أسلم فأسلمت الأنصار.. ومات فاهتزّ له عرش الرحمن

الأربعاء، 27 مارس 2019 12:15 م
أسلم فأسلمت الأنصار.. ومات فاهتز عرش الرحمن


كان إسلامه فتحًا جديدًا للمسلمين في المدينة، فقد كان سيدًا مطاعًا في قومه، لا يقطعون أمرًا دونه، فحينما أشهر إسلامه، طلب منهم الدخول في الإسلام، دخلوا معه، وصار المسلمون قوة كبيرة في دولة المدينة الناشئة في ذلك الوقت بسبب إسلام "الأوس"، وسيدهم "سعد بن معاذ".

بعث الرسول صلى الله عليه وسلم "مصعب بن عمير" سفيرًا إلى المدينة قبل الهجرة، ليعلّم من دخل الإسلام أمر دينه، فنزل على "أسعد بن زرارة " فأخذه يريد به دار بني عبدالأشهل، ودار بني ظفر-  موطن الأوس-.

وكان سعد بن معاذ، ابن خالة أسعد بن زرارة، فدخل به حائطًا من حوائط بني ظفر فجلسا فيه، واجتمع إليهما رجال ممن أسلم، وسعد بن معاذ، وأسيد بن حضير يومئذ سيدا قومهما من بني عبدالأشهل، وكلاهما مشرك على دين قومه.

 فلما سمعا به قال سعد بن معاذ لأسيد بن حضير: لا أبًا لك، انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارنا ليسفّها ضعفاءنا، فازجرهما وانههما عن أن يأتيا دارنا، فإنه لولا أن أسعد بن زرارة مني حيث قد علمت كفيتك ذلك، فهو ابن خالتي ولا أستطيع القدوم عليه.

 قال: فأخذ أسيد بن حضير حربته، ثم أقبل إليهما، فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب بن عمير: هذا سيد قومه فاصدق الله فيه، قال مصعب: إن يجلس أكلمه.

قال: فوقف عليهما شاتماً، قال: ما جاء بكما إلينا تسفّهان ضعفاءنا؟ اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة، فقال له مصعب: أو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمرًا قبلته وإن كرهته كف عنك ما تكره؟

 فقال: أنصفت، ثم ركزّ حربته وجلس إليهما، فكلمه مصعب بالإسلام وقرأ عليه القرآن.

 فقالا فيما يذكر عنهما: والله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم به في إشراقه وتسهله، ثم قال: ما أحسن هذا الكلام وأجمله! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ قالا له: تغتسل فتطهر وتطهر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلي.

 فقام فاغتسل وطهّر ثوبيه وتشهّد بشهادة الحق، ثم قام فصلى ركعتين، ثم قال لهما: إن ورائي رجلاً إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه، وسأرسله إليكما الآن: سعد بن معاذ، ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد وقومه، وهم جلوس في ناديهم.

 فلما نظر إليه سعد بن معاذ مقبلاً، قال: أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلما وقف على النادي قال له سعد: ما فعلت؟

قال: كلمت الرجلين فوالله ما رأيت بهما بأساً وقد نهيتهما فقالا: نفعل ما أحببت، وقد حدثت أن بني حارثة قد خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه، وذلك أنهم قد عرفوا أنه ابن خالتك ليضيعوا قدرك بين الناس.

 قال: فقام سعد مغضبًا مبادرًا تخوفًا للذي ذكر له من أمر بني حارثة، فأخذ الحربة من يده، ثم قال: والله ما أراك أغنيت شيئًا، ثم خرج إليهما، فلما رآهما مطمئنين عرف سعد أن أسيدًا إنما أراد أن يسمع منهما.

 فوقف عليهما شاتمًا، ثم قال لأسعد بن زرارة: يا أبا أمامة أما والله لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني، أتغشانا في دارنا بما نكره؟

 وقد قال أسعد بن زرارة لمصعب بن عمير: أي مصعب: جاءك والله سيد من وراءه من قومه إن يتبعك لا يتخلف عنك منهم اثنان.

قال: فقال له مصعب: أو تقعد فتسمع؟ فإن رضيت أمرًا ورغبت فيه قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره؟.

 قال سعد: أنصفت. ثم ركز الحربة وجلس، فعرض عليه الإسلام وقرأ عليه القرآن.

قالا: فعرفنا والله في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم لإشراقه وتسهله، ثم قال لهما: كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين؟ قالا: تغتسل فتطهر وتطهر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلي ركعتين.

 ثم أخذ حربته فأقبل عامدًا إلى نادي قومه ومعه أسيد بن حضير، فلما رآه قومه مقبلاً، قالوا: نحلف بالله لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم.

فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا رأيًا وأيمننا نقيبة.

 قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله.

 قال: فو الله ما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلما أو مسلمة، حاشا الأصيرم وهو عمرو بن ثابت بن وقش فإنه تأخر إسلامه إلى يوم أحد فأسلم واستشهد ولم يسجد لله سجدة، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه من أهل الجنة.

ورجع سعد ومصعب إلى منزل أسعد بن زرارة، فأقاما عنده يدعوان الناس إلى الإسلام، حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون ومسلمات.

 وصار سعد بن معاذ من عظماء الصحابة رضي الله عنهم، وعندما توفي عقب رمية بسهم في غزوة الأحزاب، اهتزّ لموته عرش الرحمن، وهو الذي حكم في يهود بني قريظة، فوافق حكمه حكم الله من فوق سبع سماوات.

اضافة تعليق