قصة "الأرض المقدسة".. ماذا فعل بنو إسرائيل ليعاقبهم الله بالتيه في الأرص 40عامًا؟

الأربعاء، 27 مارس 2019 10:20 ص
قصة الأرض المقدسة..تمرد جديد لليهود


قصّ القرآن الكثير من أحوال ووقائع بني إسرائيل مع أنبيائهم، خاصة ما كان في عصر الرسالة الأولى مع كليم الرحمن "موسى" عليه السلام، حتى لا تقع الأمة المحمدية فيما وقع فيه بنو إسرائيل.

ومن أشهر تلك القصص التي ورددت في القرآن قصة" الأرض المقدسة"، وما وقع لبني إسرائيل في صحراء التيه، وتعنتهم مع نبيهم موسى عليه السلام.

هذه القصة تضمنت تقريع اليهود وبيان فضائحهم، ومخالفتهم لله ولرسوله ونكولهم عن طاعتهما، فيما أمرهم به من الجهاد، فضعفت أنفسهم عن مصابرة الأعداء ومجالدتهم، ومقاتلتهم، مع أن بين أظهرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكليمه، وصفيه من خلقه في ذلك الزمان، وهو يعدهم بالنصر والظفر بأعدائهم.

وقد شاهدوا ما أحل الله بعدوهم فرعون من العذاب والنكال والغرق له ولجنوده في اليم، وهم ينظرون لتقر به أعينهم وما بالعهد من قدم، ثم ينكلون عن مقاتلة أهل بلد هي بالنسبة إلى ديار مصر لا توازي عشر المعشار في عدة أهلها وعددهم.


فظهرت قبائح صنيعهم للخاص والعام، وافتضحوا فضيحة لا يغطيها الليل، ومع ذلك فهم في جهلهم يعمهون، وفي غيهم يترددون، وهم البغضاء إلى الله وأعداؤه، ويقولون مع ذلك: "نحن أبناء الله وأحباؤه".

والقصة كما حكاها القرآن، حيث أخبر سبحانه وتعالى تعالى عن عبده ورسوله وكليمه موسى بن عمران عليه السلام، فيما ذكر به قومه نعم الله عليهم وآلاءه لديهم، في جمعه لهم خير الدنيا والآخرة لو استقاموا على طريقتهم المستقيمة، فقال تعالى: "وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء".

أي: كلما هلك نبي قام فيكم نبي، من لدن أبيكم إبراهيم وإلى من بعده، وكذلك  كانوا، لا يزال فيهم الأنبياء يدعون إلى الله ويحذرون نقمته، حتى ختموا بعيسى، عليه السلام، ثم أوحى الله تعالى إلى خاتم الرسل والأنبياء على الإطلاق محمد بن عبد الله، المنسوب إلى إسماعيل بن إبراهيم، عليه  السلام، وهو أشرف من كل من تقدمه منهم صلى الله عليه وسلم.

وقوله: "وجعلكم ملوكًا" قال: الخادم والمرأة والبيت.

وعن ابن عباس قال: المرأة والخادم، "وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين"، قال: "الذين هم بين ظهرانيهم يومئذ".

وقال ميمون بن مهران، عن ابن عباس قال: كان الرجل من بني إسرائيل إذا كان له الزوجة والخادم والدار سمي ملكا.

وسأل رجل عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟

 فقال عبد الله: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم. قال: ألك مسكن تسكنه؟ قال: نعم. قال: فأنت من الأغنياء. فقال: إن لي خادمًا،  قال فأنت من الملوك.

وقال الحسن البصري: هل المُلْك إلا مركب وخادم ودار؟

وقوله: "وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين" يعني عالمي زمانكم، فكأنهم  كانوا أشرف الناس في زمانهم، من اليونان والقبط وسائر أصناف بني آدم، كما قال: "ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين".

والمقصود: أنهم كانوا أفضل أهل زمانهم، وإلا فهذه الأمة أشرف منهم، وأفضل عند الله، وأكمل شريعة، وأقوم منهاجًا، وأكرم نبيًا، وأعظم ملكًا، وأغزر أرزاقًا، وأكثر أموالاً وأولادًا، وأوسع مملكة، وأدوم عزا، قال الله عز وجل: "كنتم خير أمة أخرجت للناس"، وقال "وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس".

ثم قال تعالى مخبرًا عن تحريض، موسى عليه السلام، لبني إسرائيل على الجهاد والدخول إلى بيت المقدس، الذي كان بأيديهم في زمان أبيهم يعقوب، لما ارتحل هو وبنوه وأهله إلى بلاد مصر أيام يوسف عليه السلام.

ثم لم يزالوا بها حتى خرجوا مع موسى عليه السلام فوجدوا فيها قوما من العمالقة الجبارين، قد استحوذوا عليها وتملكوها، فأمرهم رسول الله موسى، عليه السلام، بالدخول إليها، وبقتال أعدائهم، وبشرهم بالنصرة والظفر عليهم.

فنكلوا وعصوا وخالفوا أمره، فعوقبوا بالذهاب في التيه والتمادي في سيرهم حائرين، لا يدرون كيف يتوجهون فيه إلى مقصد، مدة أربعين سنة، عقوبة لهم على تفريطهم في أمر الله تعالى، فقال تعالى مخبرًا عن موسى أنه قال: "يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة" أي: المطهرة.

وقال ابن عباس: هي الطور وما حوله.

وقوله تعالى: "التي كتب الله لكم" أي: التي وعدكموها الله على لسان أبيكم إسرائيل: أنه وراثة من آمن منكم. "ولا ترتدوا على أدباركم" أي: ولا تنكلوا عن الجهاد "فتنقلبوا خاسرين".. "قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون".

أي: اعتذروا بأن في هذه البلدة -التي أمرتنا بدخولها وقتال أهلها-قوما جبارين، أي: ذوي خلق هائلة، وقوى شديدة، وإنا لا نقدر على مقاومتهم ولاجهادهم، ولا يمكننا الدخول إليها ما داموا فيها، فإن يخرجوا منها دخلناها وإلا فلا طاقة لنا بهم.

وروي أن موسى عليه السلام أمر أن يدخل مدينة الجبارين. قال: فسار موسى بمن معه حتى نزل قريبا من المدينة -وهي أريحا-فبعث إليهم اثني عشر عينًا، من كل سبط منهم عين، ليأتوه بخبر القوم.

قال: فدخلوا المدينة فرأوا أمرًا عظيمًا من هيئتهم وجثثهم  وعظمهم، فدخلوا حائطا لبعضهم، فجاء صاحب الحائط ليجتني الثمار من حائطه، فجعل يجتني الثمار، وينظر  إلى آثارهم، فتتبعهم  فكلما أصاب واحدا منهم أخذه فجعله في كمه مع الفاكهة، حتى التقت الاثني عشر كلهم، فجعلهم في كمه مع الفاكهة، وذهب إلى ملكهم فنثرهم بين يديه فقال لهم الملك: قد رأيتم شأننا وأمرنا، فاذهبوا فأخبروا صاحبكم. قال: فرجعوا إلى موسى، فأخبروه بما عاينوا من أمرهم.

وعن ابن عباس: لما نزل موسى وقومه، بعث منهم اثني عشر رجلا - وهم النقباء الذين ذكر الله، فبعثهم ليأتوه بخبرهم، فساروا، فلقيهم رجل من الجبارين، فجعلهم في كسائه، فحملهم حتى أتى بهم المدينة، ونادى في قومه فاجتمعوا إليه، فقالوا: من أنتم؟ قالوا: نحن قوم موسى، بعثنا نأتيه بخبركم.

 فأعطوهم حبة من عنب تكفي الرجل، فقالوا لهم: اذهبوا إلى موسى وقومه فقولوا لهم: اقدروا قدر فاكهتهم  فلما أتوهم قالوا: يا موسى، "فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون"

وقوله: "قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما" أي: فلما نكل بنو إسرائيل عن طاعة الله ومتابعة رسول الله موسى، عليه السلام، حرضهم رجلان لله عليهما نعمة عظيمة، وهما ممن يخاف أمر الله ويخشى عقابه.

ويقال: إنهم لما نكلوا على الجهاد وعزموا على الانصراف والرجوع إلى بلادهم، سجد موسى وهارون، عليهما السلام، قدام ملأ من بني إسرائيل، إعظاما لما هموا به، وشق "يوشع بن نون" و "كالب بن يوفنا" ثيابهما ولاما قومهما على ذلك، فيقال: إنهم رجموهما، وجرى أمر عظيم وخطر جليل.

ومن المفارقات العجيبة ما أحسن ما أجاب به الصحابة، رضي الله عنهم  يوم بدر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استشارهم في قتال النفير، الذين جاءوا لمنع العير الذي كان مع أبي سفيان، فلما فات اقتناص العير، واقترب منهم النفير.

 فتكلم أبو بكر، رضي الله عنه، فأحسن، ثم تكلم من تكلم من الصحابة من المهاجرين ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أشيروا علي أيها المسلمون". وما يقول ذلك إلا ليستعلم ما عند الأنصار؛ لأنهم كانوا جمهور الناس يومئذ.

 فقال سعد بن معاذ - رضي الله عنه- كأنك تعرض بنا يا رسول الله، "فوالذي  بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، وما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا، إنا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقرّ به عينك، فسر بنا على بركة الله فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد، ونشطه ذلك.

وروي أيضًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سار إلى بدر استشار المسلمين، فأشار إليه عمر، ثم استشارهم فقالت الأنصار: يا معشر الأنصار إياكم يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالوا: إذا لا نقول له كما قالت  بنو إسرائيل لموسى: "فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون"،  والذي بعثك بالحق لو ضربت أكبادها إلى برك الغماد لاتبعناك.

وقوله تعالى:" فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين".

لما دعا عليهم موسى، عليه السلام، حين نكلوا عن الجهاد حكم الله عليهم بتحريم دخولها قدرا مدة أربعين سنة، فوقعوا في التيه يسيرون دائما لا يهتدون للخروج منه، وفيه كانت أمور عجيبة، وخوارق كثيرة، من تظليلهم بالغمام وإنزال المن والسلوى عليهم، ومن إخراج الماء الجاري من صخرة صماء تحمل معهم على دابة، فإذا ضربها موسى بعصاه انفجرت من ذلك الحجر اثنتا عشرة عينا تجري لكل شعب عين، وغير ذلك من المعجزات التي أيد الله بها موسى بن عمران.

 وهناك أنزلت التوراة، وشرعت لهم الأحكام، وعملت قبة العهد، ويقال لها: قبة الزمان.

فتاهوا في الأرض أربعين سنة، يصبحون كل يوم يسيرون ليس لهم قرار، ثم ظلل عليهم الغمام في التيه، وأنزل عليهم المن والسلوى ، ثم كانت وفاة هارون، عليه السلام، ثم بعده بمدة ثلاثة سنين مات موسى الكليم، عليه السلام، وأقام الله فيهم "يوشع بن نون" عليه السلام، نبيًا خليفة عن موسى بن عمران، ومات أكثر بني إسرائيل هناك في تلك المدة، ويقال: إنه لم يبق منهم أحد سوى "يوشع" و "كالب".

وقوله تعالى: "فلا تأس على القوم الفاسقين" تسلية لموسى، عليه السلام، عنهم، أي: لا تتأسف ولا تحزن عليهم فمهما حكمت عليهم، به فإنهم يستحقون ذلك.

اضافة تعليق