ماذا دار من حوار بين الرسول والأنبياء في رحلة المعراج؟

الأحد، 31 مارس 2019 03:06 م
أحاديث سماوية

بعد لقاء النبي صلى الله عليه وسلم بأبي البشر آدم عليه السلام، وانتهاء أحداث السماء الدنيا، عُرج بعدها برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماء الثانية، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ، فَاسْتَفْتَحَ قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ فَفَتَحَ..".

ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع جبريل إلى السماء الثانية!يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فَلَمَّا خَلَصْتُ إِذَا يَحْيَى وَعِيسَى، وَهُمَا ابْنَا الخَالَةِ، قَالَ: هَذَا يَحْيَى وَعِيسَى فَسَلِّمْ عَلَيْهِمَا، فَسَلَّمْتُ فَرَدَّا، ثُمَّ قَالاَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ، وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ".

هذه هي السماء الوحيدة التي رأى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنين من الأنبياء دفعة واحدة، ولكن كان من الواضح أن المعنيَّ من اللقاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هو عيسى عليه السلام بوجه أخصَّ، وقد جاء في رواية أخرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل عن عيسى تحديدًا؛ فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم -كما جاء في رواية أبي ذرٍّ-:"ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيسَى فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ. قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا عِيسَى".

واهتمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بوصف شكل عيسى عليه السلام في أكثر من رواية؛ بل في أكثر من موقف من مواقف الإسراء والمعراج، فضلاً عن اهتمامه صلى الله عليه وسلم بوصفه في أحاديث أخرى غير أحاديث الإسراء والمعراج.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم -كما روى أبو هريرة رضي الله عنه-: "وَلَقِيتُ عِيسَى". فَنَعَتَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: "رَبْعَةٌ أَحْمَرُ، كَأَنَّمَا خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ". يَعْنِي الحَمَّامَ. والرَّبْعة هو المعتدل لا بالقصير ولا بالطويل، أما سبب قوله صلى الله عليه وسلم: "كأنما خرج من ديماس" أو حمَّام، هو أن رأس عيسى عليه السلام تنحدر منها قطرات ماء، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث آخر واصفًا عيسى عليه السلام: "إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ، وَإِذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ مِنْهُ جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤِ" .

الرسول في السماوات الثالثة والرابعة والخامسة

انطلق النبي صلى الله عليه وسلم في رحلة المعراج متجاوزًا السماء الثانية، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ. فَفُتِحَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ إِذَا يُوسُفُ، قَالَ: هَذَا يُوسُفُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ. فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ". وفي رواية مسلم زاد: "إِذَا هُوَ قَدْ أُعْطِيَ شَطْرَ الْحُسْنِ" .
ومَدْحُ النبي صلى الله عليه وسلم ليوسف عليه السلام هو من قبيل التعجُّب لرؤية قدرة الله تعالى في خلق يوسف عليه السلام وحُسن تصويره، ويبدو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجاب بكلمته هذه "أُوتِيَ شَطْرَ الحُسْنِ". على تساؤلات قد تأتي في أذهان السامعين لقصة المعراج عن سرِّ اختيار يوسف عليه السلام تحديدًا من وسط كل الأنبياء الكرام لمقابلة رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الرحلة العلوية.

وأشار الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الدرجة الرفيعة التي كان عليها يوسف عليه السلام، التي جعل الله فيها خِلْقته كجمال الملائكة، حتى إن الله عز وجل قال في كتابه على لسان نسوة المدينة: {مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ} [يوسف: 31]، وهو قول لم يُعَلِّق القرآن عليه سلبًا؛ وذلك دلالة على صدقه وصحته، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حقِّه ونَسَبه ما لم يقله في حقِّ غيره، ففي رواية ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "الكَرِيمُ، ابْنُ الكَرِيمِ، ابْنِ الكَرِيمِ، ابْنِ الكَرِيمِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ".

السماء الرابعة

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الرَّابِعَةَ فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: أَوَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ. فَفُتِحَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ إِلَى إِدْرِيسَ، قَالَ: هَذَا إِدْرِيسُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ. فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ". وفي رواية مسلم زاد: قَالَ اللهُ تعالى: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} [مريم: 57].

 كان في استقبال رسول الله صلى الله عليه وسلم نبي كريم على الله؛ وهو إدريس عليه السلام، وعلى الرغم من أننا لا نعرف عنه كثيرًا فإن الله خصَّه برفعة متميزة، وهذا ما نبَّه إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قرأ لنا الآية الكريمة: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا}، وكأنه يُفَسِّر لنا سرَّ اختيار الله له لهذا الاستقبال المهيب.

السماء الخامسة

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثُمَّ صَعِدَ بِي، حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الخَامِسَةَ فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ. فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا هَارُونُ، قَالَ: هَذَا هَارُونُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ. فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ، وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ".

كان النبي هارون أخو موسى عليهما السلام في استقبال رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه السماء، وأرى أن وجود هارون عليه السلام تحديدًا كان إكرامًا لموسى عليه السلام كما هو إكرام لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

ووجود هارون عليه السلام -لا شكَّ- يُلقي السرور في قلب النبي العظيم موسى عليه السلام؛ فهو ليس مجرَّد أخ له؛ ولكنه هبة الله ورحمته له؛ قال تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا} [مريم: 53]. وهو مِنَّة الله على موسى عليه السلام. قال تعالى بعد أن دعا موسى اللهَ أن يشدد أزره بهارون أخيه: {قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (36) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى} [طه: 36 - 37]، وهو الصاحب الوحيد المأمون في رحلة موسى عليه السلام مع بني إسرائيل، وكانت رحلة عسيرة وشاقة؛ قال تعالى على لسان موسى عليه السلام: {قَالَ رَبِّ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي} [المائدة: 25]، وغير ذلك من المواقف التي تُثبت أن المعنيَّ بوجود هارون عليه السلام هو موسى عليه السلام.

واصل النبي صلى الله عليه وسلم رحلة المعراج إلى السموات حتى وصل إلى السماء السادسة والتقى موسى وكان ما كان بينهما، والآن عُرِج به صلى الله عليه وسلم إلى السماء السابعة والأخيرة! وكانت المشاهد فيها متعدِّدة وباهرة، وكأن كل ما سبق من استقبالات في السماوات السابقة كان تمهيدًا لما سيحدث في هذه السماء.

لقاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام

بدأ برنامج السماء السابعة بلقاء مع إبراهيم عليه الصلاة والسلام جدِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم! ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ. فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: هَذَا أَبُوكَ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ. قَالَ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ السَّلاَمَ، قَالَ: مَرْحَبًا بِالاِبْنِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ" .

وفي رواية قال: "فَإِذَا أَنَا بِإِبْرَاهِيمَ صلى الله عليه وسلم مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، وَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لاَ يَعُودُونَ إِلَيْهِ" .

ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان حفيد إبراهيم عليه الصلاة والسلام فإنه كان أشبه الناس به؛ يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ وَأَنَا أَشْبَهُ وَلَدِهِ بِهِ".

ولقد ظهرت كرامة النبي العظيم إبراهيم عليه الصلاة والسلام من أول لحظة؛ حيث وجده رسول الله صلى الله عليه وسلم مُسْنِدًا ظهره إلى البيت المعمور، والبيت المعمور في السماء نظير الكعبة في الأرض؛ ولأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام قد استنفد وسعه في بناء بيت الله في مكة فقد أكرمه الله بزيارة بيته في السماء، وكما دعا إبراهيم عليه الصلاة والسلام ربَّه أن يجعل أفئدة من الناس تهوي إلى البيت الحرام فقد أثلج الله صدره برؤية الملائكة تطوف حول البيت المعمور.

نصائح غالية

بعد السلام المتبادل بين النبيين الكريمين وَجَّه إبراهيم عليه الصلاة والسلام التحية إلى أُمَّة الإسلام، وأسدى لها نصائح غالية، فقد روى الترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلاَمَ وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ عَذْبَةُ المَاءِ، وَأَنَّهَا قِيعَانٌ، وَأَنَّ غِرَاسَهَا سُبْحَانَ اللهِ وَالحَمْدُ للهِ وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ".

وفي رواية لابن حبان عن أبي أيوب رضي الله عنه "أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ مَرَّ عَلَى إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ لِجِبْرِيلَ: مَنْ مَعَكَ يَا جِبْرِيلُ؟، قَالَ جِبْرِيلُ: هَذَا مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم. فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: يَا مُحَمَّدُ مُرْ أُمَّتَكَ أَنْ يُكْثِرُوا غِرَاسَ الجَنَّةِ، فَإِنَّ تُرْبَتَهَا طَيِّبَةٌ، وَأَرْضُهَا وَاسِعَةٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لإِبْرَاهِيمَ: "وَمَا غِرَاسُ الجَنَّةِ؟" قَالَ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ".

أرض الجنَّة قيعان؛ أي أنها أرض عديمة الشجر، وإن كانت طيبة التربة، وعذبة الماء؛ وإنما تزْرَع هذه الأرض الطيبة بالأعمال الصالحة للمؤمنين، ونصيحة إبراهيم عليه الصلاة والسلام للأُمَّة الإسلامية أن تَزْرَع أرضَ الجنَّة بالأشجار الكثيرة، وهذا أمر ميسور؛ إذ إن هذه الزراعة تكون بالأذكار التي نصحنا بها النبي الكريم، وهي أذكار التسبيح والحمد والتهليل والتكبير في الرواية الأولى، وقول: لا حول ولا قوة إلا بالله. في الرواية الثانية، ولا تعارض؛ إذ إن هذا وذاك من غراس الجنَّة، وقد أوصى إبراهيم عليه الصلاة والسلام بها جميعًا.

اضافة تعليق