في حسن التوكل على الله.. أعد ما استطعت تنول فوق ما طلبت

الإثنين، 01 أبريل 2019 10:47 ص
كن كالسيدة هاجر ترزق كالطير


التوكل على الله.. عبادة الصادقين، وسبيل المخلصين، وقد أمر الله تعالى به أنبياءه المرسلين، وأولياءه المؤمنين، قال رب العالمين: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِير}، وقال أيضًا:{ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}، كما أمر به المؤمنين في قوله:{وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}.



فلاشك أن هناك فرقًا كبيرًا بين إنسان قلق يخاف من الغد والمستقبل، وآخر ترك أمره كله لخالقه هو الذي يتولاه ويفرج كربه ويشفي مريضه ويسد دينه لأن له ربا يتولى الأمر كله.

فإذا كان عبدالمطلب قبل الرسالة المحمدية، يقول لأبرهة أنا صاحب الإبل، أما البيت فله رب يحميه، فما بالنا نحن الآن نتبع نبي التوكل على الله دائما، فها هو أبي بكر رضي الله عنه يقول له أثناء وجودهما في الغار يا رسول الله لو أن أحدا منهم نظر تحت قدميه لرآنا، فيرد النبي الكريم، يا أبي بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما.


وقضية التوكل على الله هي التي تجعل الإنسان دائمًا قويًا، لقوله تعالى: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ . فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ}.


يقول أحد العلماء: أرى إن التوكل هو حسن الظن بالله سبحانه وتعالى، فإذا كنت تتوكل على عقلك وعلمك وقبيلتك ومنصبك فمن كان الذي يرزقك وأنت جنين في بطن أمك.. أليس هو الله؟، فأنت تخطط وتنظم وتفعل ما فعلته السيدة هاجر أثناء جريها بين الصفا والمروة ذهابا وعودة، تبحث عن الماء، إلى أن استنفدت الأسباب كلها، فأمر رب العباد سيدنا جبريل عليه السلام بأن يلمس الأرض بجناحه فيخرج الماء، "رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ".


إذن قصية التوكل هي أن نطرق الأسباب ثم نجعل الأمر كله بعد ذلك لله.. كالطالب يذاكر ويستعد ثم يترك الأمر لله.. يخرج من حوله وتقديراته هو لحول الله سبحانه وتعالى وقوته.. اما أن يترك الأمر كله ويقول توكلت على الله فأنه بذلك يكون متواكلاً وليس متوكلاً، كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله، مع بعض من أهل اليمن الذي يرفضون العمل، فقال لهم من أنتم، قالوا، نحن المتوكلون، فقال والله كذبتم بل أنتم المتواكلون.

 والنبي صلى الله عليه وسلم، علمنا معنى التوكل الصحيح بأن نفعل كل ما بوسعنا ثم نترك النتيجة على الله، ففي غزوة بدر نظم الرسول الصفوف وطمس الآبار حول بدر، ثم قال من له مظلمة عندي فليأتي ليأخذها، وبعد كل ذلك وقف يدعو الله سبحانه وتعالى ويسأله النصر، فهو أخذ بالأسباب كلها ثم ترك أمر النتيجة على الله.

وثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا قدموا مكة سألوا الناس، فأنزل اللّه تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى}.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه : «لا تبشّرهم فيتكلوا» دليل على أنه لابد من بذل الأسباب وعدم الاتكال.



ولذلك أمر الله تعالى أيوب عليه السلام أن يضرب الأرض برجله بعد أن دعا لمرضه، وهل ضربة الصحيح للأرض منبعة للماء؟ لا، ولكن الله يريد أن يعلمنا أنه لابد من اتخاذ السبب ولو كان ضعيفاً، فالأمر أمره، والكون كونه، ولكن لابد من فعل الأسباب.

ولما أراد الله أن يطعم مريم وهي في حالة وهن وضعف أمرها أن تهز جذع النخلة؛ لأن السبب يتخذ ولو ضعف. "وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً".

 فعلى كل إنسان أن يبذل السبب ولو كان يسيرًا، وليعلم أنّ الله هو مسبب الأسباب، ولو شاء أن يحول بين السبب وأثره لفعل سبحانه، ولذا لما أُلقي إبراهيم في النار لم يحترق لأن الله قدر ذلك، وإسماعيل عليه السلام لما أمرَّ أبوه السكين على عنقه وهي سبب في إزهاق الروح لم تزهق روحه لأن الله لم يأذن في ذلك، فلا تعتمد إلا على الله، وتتخذ الأسباب، لأن الله يقدر الأمور بأسبابها.

 فتحقيق التوكل لدى العبد لا ينافي السعي والأخذ بالأسباب، التي قدَّر الله عزّ وجل المقدورات بها، وجرت سنة الله في خلقهِ بذلك، فالله سبحانه وتعالى أمر العبد بالأخذ بالأسباب، كما أمرهُ بالتوكلِ عليه سبحانه، فالسعي في الأسباب يكون بالجوارحِ طاعة لهُ، والتوكل على الله يكون بالقلبِ إيماناً بهِ سبحانه، قال الله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ)، وقال سبحانه: (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ)، وقال سبحانه في سورة الجمعة: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ)، .

وللأسف يغفل كثير من الناس عن التوكل على الله سبحانه وتعالى، ويقفون على الأسباب الظاهرة المحيطة بهم، ويُتعبون أنفسهم بالأخذِ بالأسباب، ويجتهدون غايةَ الاجتهادِ، ومع هذا كله لا يأتيهم إلا ما كتبهُ الله وقدَّرهُ لهم، ولو أنَّهم إلى جانب أخذهم بالأسباب حققوا التوكل على الله سبحانه بقلوبهم لساق الله إليهم أرزاقهم، مع أدنى وأصغر سببٍ. كما يَسوق للطيور أرزاقها، بمجردِ الغدو والرواح وهو سعيٌ للرزقِ يسير. لقوله صلى الله عليه وسلم: "لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُوا خِمَاصًا وَتَرُوْحُ بِطَانًا".

اضافة تعليق