"البينة على من ادعى".. مبدأ نبوي للفصل في القضايا والنزاعات

السبت، 23 مارس 2019 11:24 ص
البينة على من ادعى


"البينة على من ادعى واليمين على من أنكر"، قاعدة فقهية وضعها النبي صلى الله عليه وسلم، وهي من أشهر قواعد الفقه الإسلامي والقانون بشكل عام، فالبينة هي الدليل والحجة التي تلزم المدعي الذي يزعم خلاف الظاهر، وليس أمام الجانب الأخر حال إنكاره إلا اليمين والقسم.

فالمدعى عليه جانبه قوي، لأنه الأصل، فاكتفى منه بالحجة الضعيفة وهي اليمين لاحتمال كذب المدعي عليه وإنكاره.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه البيهقي وابن عساكر: "البينة على من ادعى، واليمين على من انكر، إلا في القسامة"، والقسامة: هي الايمان التي يحلفها أهل القتيل لإثبات تهمة القتل على الجاني، حين لا يعلم القاتل بعينه.

ويرجع القضاة إلى هذه القاعدة في الأمور التي يجري فيها النزاع بين الناس، لأن هذه القاعدة تعتبر أصلا من أصول الحكم والقضاء بين الناس.

فإذا ادعى أحد على أخيه أنه يطلبه مالاً، أو ادعى عليه حقًا من قرض أو دين أو بيع أو إجازة، فهذه الدعوى المجردة التي لا يسندها شيء دعوى ضعيفة، ولما كانت الدعوى ضعيفة طلب فيها بينة قوية ولما كان جانب المدعى عليه جانبًا قويًا، يعني أصل براءة ذمته يخرج باليمين.

 لكن إذا قوي جانب المدعي، ضعف جانب المدعى عليه، وإذا ضعف جانب المدعى عليه وقوي جانب المدعي، انتقلت اليمين من المدعى عليه إلى المدعي، وهذا هو الذي اعتمدت عليه الأدلة، ويدل عليه القياس الصحيح والمعنى، والقرائن الواضحة.

ودل الحديث على أن البينات ليست منحصرة في وجه من أوجه الثبوت، بل هي عامة في كل ما يبين الحق ويظهره وهذه تستجد مع الأزمان، فلابد في البينات أن تراعي الحال والبلاد وأعراف الناس.

قال الله تعالى: "ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك"، يعني ما جئتنا بشيء يبين انك صادق في دعوى النبوة والرسالة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك.

وقال تعالى: "لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة رسول من الله يتلو صحفا مطهرة".

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "لو يُعطى الناس بدعواهم ، لادّعى رجالٌ أموال قوم ودماءهم ، لكن البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر".

لذلك لخص النبي صلى الله عليه وسلم، أصل النزاع وكيفي الحل، فلو كانت الموازين البشرية أو مقاييسها هي المرجعية فيما يقع بين الناس من اختلاف ، لعمت الفوضى ، وانتشر الظلم ، وضاعت حقوق الناس ، وأُهدرت دماء واستبيحت أموال بغير حق ، لكن من رحمة الله أنه لم يترك الناس هملا ، ولم يكلهم إلى أنفسهم ، بل شرع لهم من الشرائع ما هو كفيل بتحقيق العدل والإنصاف بين الناس ، وما هو سبيل لتمييز الحق من الباطل ، بميزان لا يميل مع الهوى ، ولا يتأثر بالعاطفة ، ولكنه راسخ رسوخ الجبال ، قائم على الوضوح والبرهان .

فالحديث يبيّن أن مجرد ادعاء الحق على الخصم لا يكفي، إذا لم تكن هذه الدعوى مصحوبة ببينة تبين صحة هذه الدعوى ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لكن البيّنة على المدّعي".

فإذا افتقرت هذه الخصومة إلى بينة تدل على الحق، أو لم تكتمل الأدلة على صحتها ، توجه القاضي إلى المدعى عليه، وقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بالمنكر، والمقصود أنه ينكر الحق الذي يطالبه به خصمه، وينكر صحة هذه الدعوى.


ويطلب القاضي من المدعى عليه أن يحلف على عدم صدق هذه الدعوى، فإذا فعل ذلك، برئت ذمته، وسقطت الدعوى، والدليل على ذلك ما رواه الإمام مسلم في صحيحه أن الأشعث بن قيس رضي الله عنه قال: "كانت بيني وبين رجل خصومة في بئر، فاختصمنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله: "شاهداك أو يمينه".

ولعل سائلاً يسأل: لماذا اختص المدعي بالبينة ، والمنكر باليمين ؟ وما هي الحكمة من هذا التقسيم؟ والجواب على ذلك: أن الشخص إذا ادعى على غيره أمرًا، فإنه يدعي أمرًا خفيًا يخالف ظاهر الحال، فلذلك يحتاج إلى أن يساند دعواه تلك ببيّنة ظاهرة قوية تؤيد صحة دعواه، بينما يتمسّك المنكر بظاهر الأمر، ويبقى على الأصل، فجاءت الحجة الأضعف – وهي اليمين – في حقه.

فإذا لم يأت المدعي بالبينة، وأنكر المدعى عليه استحقاق خصمه وحلف على ذلك، لزم القاضي أن يحكم لصالح المنكر، لأنه حكمه هذا مبني على ظاهر الأمر والحال.

أمر آخر، أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث، في أن قضاء القاضي لا يحل حرامًا ولا يحل حلالاً، ولا يغير من حقائق الأمور، لأن القاضي لا يعلم الغيب، وقد يكون هناك من الأدلة الزائفة أو الشهادات الكاذبة ما يخفى عليه فيحكم بموجبها.

كما ثبت في البخاري و مسلم عن أم سلمة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وأقضي له على نحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذ، فإنما أقطع له قطعة من النار".

وشدد النبي صلى الله عليه وسلم على تخويف الناس من أخذ الحرام فقال : " من حلف على يمين يستحق بها مالا هو فيها فاجر - أي كاذب - ، لقي الله وهو عليه غضبان".

وأنزل الله تصديق ذلك: "إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلاً أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم" ( آل عمران : 77 ).

اضافة تعليق