وراء الإمام الشافعي أم عظيمة .. هكذا انتجت التربية الإيمانية فقيها نابغة

الخميس، 21 مارس 2019 07:58 م
وراء كل عظيم أم
وراء كل عظيم أم

وراء كل عظيم أم .. لعل هذا القول يصدق علي كثير من رموز الأمة الإسلامية وعلمائها وفقهائها المجددين الذي وضعوا لبنات مهمة في مسيرة الدعوة ولعبوا الدور الأهم في تشكيل وعي الأمة وتثبيت نهجها العقدي.

وخلال العقود التي تلت عصورالصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان لم تلعب أم دورا مهما في حياة ابنها كما فعلت أم الأمام الشافعي محمد بن أدريس هومجدِّدَ الدين في القرن الثاني الهجري حيث قدر الله أن يكون هذا الإمام الفذ، ثمرة من ثمرات أم عظيمة القدر عالية المقام.

 أم الأمام الشافعي اسمها "فاطمة بنت عبد الله الأزدية"،ساهمت في بناء مسيرة ابنها خطوة خطوة ،دفعته منذ الصغرفي طريق القرآن الذي حفظه وهو ابن سبع سنين ثم أقبلت به على مَعين السُّنَّة النبوية الشريفة ،لينهلُ منها، فحفظ موطَّأ الإمام مالك وهو ابن عشر سنين، ثم أخذ يطلب العلم في مكة حتى أُذنَ له بالفتيا وهو دون العشرين من عمره.

لقصة حياة الأمام الشافعي المولود في عسقلان في عام 150هجرية محطات عديدة إذ نشأ يتيمًا، توفي أبوه قبل أن يتم سنتين؛ فنذرت أمه وقتها وحياتها ومالها له  ؛فجابت به البلدان لتحط به الرحال في مكة لتجلسه في حلق العلم ، وتقدمه إلى العلماء حتى صار ملء سمع الدنيا وبصرها.

أمامنا المجدد نشأ فقيرًا، حتى إنَّه حفظ القرآنَ في الكتَّاب لا يعطي معلِّمَه أجرًا على تحفيظِه، فاكتفى منه المعلِّم بعمل العريف؛ ينوب عن المعلِّم على الصبيان وبعد ذلك لما جلسَ في حلقة أهل العلم كان يذهب إلى ديوان الإمارة يستوهب الموظفين الأوراقَ التي هم في غنًى عنها؛ ليكتب على ظهورها ما يتلقَّاه في حلقات العلم من دروس.

الإمام الشافعي تحدث عن مسيرته قائلا : "كنت يتيمًا فلما ختمت القرآن دخلت المسجدَ، فكنت أجالسُ العلماءَ، وكنت أسمعُ الحديثَ أو المسألة فأحفظها، ولم يكن عند أمي ما تعطيني أن أشتري به قراطيسَ قطُّ، فكنت إذا رأيت عظمًا يلوح آخُذُه فأكتب فيه، فإذا امتلأ طرحته في جرة كانت لنا قديمة".

 ابن عسقلان استكمل الحديث عن مسيرته :"ثم قدم والٍ على اليمن، فكلَّمه لي بعضُ القرشيين أن أصحبَه، ولم يكن عند أمِّي ما تعطيني أتحمَّل به، فرهنت دارها بستة عشر دينارًا، فأعطتني فتحملت بها معه، فلما قدمنا اليمن استعملني على عمل فحُمدت فيه، فزادني عملًا فحُمدت فيه، فزادني عملًا، وقدم العُمَّارُ مكةَ في رجب فأثنوا عليَّ، فطار لي بذلك ذكرٌ.

أم الإمام الشافعي أصرت على تعليمه رغم الفقر والعوز حتى أنها ترهن له دارها حتى يضرب في آفاق الأرض مرتحلًا!وكان باستطاعتها أن تتزوج برجل ذي مال يكفيها وولدها، لكنها خشيت أن يضيع الشافعي فقَصَرَتْ حياتَها عليه ولم تتزوجْ، ووضعت لتربيته خطي واثقة تقوم على النبل والأدب حتى فتح الله له قلوب العباد.

رعاية أم الإمام الشافعي لم تقتصرعلي الإصرار علي تعليمه ، بل ركزت كذلك علي التربية الإيمانية كأسلوب تنشئة وكانت أركان هذه التربية هي أفضل تركة يمنحها الأباء والأمهات لأبنائهم ، حيث كانت تشتمل علي الأدب مع الله والتواضع مع الناس، وليست تلك التربية الشكلية الوقتية الخالية من الإخلاص والتي تزول آثارها بزوال المربي وغيابه.

رحمها الله- حرصت وتمسكت بأن يتلقى الشافعي الأدب مع العلم، وكانت تلقنه دائما أنه لا فائدة من العلم إذ لم يتبعه عمل، ففي سير أعلام النبلاء للذهبي، قال الإمامُ الشافعي: "إن لم يكُنِ الفقهاءُ العاملون أولياءَ الله، فليس لله ولي".

إيمان الشافعي بمعالم التربية الإيمانية التي غرستها فيه كان قولا وفعلا فلدي توديعها لنجلها للانطلاق في رحلته لطلب العلم أوصته بحزمة من الوصايا كان أبرزها تعهده لها على الصدق”، في السر والعلن .

ساعات قليلة مرت وواجه الشافعي أول اختبارحيث اعترض قطاع الطرق قافلة كان يسير معها يريدون من فيها، فسألوا كل واحد منها عما معهم من مال ومتاع، فأنكروا أن يكون معهم شىء، وعندما حان الدور بسؤال الشافعي قال لهم: إن معي مالاً ثم أخرجه من جعبته.

إخراج الشافعي ماله من جعبته أثار تعجب كبيرهم من تصرفه، وقال له أيها الفتى ما الذي حملك على فعلك؟ فقد كان من الممكن أن تنجو بمالك ؟ فقال له الشافعي: لقد عاهدت أمي على الصدق ووفاءً لعهدها صدقتكم القول والحديث.

قائد اللصوص وقف مندهشا ثم أردف قائلا : أمك غائبة وتحفظ عهدها! ثم أعلن توبته وقال له: إن عهد الله أولى بالوفاء، وأمر من معه برد ما نهبوه من القافلة إلى أهلها، وقد تبع بقية اللصوص قائدهم في الهداية، فكان ذلك من ثمرات الأم الصالحة وتربيتها الإيمانية لولدها الإمام.




اضافة تعليق