من أسرار مقام إبراهيم عليه السلام

​م . وليد متولي الثلاثاء، 26 مارس 2019 07:42 م
وليد متولي


هل لنا أن نتساءل ما الذي دعا الفاروق عمر رضي الله عنه أن يطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتخذ من مقام إبراهيم مصلى؟.. من خلال هذه السطور القادمة نحاول تجلية ما قد نظن أنه وراء هذا الدافع، وذلك من خلال ما أفاض به القرآن الكريم من ملامح شخص ذلك النبي الكريم خليل الرحمن إبراهيم .

 وفي البداية نحب أن نحلق في معنى "الخُلة": ".. الخَلل: منفرج ما بين كل شيئين.. والجمع خِلال.. وقال اللحياني: جلسنا خلال الحيٍّ وخلال دُور القوم؛ أي جلسنا بين البيوت ووسط الدور.. وأصله من إدخال الشيء في خلال الشيء.. قال الزجاج: الخُلة بالضم: الصداقة والمحبة التي تخللت القلب فصارت خلاله؛ أي في باطنه. والخليل الصديق, فعيل بمعنى فاعل, وقد يكون بمعنى مفعول، قال: وإنما قال ذلك لأن خُلته كانت مقصورة على حب الله تعالى, فليس فيها لغيره متسع، ولا شركة من محاب الدُنيا والآخرة..". ويقول القرطبي: ".. وإبراهيم كان مُحبا لله وكان محبوبا لله .." ، "وقيل معنى الخليل الذي يوالي في الله ويعادي في الله .." ، "ومعنى اتخاذ الله إبراهيم خليلا: شدة رضا الله عنه, وقد علم كل أحد أن الخُلة الحقيقية تستحيل على الله, فأُريد لوازمها, وهي الرضا - والحب والتأييد والنصر - واستجابة الدعوة وذكره بخير ونحو ذلك".
والآن بعد تعرفنا على معنى الخُلة بين الآدميين, وما يجوز منها في وصف الله تعالى بها, نرى على هدي نور بعض آيات الذكر الحكيم بعض ملامح هذه الشخصية العظيمة, ففي قوله تعالى: ( إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون * قالوا وجدنا ءَابآءَنا لها عابدين * قال لقد كنتم أنتم وءابآؤكم في ضلال مبين * قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين * قال بل ربُّكم ربُّ السموات والأرض الذي فطرهُنَّ وأنا على ذلكم من الشاهدين) الأنبياء 52-56.       
وفي قوله تعالى:(قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضُركم* أُف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون) (الأنبياء:66-67).   
فإننا نرى موقفه في طاعة ربه بدعوة قومه إلى الله رب العالمين, وأنه أراد أن يبين لهم أن هذه الأصنام - التي يتخذونها آلهة - مجرد حجارة لا تدفع عن نفسها أي شر، فكيف تدفع عنهم الشر الذي يحذرونه, وتجلب لهم النفع الذي يرجونه: (وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون* إنما تعبدون من دون الله أوثانًا وتخلقون إفكًا إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه تُرجعون) (العنكبوت 16-17).
 فقام بتحطيم هذه الأصنام لإظهار ذلك لهم، فهاج عليه قومه، وأرادوا حرقه حيّا عقابا له على ما فعل, وأوقدوا له نارًا عظيمة, من شدة وهجها كانت تؤذي من يقترب منها, فوضعوه في منجنيق ليلقوه فيها:( قالوا حرِّقوه وانصروا ءالهتكُم إن كنتم فاعلين) الأنبياء 68.
وكان صلى الله عليه وسلم في رسوخه على إيمانه بربه وطاعة أمره أعظم من رسوخ الجبل الأشم في مواجهة الريح العاتية, فحياته شيء يسير يقدمها في سبيل ربه, والدعوة إليه, مع عظم ظنه بربه.
" .. وقد رُوي أنه لما رُمي بالمنجنيق وصار في الهواء آتاه جبريل, فقال: ألك حاجة فقال: أما إليك فلا..".   
وهذا هو حسن ظن الخليل بخليله في أنه لا يخذله, ولا يضيعه بل يواليه وينصره. وهذا ما كان من الرحمن جل جلاله, أن أمر النار:( قُلنا يا نار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم* وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين) الأنبياء 69-70.  فكانت فقط بردًا وسلامًا على خليله إبراهيم, وحارقة مهلكة لغيره؛ لينصره نصرا بلغ في أنفس أعدائه مبلغا لا يدع شعورا بالهزيمة, والخزي, والانكسار إلا وذاقته, وهم  يرونه u في وسط هذه النيران حيّا يتحرك بلا أدنى أذى منها.
ونرى موقفا آخر يتجلى فيه حب الآمر وطاعته سبحانه أكثر من أي حب حتى لو كان أشد التصاقا بالنفس من حبها لنفسها ألا وهو حب الابن، فقد برهن الخليل عليه الصلاة والسلام على ذلك بأن أقبل على ذبح ابنه وحيده الذي طال اشتياقه له, التزاما بتنفيذ أمر ربه الذي جاءه في المنام: (رب هب لي من الصالحين* فبشرناه بغُلام حليم* فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبتِ افعل ما تُؤمر ستجدُني إن شاء الله من الصابرين) 100-102.
وقد مدح الله خليله في هذه الطاعة في قوله:(وناديناه أن يا إبراهيم* قد صدقت الرّؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين* إن هذا لهو البلاء المُبين) الصافات: ١٠٤ – ١٠٦.
 وبهذا كله وغيره كان موقفه u تجاه اختيار الله له ليرفع قواعد بيت الله الحرام في الأرض ليتجه إليه الناس في مشارق الأرض ومغاربها في الصلاة بعد أن اختفت - هذه القواعد - تحت سطح الأرض بعد حدوث الطوفان أيام نوح .
فما كان مطلوبا منه إلا رفع القواعد لتكون ظاهرة بالارتفاع الذي يكون عند أقصى متناول يديه. ولكن الحب للآمر وهو الله، وما ينسب إليه وهو البيت الحرام وما يُضّفيه ذلك النسب من تعظيم للبيت؛ جعله يُبالغ في اجتهاده بإظهار هذا المعنى من خلال زيادة ارتفاع جدرانه؛ بأن أتى بحجر ليرتقي عليه ليزيد في الارتفاع, وهذا الحجر هو ما يُسمى بمقام إبراهيم الذي قام عليه لرفع الجدر, فجعل الله سبحانه وتعالى له في هذا المقام آية, وهي أنه ألان الحجر تحت قدميه لتغوص فيه بما يجعلها ثابتة لا تنزلق، فانطبع الحجر بآثار أصابع قدميه الشريفة.
ومن هنا كان المقام رمزا وإشارة إلى هذه المعاني السامية الدالة على حب الإنسان لله خالقه, والإيمان به, والاجتهاد في طاعة أوامره وأدائها على أكمل وجه؛ ثقة في أن هذه الأوامر والنواهي إنما يعود نفعها على الإنسان وحده بما فيها من دعوة إلى كل ما فيه خير ودفع لما فيه شر، سواء علم هذا الخير أو الشر أو لم يعلمهما.
وهذا ما كان بين الخليل وخليله في مقابلة الحب والطاعة من إبراهيم بالحب والتأييد بالنصر من الله سبحانه..
وتلك المعاني قد تكون السبب وراء أمر الله تعالى نبيه في نقل المقام، ووضعه على قربٍ ظاهرٍ من باب الكعبة الشريفة - والله أعلى وأعلم - ليكون ماثلا أمام أعين الناس وقلوبها لتتذكر على الدوام تلك المعاني؛ ليرتقوا بها، وينصلح حالهم في الدنيا والآخرة.
وكان إيمان عمر رضي الله عنه استجابة لدعوة النبي الكريم بأن يُعز الله الإسلام بأحد العمرين, فكان هو . وقد يكون مجيء هذا الأمر وهو: الاتخاذ من مقام إبراهيم مصلى موافقا لطلب عمر ؛ ليجعله الله تعالى مرة أخرى أيضا سببا في عز أمة الاسلام من خلال ظهور هذه المعاني أمام أعين المسلمين على الدوام للأخذ بها. قال تعالى: (قُلْ صَدَقَ اللَّهُ ۗ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) آل عمران 95.

اضافة تعليق