Advertisements

في رحلة المعراج .. ماذا دار بين النبي وأبي البشر؟

الأحد، 31 مارس 2019 09:52 ص
بداية الصعود




بعد الانتهاء من رحلة الإسراء التي أسري فيها بالنبي صلى الله عليه وسلم، إلى المسجد الأقصى، بدأ النبي في الصعود إلى السماء عن طريق المعراج حتى وصل إلى أبواب السماء الدنيا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فَانْطَلَقَ بِي جِبْرِيلُ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الدُّنْيَا فَاسْتَفْتَحَ، فَقِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ فَفَتَحَ.

فللمرة الأولى في تاريخ الإنسانية يقف الإنسان، أمام باب من أبواب السماء ينتظر أن يُفتح له!، فماذا كان في عقل النبي  الله صلى الله عليه وسلم وهو يستمع إلى حوار جبريل مع خازن السماء الدنيا، وقد علم صلى الله عليه وسلم من القرآن الكريم أن للسماء أبوابًا عدَّة؛ قال تعالى واصفًا حال الكفار: {لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ} [الأعراف: 40]. وقال في إهلاك قوم نوح عليه السلام: {فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ} [القمر: 11].

واستفتح جبريل عليه السلام؛ وقال لخازن السماء: افتح. فردَّ خازن السماء الدنيا بسؤال: مَنْ هذا؟! ويبدو أن مَنْ في داخل السماء لا يرى مَنْ في خارجها، أو لعلَّ خازن السماء لا يعرف الصورة البشرية التي عليها جبريل عليه السلام، التي لا يتمثَّل بها إلا إيناسًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد ردَّ جبريل ذاكرًا اسمه مجرَّدًا: جبريل. فسأل الخازن -كما جاء في رواية البخاري عن أبي ذر رضي الله عنه: هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ وهذا يدعم أن خازن السماء لا يرى خارجها، وهنا أجاب جبريل: نَعَمْ مَعِي مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم.


ولا شكَّ أن خازن السماء يعرف بأمر الرحلة، خاصة أن هناك تغييرات كونية في السماء الدنيا حدثت عند بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ وذلك لمنع الشياطين من التسمُّع لأخبار السماء؛ قال تعالى على لسان الجنِّ: {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (8) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا} الجن: 8 - 9.


سَعِدَ خازن السماء بقدوم النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: "مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ". ومع ذلك فإن هذه الفرحة والسعادة لم تجعله يتجاوز القوانين المعمول بها في حراسة هذا الباب، فسأل جبريل: وقد أُرسل إليه؟ مع أنه من المنطقي أن جبريل عليه السلام سيد الملائكة لن يأتي برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماء من تلقاء نفسه؛ ولكن من الواضح أن الملائكة تتبع نظامًا معيَّنًا ثابتًا لا اجتهاد فيه ولا استثناء؛ قال تعالى: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [النحل: 50].



فتح خازن السماء الباب، ودخل جبريل عليه السلام ومعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويبدو أن الدخول فيه شيء من الجهد، أو أن باب السماء سميك جدًّا؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم عَبَّرَ عن الدخول بقوله: "فَلَمَّا خَلَصْتُ..". وهو يُوحي بجهد ما في المرور.



حوار مع آدم عليه السلام

وصل النبي للسماء الدنيا وكان في استقباله أبوه وأبو البشر كلهم آدم عليه السلام، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: "فَلَمَّا فَتَحَ عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا فَإِذَا رَجُلٌ قَاعِدٌ عَلَى يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ ، وَعَلَى يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ، إِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَسَارِهِ بَكَى، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالاِبْنِ الصَّالِحِ. قُلْتُ لِجِبْرِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا آدَمُ، وَهَذِهِ الأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ، فَأَهْلُ اليَمِينِ مِنْهُمْ أَهْلُ الجَنَّةِ، وَالأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ، فَإِذَا نَظَرَ عَنْ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى" .



كان وجود آدم عليه السلام في الاستقبال الأول للنبي صلى الله عليه وسلم معبِّرًا جدًّا؛ لأنه أول البشر، وهو أسعد الناس بشرف هذا الابن العظيم؛ وكان من المشاهد المؤثِّرة التي رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان من وجود أرواح البشر كلهم حول أبيهم آدم عليه السلام، وقد تجمَّعت أرواح أهل الجنَّة عن يمينه، وأرواح أهل النار عن شماله، وهو يضحك تارة، ويبكي تارة، وضحكه مفهوم، أما بكاؤه فقد يكون راجعًا لشفقته على أولاده الذين سيلقون هذا المصير المؤلم، وقد يكون لإحساسه أنه كان سببًا في نزولهم إلى الأرض، وتعرُّضهم للاختبار الذي فشلوا فيه، وهو ما سيُعبِّر عنه يوم القيامة بألفاظ موحية حين سيقول للبشر عندما يطلبون شفاعته: "وَهَلْ أَخْرَجَكُمْ مِنَ الجَنَّةِ إِلاَّ خَطِيئَةُ أَبِيكُمْ آدَمَ، لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ.." . وأنا أحسب أن هذا الموقف عابر؛ أي أنه أثناء رحلة معراج الرسول صلى الله عليه وسلم فقط؛ لأن بكاء آدم عليه السلام مؤلم وحزين، ولا يُتَوقَّع أن يُعاني منه آدم بشكل دائم؛ وهو من أصحاب الجنَّة لا شكَّ.



ثلاثة أنهار من الجنة

وكان من المشاهد التي رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك بين السماء الدنيا والسماء الثانية ثلاثة أنهار عظيمة هي النيل والفرات والكوثر! ومع أن ذكر هذه الأنهار في هذا الموضع جاء في رواية الرؤيا إلا أنها متحققة يقينًا لأن رؤيا الأنبياء حقٌّ، وكانت رؤياه صلى الله عليه وسلم تتحقَّق كفلق الصبح.

يقول أنس بن مالك رضي الله عنه "فَإِذَا هُوَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا بِنَهَرَيْنِ يَطَّرِدَانِ، فَقَالَ: مَا هَذَانِ النَّهَرَانِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا النِّيلُ وَالْفُرَاتُ عُنْصُرُهُمَا. ثُمَّ مَضَى بِهِ فِي السَّمَاءِ، فَإِذَا هُوَ بِنَهَرٍ آخَرَ عَلَيْهِ قَصْرٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ وَزَبَرْجَدٍ، فَضَرَبَ يَدَهُ فَإِذَا هُوَ مِسْكٌ أَذْفَرُ، قَالَ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا الكَوْثَرُ الَّذِي خَبَأَ لَكَ رَبُّكَ" .



رأى النبي صلى الله عليه وسلم في هذه المرحلة من رحلته ثلاثة أنهار! أما الأول والثاني فهما النيل والفرات، وستتكرَّر رؤية هذين النهرين في السماء السابعة؛ لذا فسوف نؤجِّل الحديث عنهما إلى هذا الموضع؛ وذلك لاحتياجنا إلى التفصيلات المذكورة هناك، أما نهر الكوثر فهو نهر فريد وعجيب، ويكفي للدلالة على عظمته أنه هدية رب العالمين لرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم! قال تعالى: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} [الكوثر: 1]، وهذا القصر الذي عليه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وماء النهر رائحته مسك أذفر، وهو أجود أنواع المسك، والنهر من أنهار الجنَّة، وجاء في وصفه أحاديث أخرى، وسنفرد له حديثًا آخر عند حديثنا عن دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الجنَّة في هذه الرحلة.



المصادر البخاري: كتاب التوحيد

السيرة للدكتور راغب السرجاني

اضافة تعليق