Advertisements

"الاتيكيت النبوي" يفرق معك كثيرًا.. كيف كان النبي يجالس أصحابه؟

الأحد، 17 مارس 2019 09:51 ص
الاتيكيت النبوي يفرق معك كثيرا


كان مجلس النبي صلى الله عليه وسلم مجلس أخلاق وعلم، ووقار وحلم؛ يوليه اهتمامًا بالغًا، فيستعد له قبل أن يخرج إليه؛ ليلقى جلساءه ووفوده بحسن السمت، وجميل الثياب.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستقبل ضيوفه في مجلسه، ويحتفي بقدومهم، ويرحب بهم؛ فحين قدم عليه وفد عبد القيس قال لهم:« مرحبا بالوفد».

وقد وصفوا استقبال النبي صلى الله عليه وسلم لهم، وفرح أصحابه بهم، فقالوا: قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشتد فرحهم بنا، فلما انتهينا إلى القوم أوسعوا لنا، فجلسنا فرحب بنا النبي صلى الله عليه وسلم ودعا لنا، ثم نظر إلينا.

وما حياه أحد في مجلسه صلى الله عليه وسلم بتحية إلا رد عليه التحية بأفضل منها أو مثلها، عملا بقول الله تعالى:( وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها)، وبعد أن يرحب صلى الله عليه وسلم بضيوفه ويحييهم يجلس بينهم متواضعا، وهم جلوس بين يديه في مهابة ووقار، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أكثرهم وقارا، وأعظمهم خلقا؛ قال الله تعالى في وصفه صلى الله عليه وسلم:( وإنك لعلى خلق عظيم).

ولم يخل مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم من التبسم والمؤانسة، فكان أصحابه رضي الله عنهم يتناشدون عنده الشعر أحيانا، ويذكرون الشيء من أمورهم، ويتبسم معهم صلى الله عليه وسلم.

وفي ذلك تؤكد الشريعة الإسلامية على أن مجالسة الناس أمر مباح في الإسلام إذا تحلت بالآداب الشرعية والأخلاق المرعية، وقد تصل إلى الوجوب إذا توقف عليها تحصيل واجب شرعي من جلب مصلحة أو دفع مفسدة؛ وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم ينعزل عن أصحابه، ولم ينعزل عن مجتمعه.

ولم يأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه بالعزلة والانفراد، وإنما كان مجلسُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مجلسهم، فلما انتقل لم ينعزلوا، بل ظلت مجالسهم عامرة بذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يَغْمُر أرواحَهم قولُ الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ﴾ [الحجرات: 7]، وما زالت الروايات الصحيحة تحدثنا بمجالسهم الطيبة.

وقد صح عنه صلى الله عليه وآله وسلم قوله: «الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ، أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ» والمخالطة هنا هي المساكنة والمعاملة. والحديث كما قال العلماء يدل على أن المخالط الصابر خير من المعتزل.

وحسن المجالسة من أخلاق الإسلام التي يجب أن تتزين بها المجالس ويتحلى بها الجالسون، فيُحْسِنُ كلُّ مسلم مجالسةَ أخيه.

ومن مظاهر حُسْن المجالسة اختيار الجليس الصالح الذي يُذَكِّرُ إخوانه دائما بالله تعالى، ويكون عونا لهم على الخيرات، ومعينا على ترك المنكرات، وقد روى الإمام البخاري رضي الله عنه في ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ، كَحَامِلِ المِسْكِ وَنَافِخِ الكِيرِ، فَحَامِلُ المِسْكِ: إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الكِيرِ: إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً».

والحديث يبين أن المجالس لا تَحْسُنُ إلا بمجالسة الصالحين وأهل الخير والمروءة ومكارم الأخلاق والورع والعلم والأدب، وأنها تتلوث بمجالسة أهل الشر وأهل البدع ومن يغتاب الناس أو يكثر فجره وبطالته ونحو ذلك من الأنواع المذمومة.

وقد روى أبو يعلى في مسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قيل: يا رسول الله أي جلسائنا خير؟ قال: «مَنْ ذَكَّرَكُمُ اللَّهَ رُؤْيَتُهُ، وَزَادَ فِي عِلْمِكُمْ مَنْطِقُهُ، وَذَكَّرَكُمْ بِالْآخِرَةِ عَمَلُهُ». وهو وإن كان في إسناده مقال إلا أنه يعمل به في الفضائل.

ومن مظاهر حسن المجالسة حفظ السر، فإن المجالس بالأمانة، وحفظ السر عموما من الأخلاق الأساسية في الإسلام، وقد أخرج الإمام أحمد في مسنده والإمام الترمذي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ حَدَّثَ فِي مَجْلِسٍ بِحَدِيثٍ، فَالْتَفَتَ، فَهِيَ أَمَانَةٌ». أَيْ أمانةٌ يستوجب على جلسائه أن يحفظوها ولا ينشروها إن كانت مما يستوجب الكتمان، أو قامت القرينة على رغبة صاحبها في ذلك، ولم يكن أمرا يستوجب التحذير أو الإعلان مع مراعاة خلق الستر وضوابط الأمر بالمعروف والنهي المنكر.

ومن مظاهر حسن المجالسة ألا يُقيم المسلمُ أخاه الذي سبق إلى مكان ويجلس محله، فإن ذلك يؤدي إلى البغضاء وضيق الصدر بين الإخوان مع ما فيه من تعال وكبر، وقد أخرج الإمام مسلم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَا يُقِيمَنَّ أَحَدُكُمُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ» وعند الإمام البخاري بزيادة «وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا».

ومن مظاهر حسن المجالسة الاحتفاء بمريدي المجلس بالتوسيع لهم، فمما يُروى عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله: "مِمَّا يُصَفِّي لَكَ وُدَّ أَخِيكَ.. أَنْ تُوَسِّعَ لَهُ فِي الْمَجْلِسِ".

وأصل استحباب التوسيع في المجلس مأخوذ من قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ﴾ [المجادلة: 11]، فهذا أمر من الله تعالى للمؤمنين بالتعاطف والتآلف الذي يظهر في إفساح المجالس لإخوانهم؛ ولا يخفى ما في إفساح المجالس من تربية للنفوس على سعة الصدر وحب الخير للآخرين.

ماذا فعل مع الصحابي الذي كان يحب مجالسة النساء؟


كان الصحابي الجليل خوات بن جبير رضي الله عنه يحب مجالسة النساء، وتلك القصة رواها عدد من كتب الحديث والسيرة، من بينها للإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه "الإصابة في تمييز الصحابة"، وكذلك الإمام الطبراني في كتابه: "المعجم الكبير"، والإمام أبو نعيم الأصبهاني في كتابه: "معرفة الصحابة".


وكان خوات بن جبير رضي الله عنه قبل إسلامه شاعرًا ويحب التغزل في النساء ومجالستهن، وبعد أن أسلم وكان لا يزال حديث عهد بالإسلام، يقول خوات: "نزلنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مَرَّ الظهران –وهو مكان اسمه اليوم وادي فاطمة شمال مكة- فقال: فخرجت من خبائي فإذا أنا بنسوة يتحدثن فأعجبنني فرجعت فاستخرجت عَيْبتي-حقيبتي- فاستخرجت منها حُلَّة –ملابس أنيقة- فلبستها وجئت فجلست معهنَّ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قبته فقال لي: "أبا عبد الله ما يجلسك معهن؟!"، فلما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هبتُه واختلطتُ -أي ارتبكت وخلطت الصواب بالخطأ-، قلت: يا رسول الله جمل لي شرد فأنا أبتغي له قيداً -أي: ضاع جملي فأنا أبحث عنه-.

ثم مضى النبي صلى الله عليه وآله وسلم واتبعته، فألقى إليَّ رداءه ودخل الأراك كأني أنظر إلى بياض متنه –ظهره- في خضرة الأراك، فقضى حاجته وتوضأ، فأقبل والماء يسيل من لحيته على صدره، فقال: "أبا عبد الله ما فعل شِرَاد جملك؟" ثم ارتحلنا فجعل لا يلحقني في المسير إلا قال: "السلام عليك أبا عبد الله، ما فعل شراد ذلك الجمل؟" فلمَّا رأيت ذلك تعجَّلتُ إلى المدينة واجتنبتُ المسجد والمجالسة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلمَّا طال ذلك تحيَّنت ساعة خلوة المسجد، فأتيت المسجد فقمت أصلي ـ لعله وقت الضحى.

وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من بعض حُجَره فجأة فصلى ركعتين خفيفتين وطوَّلت رجاء أن يذهب ويدعني فقال: طول أبا عبد الله ما شئت أن تطول فلستُ قائماً حتى تنصرف. فقلت في نفسي: والله لأعتذرنَّ إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولأبرئن صدره، فلما قال النبي: "السلام عليك أبا عبد الله ما فعل شراد ذلك الجمل؟" فقلت: والذي بعثك بالحق ما شرد ذلك الجمل منذ أسلم -يعني نفسه أنه لم يرتكب معصية منذ أسلم- فقال: رحمك الله.. رحمك الله.. رحمك الله. ثم لم يعد لشيء مما كان.

اضافة تعليق