Advertisements

خطبة الجمعة غدًا.. الإسراء والمعراج ... بين الألمِ والأَمَل

الخميس، 28 مارس 2019 06:33 م
الجمعة

تماشيا مع ما ينفع المسلمين وخاصة الدعاة نقدم زادًا للدعاة يعينهم على البحث ويفتح لهم الطريق لاستلهام الدروس والحكم من خلال نشر الوعي وإمدادهم بزاد ثقافي حول موضوع خطبة الجمعة كل أسبوع:

"الحمد لله ربّ العالمين، الحمد الله الذي أنعم علينا بالإسلام،
وجعلنا من أمّة خير الأنام، الحمد لله الذي أكرمنا فأحسن الإكرام، وأشهد ألا إله إلا الله، وحده لا شريك له، لا شريك له في ملكه، لا شريك له في قدرته، لا شريك له في حكمه، سبحانه سبحانه؛ هو عزُّ كل ذليل، وهو قوّة كل ضعيف، وهو غوث كل ملهوف، وهو ناصر كل مظلوم، قال في كتابه الحكيم ممتنًّا على عبده محمد صلى الله عليه وسلم: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الإسراء: 1]، وأشهدُ أنَّ خيرَ البرية، وأشرف الخلق، وسيد النّاس، محمد بن عبدالله الصادق الأمين، هو مَن هُو؟ أسلم النّاس صدرًا، وأزكاهم نفسًا، وأحسنهم سيرة وسلُوكًا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه وسيرته إلى يوم الدين... أمّا بعد:
      ___ 
فلقد أكرم الله تعالى هذه الدعوة الإسلامية المباركة، وتلك الأمة العظيمة بخير نبي وبخير كتاب وبخير دعوة، أكرم الله أُمّتنا بدولة وفكرة وصحبة عظيمة، وما قامت الدولة، ولا رسخت الفكرة، ولا عظمت الصحبة، إلا بعد تنقية وغربلة لصف المؤمنين.
ولقد تنوّعت مراحل التنقية في تاريخ الأمة ودعوتها، ومن بين مراحل التنقية والتصفية: رحلةٌ بل رحلتان عظيمتان امتنّ الله بهما على خير أنبيائه ومرسليه، وشرّفه ربّه بأفضل مقام، وأعلى منزلة، إنّها رحلة الإسراء ورحلة المعراج، التي أعلن ربُّنا فيها قيمة نبيه ومصطفاه محمد، وأعلن كذلك قيمة هذه الأمّة وعظمتها آمَنَ بذلك من آمن، وكفر مَن كفَر.
ها هو الداعية الأول صلى الله عليه وسلّم في مكة، يدعو قومه إلى الله تعالى.. سنواتٌ مأساوية، مليئة بالعواصف العاتية من التعذيبِ والإيذاء، والبغضاء والافتراء.. مُزّق شمل أتباعه، وسامهم أهل مكة سوء العذاب، ثم كان العام العاشر من البعثة العام الحزن الذي فقد فيه r عمه أبا طالب الذي كان ينافح عنه ويدفع عنه أذى قريش، وبعد وفاة أبي طالب بثلاثة أيام أو شهرين يفجع النبي صلى الله عليه وسلّم بموت رفيقة دربه السيدة خديجة رضي الله عنها، وهي من في مؤازرتها له وقوفها إلى جانبه في أشد المواقف على مدى خمسة وعشرين عاماً.
يتلفت عليه الصلاة والسلام في مكة فلا يجد من ينصره ليبلغ رسالة ربه، فيخرج إلى الطائف، ويعرض دعوته على ثقيف، فيردون عليه بأقبحِ رد، وآذوه ونالوا منه ما لم ينل منه قومه. وأغروا به سفهاءهم يرمونه بالحجارة حتى دميت قدماه الشريفتان.
وينصرف صلى الله عليه وسلم من الطائف محزوناً مهموماً، يمشي ولا يشعر بنفسه، حتى استفاق في قرن الثعالب فأخذ يناجي ربه بالدعاء المشهور: اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس. أنت أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي غير أن عافيتك أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الكريم الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن يحل علي غضبك أو ينزل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك. ثم يعود صلى الله عليه وسلّم إلى مكة، فلم يستطع دخولها إلا تحت جوار المطعم بن عدي وهو رجل مشرك.
في ظل هذه الأجواء الكالحة، والظروف الحرجة، وبعد مضي ثنتي عشرة سنة من البعثة، يشاء الله، اللطيف بعباده أن يسلي رسوله، ويثبته على الحق، فيمن عليه برحلة تاريخية لم ينل شرفها قبله نبي مرسل ولا ملك مقرب.
رحلة مباركة طيبة، بدأت بأقدس بقاع الأرض، وانتهت بأعلى طبقات السماء. قال سبحانه: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير). انتقل النبي من مكة إلى المسجد الأقصى ثم إلى السماء، ورأى ما رأى من آيات الله تعالى ومشاهد القدرة والقوّة...
أسرى بك الله ليلاً إذ ملائكة *** والرسل في المسجد الأقصى على قدم
كنت الإمام لهم والجمع محتفلٌ *** أعظم بمثلك من هاد ومؤتم
لما خطرت به التفوا بسيدهم *** كالشهب بالبدر، أو كالجند بالعلم
حتى بلغت مكاناً لا يطار له *** على جناح ولا يسعى على قدم
وقيل: كل نبي عند رتبته *** ويا محمد هذا العرش فاستلم
إنّها معجزة الدهر:
أحْرج الله بها قلوب الجاحدين، وأقرّ الله بها أعين المؤمنين الصادقين، وصفّى الله بها أفئدة المنتسبين إلى الدين.
معجزة أُعلن فيها كثير من القرارات والقناعات، لهذه الأمّة ولنبيها الكريم.
معجزة تأتي بعد محن وشدائد يمرّ بها نبينا صلى الله عليه وسلّم، فبعد وفاة عمه وزوجه، ومقاطعة اقتصادية واجتماعية في شِعب أبي طالب، وبعد اعتداء أهل الطائف عليه، ورفض دعوته عليه الصلاة والسلام.
هكذا بدأت ملامح هذه الرحلة، وأسبابها معروفة ومعلومة:
فهموم وأحزان لحقت بالنبي الكريم، وهو مَن هو؟
وحصار وإيذاء.
وموت للسند الداخلي والخارجي.
وإعلان القيمة والقدر النبوي عند ربّ البريّة.
ثم إعلان قيمة هذه الأمّة الخيرية، فهديتها في السماء، ومعراجها العرش.
وإظهار هوية بيت المقدس ونسبته إلى المسلمين في كلّ مكان.
وإظهار إعجاز العقول البشرية عن الإدراك لرحلة، فكيف بإدراك الربّ العليّ؟
ودعونا حتى لا نطيل في أمر قصة الرحلة، وندخل على دروسها سريعًا؛
لنتعلّم ماذا نستفيد منها، وماذا يجب علينا أن نعمل؟

 من دروس الإسراء والمعراج
أولا: قدر النبي صلى الله عليه وسلّم وقيمته عند ربّه
لقد كان لهذه الرحلة عبرة حقيقية في إثباتِ قدر النبي r، وعلو قيمته؛ فها هو ربه عزّ وجلّ، يبعث إليه جبريل وملك الجبال بعد اعتداء أهل الطائف عليه، ويدعوه لمقابلته، ويريه آيات من آياته، يأمر بغسل قلبه، وجعله إمامًا للأنبياء في الصلاة، وفتح له أبواب السماء، ويرفع قدره على كل الأنبياء؛ ليعلنها مدوية أنّ النبي محمد صلى الله عليه وسلّم هو أشرف الناس وأعلاهم قيمة ومكانة. فما وصل إلى ما وصل إليه الرسول أحد، لا نبي ولا ملك... وفي ذلك درس آخر في أنّ الله عزّ وجلّ لا يخذل أولياءه وأحبابه ولا يفضحهم؛ بل يؤديهم وينصرهم على من عاداهم وإن طالت الفترة.
ثانيًا: إسلامنا دين الفطرة ... من شذّ عن الفطرة شذّ عن الإسلام (إنها أُمّة الفطرة)
لقد خلق الله البشر جميعًا على الفطْرة النّقية، قال تعالى: ]فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ[ [الروم: 30]. وها هو نبينا صلى الله عليه وسلّم يقول: «فَجَاءَنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ، وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ، فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ، فَقَالَ جِبْرِيلُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اخْتَرْتَ الْفِطْرَةَ». [صحيح مسلم: حديث رقم (162، ج1، ص145]. وهذا من جميل شرف المسلمين، فإسلامنا دين الفطرة النقيّة، فمن شذّ عن تلك الفطرة، فقد شذّ عن الإسلام، كأن يقوم بأخلاق لا تتناسب مع الفطرة، يرتدي ملبسًا ليس من الفطرة..... كل هذا ليس من الإسلام.
 ثالثًا: عظيم ملك الله وقدرته التي لا تعادلها قدرة
وقد أظهرت لنا هذه الرحلة عظيم ملك الله وقدرته؛ ففي الحديث أيضًا عند مسلم: «فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بِإِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، وَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِي إِلَى السِّدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَإِذَا وَرَقُهَا كَآذَانِ الْفِيَلَةِ، وَإِذَا ثَمَرُهَا كَالْقِلَالِ"، قَالَ: "فَلَمَّا غَشِيَهَا مِنْ أَمْرِ اللهِ مَا غَشِيَ تَغَيَّرَتْ، فَمَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْعَتَهَا مِنْ حُسْنِهَا،....». وكأنها رسالة تحدٍّ لمن يدعي امتلاك القوة في الأرض؛ فالله العلي القادر، هو القوي، ولا تعجزه قوة ولا قدرة، يعلم كل شيء، ويقدر على أي شيء، فليتعظ كل إنسان، ولا يظلم أو يبطش، أو يستخدم قوّته في التسلّط على خلق الله.
رابعًا: تبادل الخبرات ... وتلاقح الأفكار
ونستفيد أيضًا من قصة المعراج:
عظيم تبادل الخبرات، وتلاقح الأفكار، ففي القصة أن نبي الله موسى عليه السلام، عند فرض الصلاة خمسين صلاة، فعاد رسولنا محمد صلى الله عليه وسلّم إلى نبي الله موسى رضي الله عنه، فيقول له: «ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ، فَإِنِّي قَدْ بَلَوْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَخَبَرْتُهُمْ». فقد ازدادَ خبرةً تستدعي أن ينقلها لغيره. وهذا دور كل متخصص أن يورث خبرته لغيره؛ ولا يكتنزها، فكاتم العِلْم يلجم بلجام من نار يوم القيامة، قال صلى الله عليه وسلّم: «منْ كَتَمَ عِلْماً ألْجَمَهُ الله بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
خامسًا: القيادة تنتقل من كل الأمم إلى أمّة النبي محمد r فهل هي على قدر المسؤولية؟
ها هو النبي محمد r يؤمّ إخوانه من الأنبياء والمرسلين في المسجد الأقصى، ويقدّمه جبريل وإبراهيم عليهما السلام؛ ليُعْلَنَ للدنيا كلها أنّ القيادة والإمامة قد انتقلت من كل الأمم السابقة إلى أمّة الإسلام (أمّة نبي الله محمد صلى الله عليه وسلّم) لتكون شاهدة على كل الأمم، وقائدة لها في الدنيا قبل الآخرة، تحمّلت مسؤولية التبليغ والنشر للإسلام، تحمّلت مسؤولية إنقاذ المظلومين، تحمّلت مسؤولية تحرير بيت المقدس، تحمّلت نجدة الملهوف..... فهل هذه الأمة على قدر المسؤولية، أم ستتخلى عن الشرف والمكانة، وتترك مسألة نصرة المظلوم، وتحرير بيت المقدس بلا جهد أو عمل؟ فتكون النتيجة كما قال تعالى: ]وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ[ [محمد: 38].
سادسًا: الله لا يخذل أتباعه ولا يفضحهم      
وهكذا ترينا الرحلة آيات الله في أوليائه؛ فلا يخلهم، ولا يضيعهم، يفتح أبواب سمائه لنبيه ووليه محمد صلى الله عليه وسلّم بعد أن رفضه كثير من أهل الأرض، بعد أن تقطعت به الأسباب، وكأنه يقول له: يا محمد ... لا تحزن، فربّك يفتح لك أبواب سمائه، فإن كان أهل الأرض قد لفظوا دعوتك، فهنيئًا لك المسرى والمعراج؛ فأهل السماء يرحبون بك وينتظرونك.
ولم يخذله وقت أن عاد إلى قومه يبلغهم بما حدث، فاستهزءوا به وكذبوه، وظهر خبث أبي جهل عندما دعاه ليخبر القم بما رأى وشاهد، لا ليؤمنوا، بل ليستهزئ به ومن معه، «فَلَمْ يُرِ أَنَّهُ يُكَذِّبُهُ، مَخَافَةَ أَنْ يَجْحَدَهُ الْحَدِيثَ إِنْ دَعَا قَوْمَهُ إِلَيْهِ» ولمّا بدأ وصف النبي للأقصى، كاد أن يتلعثم فأنقذه الله، وإذ به صلى الله عليه وسلّم يقول: «ذَهَبْتُ أَنْعَتُ، فَمَا زِلْتُ أَنْعَتُ حَتَّى الْتَبَسَ عَلَيَّ بَعْضُ النَّعْتِ»، قَالَ: «فَجِيءَ بِالْمَسْجِدِ وَأَنَا أَنْظُرُ حَتَّى وُضِعَ دُونَ دَارِ عِقَالٍ أَوْ عُقَيْلٍ فَنَعَتُّهُ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ»، قَالَ: «وَكَانَ مَعَ هَذَا نَعْتٌ لَمْ أَحْفَظْهُ» قَالَ: "فَقَالَ الْقَوْمُ: أَمَّا النَّعْتُ فَوَاللَّهِ لَقَدْ أَصَاب».

سابعًا: الابتلاء ضروري لغربلة الصف المؤمن وفضح المنافقين (إنه اختبار الإيمان)
قد يتعجّب البعض من شدة الابتلاء في يوم من الأيام، ويتساءل: لماذا يحدث كل هذا البلاء بالمسلمين؟ أليس الله بقادر؟ هل من نصر لعباد الله المصلحين؟ وتكثر التساؤلات، لكن يأتي الرد: فمع البلاء وشدته، يتمّ غربلة الصف، ويتم فضح المنافقين، فلا يثبت إلا أهل الإيمان الحقيقي الذين يثبتون في وجه الشدائد، فلا تقام الدول، ولا تبنى الأمم إلا على أكتاف الثابتين الصادقين في إيمانهم ويقينهم بربهم؛ فالأيدي المرتعشة، والقلوب المهزوزة لا تقوى على البناء، كما أنّ الله تعالى قادر على أن ينصر أهل االإيمان، لكن له في ذلك حكم، منها كما يقول تعالى: ]وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ[ [محمد: 4]، ومنها كمتا قال عزّ وجلّ: ]إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ[ [آل عمران: 140: 142]. فلمّا عاد الرسول وحكى للناس في مكّة، ثبت من ثبت، واهتزّ إيمانُ من اهتزّ؛ «فَارْتَدَّ نَاسٌ مِمَّنْ كَانَ آمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ»؛ لأنّ الهجرة قادمة، ومعارك طاحنة ستأتي فلن يثبت لها إلا الصادقون في الإيمان واليقين. وتلك حكمة الله من البلاء، ودورنا أن ندعو الله تعالى أن يثبتنا بقولنا: «يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» [سنن الترمذي: حديث رقم (2140)، ج4، ص448، وقال عنه الشيخ شاكر والألباني: صحيح].
ثامنًا: من المحنة تولد المنحة، ومن باطن الألم يتولّد الأمل:
إنّ سنة الله في الحياة الابتلاء، وقد سبق بيان الحكمة في وجود الابتلاءات، إلا أنّ المؤمن الصادق، يريى من وراء الشدة فرجًا، ومع العسر يسْرًا، ومن باطن المحنة تولد المنحة، اشتدت برسول الله الشدائد، لكنه لم ييأس، ولم ينس أنَّ له ربًّا قادرًا يقدّر المقادير، ويأذن بفرجه في الوقت الذي يريد لا في الوقت الذي نريد.
كانت الإسراء والمعراج منحة في ثنايا المحنة، بعد آلام الاضطهاد والتعذيب والحصار، يأتي الفرج بنداء النبي صلى الله عليه وسلّم لرؤية مظاهر قدرة الله تعالى، وكانت بمثابة تربية ربانية رفيعة المستوى لنبينا صلى الله عليه وسلّم.
وحتى يعود الأمل إلى القلوب من جديد علينا بالآتي:
الإيمان اليقيني بقدرة الله، وانتظار فرجه فانتظار الفرج عبادة.
الدعاء واللجوء إليه واليقين بالاستجابة. ]أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ[ [النمل: 62].
الهُرُوع إلى الصلاة والسكن إلى المولى.
التركيز على الإيجابيات لا السلبيات من المحن.
صُحبة أهل الأمل والتفاؤل لا أهل اليأس والتشاؤم.
القراءة في سِيَر التاريخ، والنظر في نهاية الابتلاءات.
تاسعًا: معراج المؤمن ... هدية السماء إلى الأرض... الصلاة
إنّها الصلاة: غرّة الطاعات، ورأس القربات، وعماد الدين، وعصام اليقين، لقد أراد الله تعالى أن يكرّم هذه الأمة بمعراج إليه سبحانه، بالصلاة...
الصلاة التي بها يرتفع قدر العبد عند ربه، النبي يأسى ويتعب وتمتلأ حياته بالتعب والنصب، حتى بلغ السماء ليأتيك بهدية عظيمة من الله (الصلاة). ]فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا[ [النساء: 103].
عاشرًا: مكانة المسجد الأقصى وواجبنا نحوه.
سيظلّ المسجد الأقصى -بحول الله وقوته- هو الشوكة التي تقف في حلوق الظالمين والمغتصبين، وسيظل علامة بارزة على قيادة هذه الأمة لكل الأمم، وأنه حق للمسلمين لا يشترى ولا يباع، ولا يتم المساومة عليه.
إنه منذ أعلنت الصلاة فيه لجميع الأنبياء، أعلن معه أن الصراع بين المسلمين والصهاينة واليهود صراع عقيدة: وها هو نبينا يلخص المشهد؛ ففي الحديث الصحيح: [لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر والشجر، فينطق الله الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر: يا مسلم! يا عبد الله! ورائي يهودي تعال فاقتله! قال المصطفى: إلا الغرقد فإنه من شجر يهود].
ووجب على كل مسلم أن ينتبه؛ فاليهود اليوم أشد قسوة وغلظة من يهود الأمس، فاليوم حفريات واضطهادات، واعتقالات للمسلمين والمرابطين في بيت المقدس، وانتهاكات للمتطرفين، بمساندة جيش الصهاينة المعتدين.
يلزم علينا نشر القضية، وإيقاظها في نفوس أبنائنا وبناتنا، وإخبارهم بأنّ بيت المقدس هو بيت كل المسلمين، وليس خاصا بالفلسطينيين، وألا يستمعوا إلى كلام المرجفين، الذين يتحدثون عن أن الفلسطينيين هم من ضيعوه؛ لأنه مسؤولية كل مسلم وإن ضيعها أحد.
ومقاطعة العدو اقتصاديا واجتماعيًّا وإعلاميًّا ضرورة وفريضة، كما أنه يلزم الدعاء واللجوء إلى الله في كل حين بأن ينصر وأن يحرر بيت المقدس، ولربما دعوة في جوف الليل بين قلب مخلص، وبين الربّ العليّ، ترد كيد دبابة أو طائرة أو تمنع معتد من الاعتداء على عرض أو شرف.

ولقد شاهد النبي صلى الله عليه وسلم مشاهد عظيمة تعالج قضايا اجتماعية وأخلاقية في صميم المجتمع؛ فهي أمراض تهدد كيان الحياة، ومنها: [عقوبة جريمة الغيبة والنميمة، عقوبة أكلة أموال اليتامى، عقوبة خطباء الفتنة وعلماء السوء، عقوبة أكلة الربا، ومانعي الزكاة، وخطباء الفتنة، والتهاون في الأمانة،....]. ولأن هناك دولة ستُبْنَى، فلا بد من الحذر من هذه الأخلاقيات؛ فمثلها لا تبني ولكن تهدم..

نسأل الله تعالى أن يحفظ بلادنا وبلاد الإسلام والمسلمين، وأن يجنبنا ومصرنا وأمتنا الفتن ما ظهر منها وما بطن. وأن يأذن بتحرير المسجد الأقصى.

اضافة تعليق