حاجب "المنصور" لماذا طلب منه أن يخص ولده بالحب؟.. السبب عجيب

الإثنين، 18 مارس 2019 12:26 م
علو الهمة.. جده كان يحفر القبور.. وهو حاجب أبي جعفر المنصور


كان الملوك والخلفاء يستخدمون الأذكياء وأصحاب البيان على أبوابهم، ليقوموا بواجبهم على أكمل وجه وأحسن عبارة، ومن هؤلاء حاجب الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور، "الربيع بن يونس".

ومن حسن ذكائه وفهمه ولمه بأحوال الملوك كان يقول: "من كلم الملوك في الحاجات في غير أوقاتها لم يظفر ببغيته، وما أشبه الحال في ذلك إلا بأوقات الصلاة، فإن الصلاة لا تقبل إلا فيها، فمن أراد خطاب الملوك فليختر لذلك الوقت المنجح الذي يصلح فيه ذكر ما أراد ليصح النجح، وإلا فلا".

اسمه بالكامل أبو الفضل الربيع بن يونس بن محمد بن عبد الله بن أبي فروة - واسمه كيسان - مولى الحارث الحفار، مولى عثمان بن عفان رضي الله عنه.

وإنما قيل لجده "أبو فروة"، لأنه أدخل المدينة وعليه فروة، فاشتراه عثمان رضي الله عنه وأعتقه، وجعل يحفر القبور، وكان من سبي جبل الخليل.

قال له أبو جعفر المنصور يومًا: يا ربيع، سل حاجتك، قال: حاجتي يا أمير المؤمنين أن تحب الفضل ابني، فقال له: ويحك! إن المحبة تقع بأسباب، فقال له: قد أمكنك الله من إيقاع سببها، قال: وما ذاك قال: تفضل عليه، فإنك إذا فعلت ذلك أحبك وإذا أحبك أحببته، قال: قد والله حببته إلي قبل إيقاع السبب، ولكن كيف اخترت له المحبة دون كل شيء قال: لأنك إذا أحببته كبر عندك صغير إحسانه، وصغر عندك كبير إساءته، وكانت ذنوبه كذنوب الصبيان.

وقال له المنصور يومًا: ويحك يا ربيع، ما أطيب الدنيا لولا الموت،  فقال له: ما طابت إلا بالموت، قال: وكيف ذاك قال: لولا الموت لم تقعد هذا المقعد، قال: صدقت.

 وقال له المنصور لما حضرته الوفاة: يا ربيع، بعنا الآخرة بنومة.

وحكت فائقة بنت عبد الله أم عبد الواحد بن جعفر بن سليمان، قالت: كنا يومًا عند المهدي أمير المؤمنين، وكان قد خرج متنزهًا إلى الأنبار، إذدخل عليه الربيع، ومعه قطعة من جراب فيه كتابة برماد وخاتم من طين قد عجن بالرماد وهو مطبوع بخاتم الخلافة.

 فقال: يا أمير المؤمنين، وما رأيت أعجب من هذه الرقعة، جاءني بها رجل أعرابي، وهو ينادي: هذا كتاب أمير المؤمنين، دلوني على هذا الرجل الذي يسمى الربيع، فقد أمرني أن أدفعها إليه، وهذه هي الرقعة؛ فأخذها المهدي وضحك وقال: صدقت، هذا خطي وهذا خاتمي، أفلا أخبركم بالقصة كيف كانت قلنا: أمير المؤمنين أعلى رأيًا في ذلك.

 فقال: خرجت أمس إلى الصيد في غب سماء، فلما أصبحت هاج علينا ضباب شديد وفقدت أصحابي حتى ما رأيت منهم أحدًا، وأصابني من البرد والجوع والعطش ما الله به أعلم، وتحيرت عند ذلك فذكرت دعاء سمعته من أبي، يحكيه عن أبيه عن جده عن ابن عباس - رضى الله عنهما - رفعه، قال: من قال إذا أصبح وإذا أمسى "بسم الله وبالله ولا حول ولا قوة إلا بالله، اعتصمت بالله وتوكلت على الله، حسبي الله، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم" وقي وكفي وهدي وشفي من الحرق والغرق والهدم وميتة السوء، فلما قلتها، رفع الله لي ضوء نار، فقصدتها فإذا بهذا الأعرابي في خيمة له، وإذا هو يوقد نارًا بين يديه.

 فقلت له: أيها الأعرابي، هل من ضيافة، فقال: انزل، فنزلت، فقال لزوجته: هاتي ذلك الشعير، فأتت به، فقال: اطحنيه، فابتدأت تطحنه، فقلت له: اسقني ماء، فأتى بسقاء فيه مذقة لبن أكثرها ماء، فشربت منها شربة ما شربت شيئًا قط إلا وهي أطيب منه، وأعطاني فراشًا له فوضعت رأسي عليه، فنمت نومة ما نمت أطيب منها وألذ، ثم انتبهت، فإذا هو قد وثب إلى شويهة فذبحها، وإذا امرأته تقول له: ويحكّ قتلت نفسك وصبيتك، إنما كان معاشكم من هذه الشاة، فذبحتها فبأي شيء نعيش قال: فقلت: لا عليك، هات الشاة، فشققت جوفها، واستخرجت كبدها بسكين كانت في خفي، فشرحتها ثم طرحتها على النار وأكلتها، ثم قلت له: هل عندك شيء أكتب لك فيه فجاءني بهذه القطعة من جراب، وأخذت عودًا من الرماد الذي بين يديه، وكتبت له هذا الكتاب، وختمته بهذا الخاتم، وأمرته أن يجيء ويسأل عن الربيع فيدفعهاإليه، فإذا في الرقعة خمسمائة ألف درهم.

فقال: والله ما أردت إلا خمسين ألف درهم، ولكن جرت بخمسمائة ألف درهم، لا أنقص والله منها درهمًا واحدًا، ولو لم يكن في بيت المال غيرها؛ احملوها معه، فما كان إلا قليل حتى كثرت إبله وشاؤه، وصار منزلاً من المنازل ينزله الناس ممن أراد الحج، وسمي منزل مضيف أمير المؤمنين المهدي.

وكانت وفاة الربيع في أول سنة سبعين ومائة من الهجرة.

اضافة تعليق