موسى "النبي".. وعثمان بن طلحة "المشرك".. هكذا كوفئا على شهامتهما

الثلاثاء، 02 أبريل 2019 10:53 ص
الشهامة


خلق الشهامة خلق إنساني كريم يرتبط بالفطرة السوية، وهو من القواسم المشتركة التي تجتمع فيها الإنسانية بغض النظر عن اختلاف العقائد والأديان، ويظهر أكثر ما يكون عند التعامل مع الأفراد في وسائل المواصلات، في الشارع، حتى وإن أصبحنا نشكو من غيابه في الكثير من المواقف، إلا أنه لم ينعدم تمامًا من حياتنا، وسيظل ما بقيت الدنيا هناك أناس الشهامة عنوانهم والمروءة صفتهم.


وقد تحدث الله تعالى في القرآن عن خلق الشهامة تحفيزًا على التحلي به، وضرورة التمسك به، كسلوك أخلاقي كريم، فقال متحدثًا عن شهامة سيدنا موسى مع ابنتي شعيب في سورة "القصص": "وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ".

وكان سيدنا موسى قد ترك قومه في مصر مهاجرًا إلى "مدين" في بلاد الشام، وكان بينهما مسيرة ثمانية أيام، ولم يكن معه زادًا يأكل منه، ولم يكن معه راحلة تحمله، ولم يكن له من دليل يرشده، فبعث الله إليه ملكاً فأرشده إلى الطريق، حتى وصل إلى مقصده في النهاية.

وهناك وجد فتاتين تنتظران حتى ينتهي الرجال من ملء المياه من البئر، كى تسقيا أغنامهما، فحملته شهامته على مساعدتهما - على الرغم من أنه كان قادمًا من رحلة سفر طويلة، وكان منهكًا من عناء السفر، وقلة الطعام- بعد أن قالتا له إن والدهما شيخ كبير.

تحرك بدافع الشهامة، لم يسأل الفتاتين عن دينهما، فقط وصفتا له بشكل مقتضب، أن أباهما "شيخ كبير"، وهو ما يعني أنه بلغ من العمر ما لا يجعله يقوى على القيام بأعباء الحياة وتكبد مشاقها، كما أنه لم يسترسل معهما طويلاً في الكلام، كما يفعل البعض الآن عندما يريد أن يتحدث إلى فتاة لا يعرفها.

"قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِير"، قال أبو حيان: "فيه اعتذار لموسى عن مباشرتهما السقي بأنفسهما، وتنبيه على أن أباهما لا يقدر على السقي لشيخوخته وكبره، واستعطاف لموسى على إعانتهما"، وقد فضلتا الانتظار والصبر ومدافعة الأغنام المندفعة صوب الماء، على مزاحمة الرجال، والاختلاط بهم، وهذا من مكارم الأخلاق، فالاختلاط الذي يؤدي إلى التزاحم والتدافع، لا شك هو منهي عنه، لأنه مما يؤدي إلى وقوع مفاسد وفتن، وإن كان الاختلاط على إطلاقه ليس محرمًا، لكن تحكمه ضوابط وقواعد ينبغي المحافظة عليها.

"فَسَقَى لَهُمَا"، كانت تلك هي الإجابة العملية من سيدنا موسى عليه السلام، بعد مشاهدته لحال الفتاتين وسماعه منهما سبب مجيئهما، لم يتأخر في إجابتهما، ولم يتباطئء عن التحرك من أجل مساعدتهما، تصرف بخلق الرجل ذي المروءة والشهامة، وهو حال كل مسلم مع الناس؛ في العمل على مساعدة المحتاج، وقضاء حوائج المحتاجين، والمواساة بالمال والنفس، وتقديم كل ما يستطيع.

"ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِير"، لم يطلب منهما أجرة مقابل مساعدته لهما، لم يطلب منهما أن يساعداه وهو القادم من سفر طويل، أتعبه طول الطريق وقلة الزاد، ارتكن إلى ظل شجرة قريبة من البئر، وانظر إلى هذا الأدب في مخاطبه ربه، حين قال: "رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ" لم يقل: أنا فقير إلى خيرك يا رب، ومحتاج، ولم يقل أطعمني مثلاً، بل عبر عن حاجته بهذه الكلمات الرائعات، وهذا شأن الأنبياء صفوة الخلق، في جميل المناجاة وحسن الدعاء.

جاءته الإجابة سريعًا، فقد ذهبت الفتاتان إلى والدهما لتحكيا له ما كان، ونصحت إحداهما وتدعى كما تقول الروايات "صافورية" والدها باستئجاره، "قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ"، هنا وقع في قلب الابن ميل ابنته إلى سيدنا موسى، وإن لم تعبر عن ذلك صراحة، لكنه الأب الفطن، الذي وعى ذلك بسرعة بديهة.

قال تعالى: "فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ"، جاءت بتكليف من أبيها تمشى على استحياء مشية فيها حياء، لا فيها تبذل لا فيها تبرج، لا فيها إغواء، لا فيها تهييج، وإنما مشية الحياء، فالفتاة القويمة تستحي بفطرتها عند لقاء الرجال والحديث معهم.

فلما قدمت إلى سيدنا موسى أخبرته عن سبب مجيئها، أيضًا بلا استرسال يغريه فيها، "قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا"، لم تزد عن ذلك في الكلام، فقط أوضحت لها سر مجيئها، وهو أن والدها يريد أن يكافئه على ما بدر منهما ناحية ابنيته.

لم يتمنع موسى عن تلبية دعوة الشيخ، وتحرك لمقابلته في أدب وتواضع الأنبياء، ولم يقل لماذا لم يأت إليّ هو بنفسه، وهو من كمال شهامته؟.. فلما سمع منه عن سبب مجيئه إلى "مدين"، يقول القرآن: "فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ"، وذلك من أكثر ما يطمئن النفس الخائفة، أن تسمع كلمة تهدأ من روعها، وتشد من أزرها، فالإنسان دائمًا يحتاج إلى من يخفف عنه مصائبه ويطمئن قلبه.

فطن إلى حاجة موسى إليه كما حاجته إليه هو أيضًا، فلا طعام معه، ولا بيت يأويه، ولا عمل يشتغل به، فقدم إليه العرض مباشرة: "قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ"، لم يخجل أو يقل إن ذلك عيبًا، بل بادر إلى عرض الزواج عليه، وهذا دأب الأب الرجل الحكيم إذا ما وجد منه هو أهلاً لابنته أن يعرض عليه الزواج منه، ولا يشينه هذا أبدًا.

"عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ"، كان هذا هو مهر ابنته أن يرعى موسى عليه السلام أحوال الشيخ الصالح، أن يكون أجيرًا لديه ثماني سنين يرعى فيها أغنامه، "فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ"، أي فإن أكملتها عشر سنين فذلك تفضل منك، وليس بواجب عليك.

قصة رائعة في الشهامة تتضمن القواعد الأخلاقية لكل صاحب خلق الشهامة عنوانه، فمع سلامة القصد والنية، هناك آداب لا ينبغي أن تسقط من حساباتك أيها الشاب الشهم، وأنت تتعامل مع فتاة غريبة عنك، فمساعدتك لها في أمر ما، لا يعني اقتحام حياتها، أو التطفل عليها، أو إسماعها ما تكره أن تسمعه، فأنت تفعل ذلك بغرض تحصيل الأجر من الله، فإن خلصت النية كانت المكافأة أعظم مما تتصور.

وستندهش أكثر عندما تعلم أن أحد المشركين أتى بما أتى به موسى من شهامة، كان أمينًا وشهمًا، فكانت المكافأة أعظم مما يخطر على بال أحد، نظير شهامته ومروءته، إنه عثمان بن طلحة، الذي لم يكن قد أسلم حين قابل السيدة أم سلمة في طريقها مهاجرة إلى المدينة، فرارًا بدينها، وكانت قد تأخرت عن اللحاق بزوجها، بعد أن أخذت منها عائلة زوجها رضيعها من أجل الضغط عليها، حتى تمنعها من الهجرة وتبقى في مكة.

كانت كلّ يوم تخرج إلى منطقة في مكَّة تُدْعَى الأبطح وتجهش بالبكاء لساعات وساعات، حتى تسيل على الأرض دموعُها، ثم تعود مكسورة الخاطر إلى بيت أهلها في مكَة، جهزت ناقتها وخرجت إلى المكان الذي أمضت فيه عامًا ترْتاده وهي تجهش بالبكاء صباح مساء.

عزمت على الرحيل تحت أي ظرف من الظروف، وأثناء ذلك وجدها رجل يدعى: عثمان بن طلحة العبدري، وعليه وعثاء السفر، في منطقة التَنعيم، نظر إليها فعرَفَها، فقال: أيْن تريدين يا أُختاه؟. أجابته: أُريد اللَحاق بزوجي في المدينة، أجاب: والله مالك من مترك.

أخذ بِخطام ناقتها وأناخها، وأناخ راحلته، ركبت المرأة ووليدها، ومضى يهوي بهم في طريق المدينة، كان يسير بها النهار، وفي الليل يبتعد عنها فيربط النُاقة إلى شجرة فيضطجع على الأرض، وعيونه وحواسه في حراسة المرأة ووليدها، وما أن وصل إلى مشارف المدينة حتى تركها، وقال لها: زوجك يسكن في هذا الحي من الأنصار، وعاد من حيث أتى لا ينتظِر مالاً من أحد، ولا منة من زوج ولا من غيره. فكانت السيدة أم سلمة تقول عنه: "ما رأيت رجلاً من العرَب قطّ أكرم منه".

فلما فتح النبي مكة، كان عثمان بن طلحة سادن الكعبة، فطلب منه المفتاح ولم يكن قد أسلم بعد، فجيئ بالمفتاح، وأخذه من عثمان، فدخل النبي البيت وصلى فيه ركعتين، فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح ليجمع له بين السقاية وسدانة الكعبة، فأنزل الله هذه الآية من القران الكريم "إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا".

فلما جلس رسول الله قال: "ادعوا إلي عثمان"، فدعي له عثمان بن طلحة، وقيل إن رسول الله قال لعثمان وهو يدعوه إلى الإسلام ومع عثمان المفتاح فقال: "لعلك سترى هذا المفتاح بيدي أضعه حيث شئت"، فقال عثمان: "لقد هلكت إذًا قريش وذلت". فقال له الرسول: "بل عمرت وعزت يومئذ"، فلما دعاني بعد أخذه المفتاح ذكرت قولة ما كان قال، فأقبلت فاستقبلته ببشر واستقبلني ببشر، ثم قال: "خذوها يا بني أبي طلحة تالدة خالدة لا ينزعها إلا ظالم يا عثمان إن الله استأمنكم على بيته. فكلوا بالمعروف". قال عثمان: "فلما وليت ناداني فرجعت إليه. فقال: "ألم يكن الذي قلت لك؟" فذكرت قوله لي بمكة فقلت: بلى، أشهد أنك رسول الله " فأعطاه المفتاح.. كان هذا بسبب شهامته مع السيدة أم سلمة، فكانت المكافأة استئمانه على بيت الله ما بقي الكون قائمًا.

اضافة تعليق