د. عمرو خالد يكتب: الخوف من السؤال

الأحد، 31 مارس 2019 03:55 م
اسليدر-د-عمرو

هناك أجيال تربت على ثقافة الخوف من السؤال، سواء في الدين أو الحياة، لم تتجرأ يومًا على السؤال، إما خوفًا وخجلاً، أو خشية من ردود الفعل، حتى لايكونوا موضع سخرية الآخرين.. مثل هؤلاء يضعون الأغلال على عقولهم، يحرمونها من المعرفة، فيبقون أسرى الجهل طول عمرهم.


فالسؤال كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم "نصف العلم"، ومن يتربى على الخوف من السؤال يحدث خلل كبير في بنيته الشخصية، فيصبح شخصية ضعيفة خائفة.. أو جاهلة.. أو متمردة على الأهل أوالمجتمع.. أو عنيفة ومتطرفة.. أو رافضة للدين.. أو ملحدة والعياذ بالله، بسبب وضع منطقة عازلة بين الإله وعقول الناس.

تكميم العقول عن الفهم أسوأ من تكميم الأفواه

السؤال قيمة إسلامية كبرى بشرط أن يكون سؤالاً جادًا ليتحول لعمل، وليس من أجل الجدل أو لمجرد السؤال فقط.. أسأل بلاخجل.. فكر بعمق.. ناقش ثم حلل.. ثم تحرك بقوة لتنفذ شيئًا عرفته بعمق.. فلئن تلقى الله بأسئلة تحاول الإجابة عليها خير من أن تقابله بأجوبة لقنها لك غيرك وحفظتها ولم تفهمها.

وقد نجح الغرب بهذه الطريقة.. فعندما سئل الفائز بجائزة "نوبل" في الفيزياء: كيف استطعت الحصول عليها؟: قال السبب أميوقد نجح الغرب بهذه الطريقة.. فعندما سئل الفائز بجائزة "نوبل" في الفيزياء: كيف استطعت الحصول عليها؟: قال السبب أمي.. قالت لي فلتسأل كل يوم في المدرسة سؤالًا ذكيًا، له معنى ويكون جادًا.. فلما سأل نفسه خرج بفكرة، والفكرة أصبحت اختراعًا بعد ذلك.

والمسلمون هم أول من علموا العالم أن السؤال هو بداية كل العلم.. الإمام الشافعي كان صاحب اختراع اسمه مبادىء العلوم.. وهي 10أسئلة في أول صفحة بالكتاب.. موضوع العلم.. من واضعه.. ثمرته وهدفه.. قبل أن تدخل في أي تفاصيل لابد من الإجابة على 10 أسئلة مهمة.

عمر بن الخطاب اختار مستشارًا له في سن الـ 25 هو عبدالله بن عباس.. لما سأل لماذا اخترته يا عمر.. قال: إن له لسانًا سؤلًا وقلبًا عقولًا.. اختاره لأنه يسأل أسئلة جادة تتحول إلى عمل.


وقصص الأنبياء مليئة بالسؤال عن الله.. فكيف نحرم ما قبله الله من أنبيائه بل وأجابهم عليه وأثبته في القرآن.. فهذا نبي الله إبراهيم عليه السلام يسأل ربه: "ربي أرني كيف تحيي الموتى... أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي".. أعلن بصراحة أمام الله بلاخجل ما يدور في عقول البشر وقلوب البشر لتطمئن القلوب.

كيف كانت الإجابة على السؤال؟.. تجربة عملية "قال فخذ أربعة من الطير .." رضي الله لنفسه أن يجيب عن سؤال إبراهيم.. لكن من أين لي بتجربة إبراهيم ليطمئن قلبي.. الخبرة مع الله تؤدي لنفس النتيجة.. فأنا متأكد من أن كل مليم ينفق سيعود من واقع الخبرة مع الله.. إن من ترك شيئًا لله عوضه الله أشياء.

جميعنا يقرأ في سورة الضحى "وأما السائل فلا تنهر"، فنذهب إلى أن السائل هنا هو الفقير المحتاج فقط، أو طالب المال.. لكن المعنى أوسع من ذلك بكثيرجميعنا يقرأ في سورة الضحى "وأما السائل فلا تنهر"، فنذهب إلى أن السائل هنا هو الفقير المحتاج فقط، أو طالب المال.. لكن المعنى أوسع من ذلك بكثير: لا ترد من يسأل عن الدين والحياة.. بدليل إن السورة جعلت 3أمور بمقابل  3أمور، ولكل أمر علاقة بما يقابله: "ألم يجدك يتيمًا فأوى" مقابلها "فأما اليتيم فلا تقهر"، "ووجدك ضالاً فهدى" مقابلها "فأما السائل فلا تنهر"، "ووجدك عائلاً فأغنى" مقابلها "وأما بنعمة ربك فحدث".

فيكون "ووجدك ضالاً فهدى"، لها علاقة بـ "وأما السائل فلا تنهر"، هذا النداء القرآني لكل أب وأم ومدرس: "أما السائل فلا تنهر"، ليخرج من الضلال إلى الهداية ومن الجهل إلى العلم.

نماذج من القرآن

القرآن يدرب العقل على إثارة الأسئلة.. يستجوبك ليضعك أنت نفسك أمام السؤال.. قبل أن تسأل يحرك بداخلك السؤال.. "أفرأيتم الماء الذي تشربون* أأنتم أنزلتموه".. من أين جاء؟ ثم يضعك أمام سؤال شخصي جدًا: "أفرأيتم ما تمنون".. هذا كيف جاء؟ ليس من علاقة بين رجل وأمرأة فقط، لكن: "أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون"؟ لا تهرب من الإجابة.. قم بالرد.

سؤال عن سر الحياة (الماء) وسؤال عن ماء الحياة.. هذا أسلوب القرآن يضعك أمام سؤال.. ويتركك تفكر.. القرآن يسأل: "فأين تذهبون".. إلى أين تذهب في الحياة.. ماهدفك؟

هل سألت نفسك ذات مرة وأنت تقرأ "عم يتساءلون"، ما هو المراد من الآية.. ماذا يسأل هؤلاء؟ "الذي هم فيه مختلفون" السورة لاتعتب عليهم أنهم يسألون.. بل العكس.. هم يسألون عن ماذا؟ "عن النبأ العظيم"؟ هل هذا الدين حق؟ هل هناك آخره؟ هل محمد صادق؟

هدف السورة: دعهم يتساءلون يا محمد.. دعهم يختلفون.. سيصلون ويعلمون.. كلا هنا ليست أداة للنهر.. كلا هنا توكيد طالما حدث حوار.. طالما هناك رأيان وخلاف وسؤال سيصلون للإجابة عليه.. لا تنجح فكرة لايدور حولها سؤال.. الاختلاف مثل عود الكبريت يشعل الفكرة لتنتشر.

لاتمنعهم من السؤال يا محمد دعهم يتساءلون.. هذا أمر صحي.. أكيد سيعلمون يومًا.. باقي السورة.. ألم نجعل الأرض مهادًا والجبال أوتادًا وخلقناكم ... معظمها أسئلة.. لاتمنعوا الأطفال والشباب من من السؤال عن ربنا.

لكن لابد... من:

- الجدية في السؤال وعدم الإلحاح: لابد سؤال جاد "وأما السائل فلا تنهر".. السائل الجاد هو الذي يبحث عن طريق الهداية وليس الجدلي الصراعيالجدية في السؤال وعدم الإلحاح: لابد سؤال جاد "وأما السائل فلا تنهر".. السائل الجاد هو الذي يبحث عن طريق الهداية وليس الجدلي الصراعي.. يريدها الإسلام.. لكن كل عملية تساؤل جاده للوصول للحقيقة.

- لابد أن نتعلم فن السؤال: متى نسأل .. تسأل أبأك لماذا حدث بينه وبينك والدتك مشادة لكن في الوقت المناسب كما في قصة موسى والخضر.. هل اتبعك.. قال " فإن اتبعني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك من ذكرًا".
– إياك أن تسأل سؤالاً سخيفًا يضيق عليك عيشتك.. يذهب شاب إلى الخطبة فيسأل العروس: احك لي علاقاتك قبل الجواز.. لماذا تسأل هذا السؤال.. "يا أيها الذين آمنوا لاتسألوا عن أشياء أن تبد لكم تسؤكم".

اضافة تعليق