من الآيات الكبرى، ولا تُقاس بمقاييس الفهم البشري المحدود.


وفي الجملة لن يتمكَّن أحدٌ أبدًا من تخيُّل شكل الشجرة، ولن نعرف طبيعتها إلا عندما نراها -بإذنه تعالى- في الدار الآخرة.

اللقاء الأعظم

لا تستطيع الكلمات بحال أن تصف هذا المشهد! فالقلوب تدقُّ بشدَّة عندما تتهيَّأ للقاء ملك من ملوك الدنيا، فكيف بلقاء ربِّ العزَّة مالك الملك ذي الجلال والإكرام؟! كيف كان حاله صلى الله عليه وسلم؟! وفي أي شيء كان يُفَكِّر عندما أخبره جبريل عليه السلام أنه حان الوقت لمقابلة ربِّ العالمين؟ فلنقرأ تصويره صلى الله عليه وسلم للحدث، ثم نذكر بعض التعليقات.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذكره لأمر سدرة المنتهى: "فَأَوْحَى اللهُ إِلَيَّ مَا أَوْحَى"، ثم ذكر فرض الصلاة..

إنها اللحظة الوحيدة في الرحلة التي عاشاها رسول الله صلى الله عليه وسلم دون صحبة جبريل عليه السلام؛ فالمستوى الذي رُفِع إليه الرسول صلى الله عليه وسلم لا يُسمَح لأحد من البشر أو الملائكة أن يقترب منه!.

لا معنى هنا لحدود الزمان والمكان التي نعرفها؛ فالأمر أكبر من ذلك بكثير.. فأين السماوات السبع كلها من كرسي الرحمن أو عرشه؟! قال الله تعالى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} [البقرة: 255].

ويروي أبو ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ فِي الْكُرْسِيِّ إِلاَّ كَحَلْقَةٍ فِي أَرْضٍ فَلاَةٍ، وَفَضْلُ الْعَرْشِ عَلَى الْكُرْسِيِّ كَفَضْلِ تِلْكَ الْفَلاَةِ عَلَى تِلْكَ الْحَلْقَةِ" .

هل رأى الرسول ربه؟

مسألة خلافية بين العلماء، والجمهور على أنه لم يره، ويُؤَيِّد ذلك ما رواه البخاري عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: قُلْتُ لـعائشة رضي الله عنها: يَا أُمَّتَاهْ؛ هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم رَبَّهُ؟ فَقَالَتْ: لَقَدْ قَفَّ شَعَرِي مِمَّا قُلْتَ، أَيْنَ أَنْتَ مِنْ ثَلاَثٍ؛ مَنْ حَدَّثَكَهُنَّ فَقَدْ كَذَبَ: مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ كَذَبَ. ثُمَّ قَرَأَتْ: {لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ}[الأنعام: 103]، {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} [الشورى: 51]. وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ فَقَدْ كَذَبَ. ثُمَّ قَرَأَتْ: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا} [لقمان: 34]. وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ كَتَمَ فَقَدْ كَذَبَ. ثُمَّ قَرَأَتْ: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ}[المائدة: 67] الآيَةَ؛ وَلَكِنَّهُ "رَأَى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فِي صُورَتِهِ مَرَّتَيْنِ".



وفي رواية لمسلم عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: قُلْتَ لأَبِي ذرٍّ: لَوْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَسَأَلْتُهُ. فَقَالَ: عَنْ أيِّ شيْءٍ كُنْتَ تَسْأَلُهُ؟ قَالَ: كُنْتُ أَسْأَلُهُ: هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ أَبُو ذَرٍّ: قَدْ سَأَلْتُ، فَقَالَ: "رَأَيْتُ نُورًا" [14].



إذن رأى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم نورًا حجب رؤية الله عز وجل؛ ولكنه استمع إلى كلام الله سبحانه! ماذا قال له الله تعالى في هذا الموقف الجلل؟! إنه فرض عليه وعلى أُمَّته الصلاة!.

فرض الصلاة

رفع الله قدر هذه الشعيرة حتى شاء سبحانه أن يُبَلِّغها إلى رسوله صلى الله عليه وسلم بشكل مباشر دون واسطة، ولم يكن إبلاغها على الأرض كبقية التشريعات؛ ولكن كان من فوق سبع سماوات، ثم كانت هي الشعيرة الوحيدة في الدين التي طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم -كما سنرى- تخفيفَها، ليُحسِن المسلمون أداءها. وكان فرض الصلاة في أول الأمر على المسلمين خمسين صلاة في اليوم لولا موسى عليه السلام! فجزاه الله عنا خير الجزاء!

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم -كما جاء في رواية البخاري عن مالك بن صعصعة رضي الله عنه-: "ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَيَّ الصَّلَوَاتُ خَمْسِينَ صَلاَةً كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعْتُ فَمَرَرْتُ عَلَى مُوسَى، فَقَالَ: بِمَ أُمِرْتَ؟ قَالَ: أُمِرْتُ بِخَمْسِينَ صَلاَةً كُلَّ يَوْمٍ. قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تَسْتَطِيعُ خَمْسِينَ صَلاَةً كُلَّ يَوْمٍ، وَإِنِّي وَاللَّهِ قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ، وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ المُعَالَجَةِ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لأُمَّتِكَ. فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَأُمِرْتُ بِعَشْرِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعْتُ فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَأُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: بِمَ أُمِرْتَ؟ قُلْتُ: أُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ. قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تَسْتَطِيعُ خَمْسَ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، وَإِنِّي قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ المُعَالَجَةِ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لأُمَّتِكَ. قَالَ: سَأَلْتُ رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ، وَلَكِنِّي أَرْضَى وَأُسَلِّمُ. قَالَ: فَلَمَّا جَاوَزْتُ نَادَى مُنَادٍ: أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي، وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي" .

وفي رواية أن الله تعالى قال بعد أن وصل العدد إلى خمس: "هِيَ خَمْسٌ، وَهِيَ خَمْسُونَ، لاَ يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ". قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ. فَقُلْتُ: اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي" .

وفي رواية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فَلَمْ أَزَلْ أَرْجِعُ بَيْنَ رَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَبَيْنَ مُوسَى عليه السلام حَتَّى قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لِكُلِّ صَلاَةٍ عَشْرٌ؛ فَذَلِكَ خَمْسُونَ صَلاَةً، وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ شَيْئًا، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ سَيِّئَةً وَاحِدَةً". قَالَ: "فَنَزَلْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى مُوسَى صلى الله عليه وسلم، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ". فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "فَقُلْتُ: قَدْ رَجَعْتُ إِلَى رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ" .



لماذا فُرِضت الصلاة في البداية خمسين ثم خُفِّفت إلى خمس ؟

أراد الله تعالى أن يُظهر رحمته بالعباد؛ ففرض عليهم في البداية خمسين صلاة؛ وهو إذ يفرض عليهم هذا العدد يعلم أنهم يستطيعونه، فهو الذي قال في كتابه: {لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، فالمسلم يستطيع أن يصلي خمسين صلاة في اليوم، وهذا سيأخذ منه عشرة أضعاف الوقت الذي تأخذه صلوات خمس، وليس في هذا بأس؛ فالصلاة عبادة خالصة، والله يقول في وصف الهدف من خلق الإنسان: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، فلو كان يومنا كله في الصلاة ما خرجنا عن هدف الخلق؛ بل على العكس صرنا أكثر تحقيقًا له، ومع ذلك فإن الله تعالى -برحمته- خفَّف عنا تسعين بالمائة من العبادة المفروضة علينا دون أن ينتقص من أجرنا شيئًا، ولا يفعل ذلك إلا رحمان رحيم سبحانه! كما أن معرفتنا بهذه الملابسات ستجعل انضباطنا في أداء الصلوات أعظم.

اضافة تعليق