القيرواني .. إمام المذهب المالكي في عصره

الخميس، 28 مارس 2019 06:20 م
القيرواني
مدرسة القيرواني لتحفيظ القرآن الكريم في تونس

قال عنه القاضي عياض : حاز رئاسة الدين والدنيا ، ورحل إليه من الأقطار ونجب أصحابه ، وكثر الآخذون عنه ، وهو الذي لخص المذهب ، وملأ البلاد من تواليفه ، تفقه بفقهاء القيروان، وعول على أبي بكر بن اللباد الإمام.
إنه العلامة، القدوة، الفقيه، عالم أهل المغرب، أبو محمد، عبد الله بن أبي زيد، القيرواني، أحد أشهر أئمة المذهب المالكي ـ رحمه الله تعالى.
ولد هذا الإمام الجليل بمدينة القيروان في تونس سنة 310هـ / 922 - 923م على الراجح. ويستبعد ما ذهب إليه بعض مترجميه من أنه ولد بنفزاوة، وأن ولادته كانت سنة 313هـ أو سنة 316هـ، لإجماع أغلب المترجمين على ولادته بالقيروان، ولأن فيهم من ذكر أن تأليفه ل"الرسالة الفقهية" كان سنة 327هـ وعمره إذاك سبع عشرة سنة.
وكانت نشأته ودراسته بالقيروان، وهي في عصره وارثة تراث العلوم الشرعية، تحتضن كثيرا من أعلام المذهب المالكي، وتخضع لسلطان العبيديين، ثم لسلطان بني زيري الصنهاجيين الذين بدأ حكمهم عندما انتقل أبو تميم المعز إلى مصر سنة 362هـ / 973م، واستخلف بلكين يوسف بن زيري بن مناد الصنهاجي. تلقّى ابن أبي زيد العلم بجامع عقبة بن نافع وبغيره من الأماكن كالبيوت الخاصّة حيث يُلقي شيوخ القيروان دروسهم في مختلف فنون العلم.
 وكان من أشهر شيوخه:
- أبو الفضل العباس بن عيسى الممّسي (نسبة إلى قرية ممس بإفريقية) وهو فقيه فاضل يجيد الجدل والمناظرة (ت 333هـ / 945م).
أبو سليمان ربيع بن عطاء اللّه بن نوفل القطان، من الفقهاء النساك، متبحر في علوم القرآن والحديث.
- أبو بكر محمد بن محمد بن اللباد القيرواني، وهو حافظ جمّاع للكتب مع حظّ وافر من الفقه وكان ابن أبي زيد ملازما له مختصا به.
- أبو العرب محمّد بن أحمد التّميمي القيرواني المؤرخ الشهير وهو ثقة صالح عالم بتراجم الرجال.
-أبو عبد اللّه محمد بن مسرور العسال الشهير بعلمه وصلاحه.
أبو العباس عبد اللّه بن أحمد بن ابراهيم بن إسحاق الأبّياني، عالم إفريقية في زمانه وحافظ المذهب بها.
-حبيب مولى أبي سليمان بن الربيع، وهو فقيه عابد يميل إلى الحجة.
أبو ميمونة دراس بن إسماعيل الجروي، عالم فاس وناشر المذهب المالكي بالمغرب الأقصى وقد نزل بالقيروان عند أبي زيد فاستفاد منه، وروى عنه كتاب "الموازية".
-أبو محمد عبد اللّه بن محمد بن مسرور التجيبي المعروف بابن الحجام القيرواني، وهو محدث فقيه جمّاع للكتب مصنّف في أنواع العلوم.
وسمع ابن أبي زيد من كثير من الرواة أمثال: الحسن بن نصر السوسي، وعثمان بن سعيد الغرابلي، وحبيب بن أبي حبيب الجزري. ولابن أبي زيد رحلة مشرقيّة، أدّى فيها فريضة الحج، وسمع فيها من بعض الأعلام، مثل ابن الأعرابي وإبراهيم بن محمد بن المنذر وأبي علي بن أبي هلال وأحمد بن إبراهيم ابن حماد القاضي. وكانت له عناية بالرّواية والاسناد.
 وقد أجازه بعض مشاهير عصره في مراكز علمية مختلفة، منهم أبو إسحاق محمد بن شعبان المالكي المصري، وأبو بكر محمد بن عبد اللّه الأبهري المالكي العراقي وأبو زيد المروزي وأبو سعيد بن الأعرابي. وأسانيده عالية في ما رواه من الأحاديث ومن الكتب الفقهية التي تعد من أمّهات المذهب وقد اعتمدها في كتابه "النوادر والزيادات" الذي ذكر في مقدّمته سنده إلى مؤلّفيها.

مكانة أبي زيد القيرواني
 يعتبر القيرواني من كبار فقهاء المذهب المالكي، وكان إمام المذهب في عصره، ويتميّز بأنّه جامعه، ومفسر أقواله، كما أنّه تميّز بقدرته على الحفظ، وكثرة روايته، وفصاحة لسانه، وقد شهد له الكثير من العلماء بمكانته العلمية المرموقة، فقد قال عنه: (كان إمام المالكية في وقته، وقدوتهم، جامع مذهب مالك وشارح أقواله، وكان واسع العلم كثير الحفظ والرواية، وكتبه تشهد له بذلك، فصيح اللسان ذا بيان ومعرفة مما يقوله... لخص المذهب، وملأ تأليفه البلاد)، وقد قال عنه الحجوي في كتابه الفكر السامي: (يعتبر من الطبقة العالية من المؤلفين، وعندي أنه أحق من أن يصدق عليه حديث يبعث الله لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها).
وقيل : إنه صنع " رسالته " المشهورة وله سبع عشرة سنة . 
وكان مع عظمته في العلم والعمل ذا بر وإيثار وإنفاق على الطلبة وإحسان . 

مؤلفات أبي زيد القيرواني
ألف القيرواني الكثير من الكتب، والرسائل في العديد من الموضوعات كالفقه، وأصول التوحيد، وفي موضوعات الرد على المخالفين للسنة، وغيرها، وقد بلغت مؤلفاته حوالي أربعين مصنفاً مقسمة كالآتي: " النوادر والزيادات " في نحو المائة جزء ، واختصر " المدونة " ، وعلى هذين الكتابين المعول في الفتيا بالمغرب ، وصنف كتاب " العتبية " على الأبواب ، وكتاب " الاقتداء بمذهب مالك " ، وكتاب " الرسالة " وكتاب " الثقة بالله والتوكل على الله " ، وكتاب " المعرفة والتفسير " وكتاب " إعجاز القرآن " ، وكتاب " النهي عن الجدال "
الرسائل: من أهم رسائله: رسالة إعطاء القرابة من الزكاة، في أصول التوحيد، إلى أهل سجلماسة في تلاوة القرآن، في النهي عن الجدل، في الرد على القدرية ومناقضة رسالة البغدادي المعتزلي، الموعظة الحسنة لأهل الصدق
وللقيرواني مؤلفات أخرى لا زالت موجودة على شكل مخطوطات في الخزانات الأوروبية، والمغربية، والتركية.

وقال القاضي عياض عنه: حاز رئاسة الدين والدنيا ، ورحل إليه من الأقطار ونجب أصحابه ، وكثر الآخذون عن الإمام القيرواني ، وهو الذي لخص المذهب ، وملأ البلاد من تواليفه ، تفقه بفقهاء القيروان ، وعول على أبي بكر بن اللباد . وأخذ عن : محمد بن مسرور الحجام ، والعسال ، وحج ، فسمع من أبي سعيد بن الأعرابي ، ومحمد بن الفتح ، والحسن بن نصر السوسي ، ودراس بن إسماعيل ، وغيرهم . 

وسمع من الإمام القيرواني خلق كثير منهم : الفقيه عبد الرحيم بن العجوز السبتي ، والفقيه عبد الله بن غالب السبتي وعبد الله بن الوليد بن سعد الأنصاري وأبو بكر أحمد بن عبد الرحمن الخولاني . 

وصنف الإمام القيرواني كتب : " النوادر والزيادات " في نحو المائة جزء ، واختصر " المدونة " ، وعلى هذين الكتابين المعول في الفتيا بالمغرب ، وصنف كتاب " العتبية " على الأبواب ، وكتاب " الاقتداء بمذهب مالك " ، وكتاب " الرسالة " وكتاب " الثقة بالله والتوكل على الله " ، وكتاب " المعرفة والتفسير " وكتاب " إعجاز القرآن " ، وكتاب " النهي عن الجدال " ، ورسالته في الرد على القدرية ، ورسالته في التوحيد ، وكتاب " من تحرك عند القراءة " . 

ولما توفي الإمام القيرواني رحمه الله رثاه عدة من الشعراء ،وقال أبو إسحاق الحبال : مات ابن أبي زيد لنصف شعبان سنة تسع وثمانين وثلاثمائة ، وأرخ موته القاضي عياض وغيره في سنة ست وثمانين وثلاثمائة .

اضافة تعليق