تعرف من القرآن والسنة على كيفية اختيار الوقت المناسب.. "هكذا تؤكل الكتف"

السبت، 30 مارس 2019 10:02 ص
تعلم من أين تأكل الكتف


الوقت هو الحياة، هو مضمار الابتلاء به؛ لتقديم الأجودِ والأحسنِ من العمل، وفي هذا يقول الله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ}.

فالوقت من عظمه أقسم به الله تعالى، فقال الله سبحانه وتعالى: {وَالْفَجْرِ}، وقال سبحانه: {والليل}، وقال سبحانه: {والضحى}، وقال تعالى: {والعصر}، والله سبحانه عظيم ولا يقسم إلا بعظيم.

ومن عظم الوقت مهما مرَّ بسهولة، أننا سنُسأل عنه حتمًا، فجاء في حديثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ : (لا تَزُولُ قَدَمَا الْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنْ عُمْرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلاهُ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ) رواه الترمذي وصححه الألباني.

والوقت هو أثمن ما يملكه المرء، ففيه يبني حياته، وبين ثوانيه ينمو عقله، ويستثمر قدراته، وكلما كان به أحفظ كلما كان منه أنفع.
فقد أوصى النبي  صلى الله عليه وسلم باغتنام الوقت: ((اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابَك قبل هرمك، وصحتَك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغَك قبل شغلك، وحياتَك قبل موتك)) أخرجه النسائي والحاكم.

فن اختيار الوقت المناسب

الحكمة ضالة المؤمن، ومن الحكمة أن يختار الإنسان الوقت المناسب، لاغتنام الفرصة، ووضع الأشياء في مواضعها، والله تعالى يقول: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ}.

وهناك أمثلة من القرآن الكريم لأهمية اختيار الوقت المناسب في دخول الإماء والأطفال على البالغين، فقد اختار الله تعالى لهم أوقاتًا غاية في المناسبة، فقال سبحانه: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنْ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (58) وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمْ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}.

وقال الله تعالى في مثال آخر{وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}، فجعل النوم في الليل لأنه أسكن للقلب والبدن؛ لما يتميز به الليل من الهدوء والستر، وجعل النهار للعمل وابتغاءِ الرزق والفضل؛ لما يتميز به من ضياء الشمس والحركة والإبصار.

وفي السنة، أن النبي صلى الله عليه وسلم صبر ثلاث عشرة عامًا على وجود الأصنام وعبَّادها في مكة، وهو يصلي في المسجد الحرام ويطوف حول الكعبة، وحولها 360 صنمًا، بل طاف في عمرة القضاء مع أصحابه وهو يراها ولا يمسها، حتى أتى الوقتُ المناسب في فتح مكة، فأزالها قويًا ظافرًا منتصرًا.

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: (لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل إلى نحو أهل اليمن، قال له: إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب، فليكن أولُ ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى، فإذا عرفوا ذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا صلوا فأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة في أموالهم، تؤخذ من غنيهم فترد على فقيرهم، فإذا أقروا بذلك فخذ منهم، وتوقَّ كرائم أموال الناس) رواه البخاري.

كما أن اختيار وقت إخراج زكاة الفطر قبيل عيد الفطر؛ لتكون طهرة للصائم من اللغو والرفث، وغنية للفقير في يوم العيد؛ حتى تعم الفرحة جميع بيوت المسلمين في ذلك اليوم العظيم.

فضلاً عن أن الشريعة منعت القاضي أن يقضي وهو غضبان؛ فالوقت غير مناسبٍ للقضاء مع هذا المانع الذي يمنعه غالبًا من البصيرة والتثبت في الحكم قبل إصداره.

ولما تقرر حكم الرجم بتلك المرأة التي زنت على عهد رسول الله  صلى الله عليه وسلم  لم يُقِم عليها الحدَّ مباشرة؛ لأن الوقت لم يكن مناسبًا؛ حيث إنها كانت حاملاً، ولما ولدت، لم يقم عليها الحد حتى كبر ولدها وبدأ يأكل الخبز، ثم لم يقم الحد عليها حتى تكفل أحد الصحابة بالوليد، ثم أقام عليها الحد.

وهكذا الأمر في كل الأوقات الشرعية المتعلقة بأحكام الشريعة الغراء التي راعت ظروف حال المكلف وزمانَه ومكانَه وقدرتَه.

لماذا نختار الوقت المناسب؟


1ـ نحقق المصلحةَ الأعلى من العمل المطلوب، والإنتاجيةَ الأكثر، والنوعيةَ الأفضل.

2ـ ندفع المفسدةَ المترتبة على القيام بالفعل في غير وقته المناسب.

3ـ نحقق الطمأنينةً والسكينة التي تنتاب المرءَ بنهوضه بالعمل في الوقت المناسب.

4ـ نجعل العملَ أكثر قبولاً وارتياحًا من الطرف الآخر؛ لاختيارنا الوقتَ المناسبَ في تقديمه لهم.

5ـ نرفع مستوى الثقة بفكرة (الوقت المناسب) بعد ظهور نتائجها الإيجابية.

 فنون اختيار الوقت المناسب:

دراسة العمل الذي سنقوم به، من حيث: وصفِه، والوقتِ الكافي له، والهدفِ منه.

دراسة حالة الشخص المقصود من العمل، من حيث: جنسه، وعمره، وعلمه، ووظيفته، واهتماماته، وأوقاته المتاحة للتواصل معه!

معرفة مَنْ شريكنا في العمل؛ الذي سنشترك معه في تحقيق المصلحة، سواء أكان: والدًا، أو زوجًا، أو ولدًا، أو شريكًا في وظيفة أو تجارة أو دعوةٍ أو علم، أو نحو ذلك؛ فالوقت المناسب يجب أن يكون مناسبًا للطرفين ما دامت المصلحة مشتركة بينهما.
وضع المقترحات للأوقات المناسبة للعمل المنشود، ثم النظرُ في النتائج المتوقعة لكل وقت، وماذا لو كان في غير هذا الوقت، وهل لو قمت بهذا العمل في هذا الوقت سيكون مناسبًا فعلاً؟
تقويم هذا الوقت بعد القيام بالعمل فيه، هل أتى بالنتيجة المرجوة منه، أو أن التقدير في اختياره كان خطأً!! ومن ثم يتم التعديل حسب هذا التقويم.

نصائح في فن إدارة الوقت

إدارة الوقت بعناية فائقة، بحيث أن تحسبه حسابًا دقيقًا، بحيث تعرف ثلاثةَ أمور في حياتك كلها يتضمنها الوقت: الضروريات، والحاجيات، والكماليات، وفي كل مرتبة أوليات، فترتبها حسب أوليتِها لديك، لا تقدم المهمَ على الأهم، ولا الكماليَّ على الضروري، وتكتب ذلك، وتعدِّل، وتستعين بالله تعالى وتتوكل عليه.

أن تشتمل إدارتُك لوقتك جميعَ الحقوق، حقَ الله تعالى، ووالديك، ونفسِك وأهلِك وأضيافِك ومجتمعِك ووطنِك، وأمتك.

 استعن بعد الله تعالى بأهل الخبرة والدراية في معرفة فنون إدارة وقتك، فهذا علم، والعلم يؤخذ من أهله المتخصصين فيه، وذلك عبر الاطلاع على الكتب المتخصصة، أو الدورات التدريبية التطويرية.

معرفة أحوال الناجحين والمنتجين في حياتهم، فحتمًا هؤلاء يتسابقون مع الوقت، ويعرفون كيف تدار دقائقُه وثوانيه، مرة من خلال الاطلاع على سيرهم الذاتية، أو اللقاء بهم، أو زيارة مشاريعهم الناجحة، فهذا سيضاعف حرصَك على وقتك.

اضافة تعليق