رسول الله وصاحباه في ضيافة أنصاري.. ودرس نبوي في شكر النعم

الأحد، 17 مارس 2019 09:00 م
طلب من الرسول أن يطلق عائشة ويزوجه ابنته..فسماه الأحمق

تمتلئ السيرة النبوية الشريفة بالمواقف التي يعلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابته الكرام رضوان الله عليهم حقيقة الدنيا وقيمة ما أنعم الله فيها على عباده ووجوب شكره عز وجل عليها.
 ومن هذه المواقف ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فقال: «مَا أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُمَا هَذِهِ السَّاعَةَ؟» قَالَا: الْجُوعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ : «وَأَنَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَأَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا، قُومُوا». فَقَامُوا مَعَهُ، فَأَتَى رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، فَإِذَا هُوَ لَيْسَ فِي بَيْتِهِ فَلَمَّا رَأَتْهُ الْمَرْأَةُ قَالَتْ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أَيْنَ فُلانٌ؟» قَالَتْ: ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا مِنَ الْمَاءِ، إِذْ جَاءَ الأَنْصَارِيُّ، فَنَظَرَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَصَاحِبَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ للهِ، مَا أَحَدٌ الْيَوْمَ أَكْرَمَ أَضْيَافًا مِنِّي، وصدق رضي الله عنه، أفضل ثلاثة في هذه الأمة من أولها إلى آخرها، هم النبي صلى الله عليه وسلم ثم صاحبيه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.
 قَالَ: فَانْطَلَقَ فَجَاءَهُمْ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وَتَمْرٌ وَرُطَبٌ، فَقَالَ: كُلُوا مِنْ هَذِهِ، وَأَخَذَ الْمُدْيَةَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِيَّاكَ وَالْحَلُوبَ». فَذَبَحَ لَهُمْ فَأَكَلُوا مِنَ الشَّاةِ وَمِنْ ذَلِكَ الْعِذْقِ وَشَرِبُوا، فَلَمَّا أَنْ شَبِعُوا وَرَوُوا، قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمُ الْجُوعُ ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حَتَّى أَصَابَكُمْ هَذَا النَّعِيمُ.

قوله: مَا أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُمَا هَذِهِ السَّاعَةَ؟ قَالَا: الْجُوعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: وَأَنَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَأَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا، قُومُوا. فَقَامُوا مَعَهُ، فَأَتَى رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ... إلى آخره»، فإن هذا يدلل على أن «هذا فيه ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وكبار أصحابه رضي الله عنهم من التقلل من الدنيا، وما ابتلوا به من الجوع وضيق العيش في أوقات، وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزل يتقلب في اليسر وضيق العيش حتى توفي صلى الله عليه وسلم، فتارة يوسر وتارة ينفد ما عنده، كما ثبت في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه: "خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الدُّنْيَا وَلَمْ يَشْبَعْ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ".
وعن عائشة رضي الله عنها: «مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةِ مِنْ طَعَامِ البُرِّ ثَلَاثَ لَيَالٍ تِبَاعًا حَتَّى قُبِضَ»، وَتُوُفِّيَ صلى الله عليه وسلم وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عَلَى شَعِيرٍ اسْتَدَانَهُ لِأَهْلِهِ، وغير ذلك مما هو معروف.

فكان النبي صلى الله عليه وسلم في وقت يوسر، ثم بعد قليل ينفد ما عنده لإخراجه في طاعة الله من وجوه البر وإيثار المحتاجين وضيافة الطارقين وتجهيز السرايا وغير ذلك، وهكذا كان خلق صاحبيه رضي الله عنهما، بل أكثر أصحابه، وكان أهل اليسار من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم مع برهم له صلى الله عليه وسلم وإكرامهم إياه وإتحافه بالطرف وغيرها، ربما لم يعرفوا حاجته في بعض الأحيان، لكونهم لا يعرفون فراغ ما كان عنده من القوت بإيثاره به، ومن علم ذلك منهم ربما كان ضيق الحال في ذلك الوقت، كما جرى لصاحبيه.

ولا يعلم أحد من الصحابة علم حاجة النبي صلى الله عليه وسلم وهو متمكن من قضائها إلا بادر إلى ذلك، لكن كان صلى الله عليه وسلم يكتمها عنهم إيثارًا لتحمل المشاق، وحملًا عنهم، وقد بادر أبو طلحة حين قال: سمعت صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرف فيه الجوع إلى إزالة تلك الحاجة، وكذا حديث جابر وسنذكرهما بعد هذا إن شاء الله تعالى، وكذا حديث أبي شعيب الأنصاري الذي سبق في الباب قبله: "أنه عرف في وجهه صلى الله عليه وسلم الجوع فبادر بصنيع الطعام".

الثلاثة خرجوا من بيوتهم بسبب الجوع، ما في البيوت شيء، فأكلوا حتى شبعوا وهم خيار أهل الأرض، فقال: والذي نفسي بيده لتسألن يوم القيامة عن هذا النعيم .      

اضافة تعليق