الشوكاني.. تبرأ من التقليد والتمذهب فتعرض لعداء غلاة الشيعة

السبت، 16 مارس 2019 07:43 م
الشوكاني
الشوكاني الإمام العلامة المحدثث الفقيه المجتهد استحق لقب شيخ الإسلام

يعد الإمام الشوكاني –رحمه الله- من أئمة العلماء المجتهدين، الداعين إلى الرجوع إلى كتاب الله وسُنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - قولاً وعملاً، المحاربين للتقليد الأعمى، ولِما شاع بين المسلمين مما أُبدع في الدِّين، وهو صاحب التصانيف التي لم يسبق إلى مثلها، ومنها:  قاضي قضاة أهل السنة والجماعة، شيخ الرواية والسماع، علي الإسناد، السابق في ميدان الاجتهاد، على الأكابر الأمجاد، المطلع على حقائق الشريعة ومواردها، العارف بغوامضها ومقاصدها.
أنا نسبه فهو محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني ثم الصنعاني، الشوكاني؛ نسبة إلى قريته: (شوكان)، إحدى قرى ناحية (خولان)، شرقي مدينة صنعاء. ولد فيها وعاش وتوفي في مدينة صنعاء.
فهو الإمام، الفقيه العلامة، الأصولي، المحدث، المفسر، المجتهد، الناقد، الأديب، المؤرخ، القاضي المصلح السياسي شيخ الإسلام الإمام الشوكاني، نشأ في كنف والده – قاضي مدينة صنعاء حينذاك- وعنه أخذ أبجديات علومه، في الفقه، والفرائض، إذ كان والده يدرس هذه العلوم في الجامع (الكبير)، ومسجد (صلاح الدين)، ومسجد (الأبزر).
وبعد وفاة والده، ظل العلامة محمد بن علي بن عبد الله الشوكاني يأخذ عن شيوخه العلم حتى استوفى كل ما عندهم من كتب ، بل زاد في قراءاته الخاصة على ما ليس عندهم، وكان طلبه للعلم في صنعاء نفسها ، لم يرحل عنها على عادة طلاب العلم لعدم إذن أبويه له في الرحلة، فكان عند إذنهما.
كان في أثناء دراسته يُلقي ما يأخذه عن مشايخه إلى تلاميذه الذين اجتمعوا عليه، وهو لا يزال في دور الطلب الأول، ولذلك كانت دروسه تبلغ في اليوم والليلة ثلاثة عشر درساً، منها ما يأخذه عن أساتذته، ومنها ما يلقيه على تلاميذه .
رؤياه للإمام ابن الأمير
الإمام الشوكاني عاش في عصر يزخر بالعلماء، والأدباء والشعراء المشهورين، وكان شديد الإعجاب بعلامة العصر الإمام (محمد بن إسماعيل الأمير)، وتأثر بآرائه ومواقفة العلمية والعملية، ولم يدرك التتلمذ عليه، بل لقد رآه -من شدة الإعجاب به- في المنام سنة 1206هـ/1791م.
ويذكر الشوكاني عن ذلك في كتابه: (البدر الطالع) أنه رآه وهو يمشي راجلاً، وعن نفسه يقول: وأنا راكب في جماعة معي، فلما رأيته نزلت وسلمت عليه، فدار بيني وبينه كلام، حفظت منه أنه قال: دقق الإسناد، وتأنق في تفسير كلام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فأردت أن أقول له: إنه يحضر جماعة لا يفهمون بعض الألفاظ العربية، فبادر وقال قبل أن أتكلم: قد علمت أنه يقرأ عليك جماعة وفيهم عامة، ولكن دقق الإسناد، وتأنق في تفسير كلام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم سألته عند ذلك عن أهل الحديث: ما حالهم في الآخرة؟ فقال: بلغوا بحديثهم الجنة، ثم بكى بكاءً عاليًا، وضمني إليه وفارقني. فقصصت ذلك على بعض من لهم يد في التعبير، وسألته عن تأويل البكاء والضم، فقال: لا بُدَّ أن يجري لك شيء مما جرى له من الامتحان”.
فوقع بعد تلك الرؤيا عجائب وغرائب، كُفِيَ شرها.
تدريس وقضاء
وفي البداية تفقّه الشوكاني رحمه الله على مذهب الزيدية، إلا أنّه لم يلبث أن تخلّى عن التقليد والتمذهب، وأصبح لا يتقيّد بفرقة من الفرق أو مذهبٍ من المذاهب، بل اعتمد اعتماداً مباشراً على الكتاب والسنّة، وأصبح من المجتهدين في البحث عن الحكم الشرعي والرأي العقائدية من خلال الأدلة والبراهين، لا من طريق التقليد والتلقين، وقد وصل إلى هذه المرتبة وهو دون الثلاثين من عمره، وكانت دعوته إلى الاجتهاد ونبذ التقليد والرجوع بالتشريع إلى طريق السلف تمثّل امتداداً لأدوار من سبقه من المجدّدين والمصلحين، كالإمام مالك، وأبي حنيفة، وأحمد بن حنبل، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وكابن الوزيرن والمقبلي، والأمير الصنعاني، والإمام محمد بن عبدالوهاب، ونظائرهم، رحمهم الله.

وقد تعرّض في سبيل هذه الدعوة لأذى كثير من المتعصّبين والمقلّدين في عصره، واتّهموه بالدعوة إلى هدم مذهب أهل البيت، وهو بريء من هذه التهمة، وهذا شأنهم مع كل عالمٍ مجتهدٍ آخذٍ بالدليل. 
وكانت الحياة الفكرية والأدبية في اليمن في عصر الشوكاني خصبة، رغم قسوة الحياة وصعوبتها، وتعصب الغلاة من الشيعة، والمعتزلة، والمتزمتين في كثير من القضايا، واستطاع (الشوكاني) أن يصل إلى مرتبة من العلم أهلته للاجتهاد، وإفحام الخصوم، وتصدر للتدريس، وأخذ عنه عدد من الطلبة، في كل ما أخذه عن مشايخه، وكان في اليوم الواحد يقرأ على شيخ في علم من العلوم، ثم يقوم بتدريس ما أخذه لطلابه، حتى بلغت دروسه في اليوم الواحد نحو ثلاثة عشر درسًا، وكان يفتي أهل مدينة صنعاء، ومن يفد إليها.
واستمر على هذه الحال حتى اختير لمنصب القضاء الأكبر، في عهد الإمام (علي بن العباس بن الحسين)، عقب وفاة القاضي العلامة (يحيى بن صالح السحولي)، الذي كان يتولى هذا المنصب، واعتذر (الشوكاني) عن هذا العمل، فزاد إلحاح الإمام عليه مع جماعة من العلماء، فقبل (الشوكاني) هذا المنصب، إلى جانب قيامه بالتدريس، وكان يسمى: (قاضي القضاة).
إصلاح و إطفاء للفتن
وبعد وفاة الإمام المذكور، وتولي ابنه الإمام (أحمد بن علي)، استمر (الشوكاني) في منصبه، ورافق الإمام في كثير من الأعمال؛ كزيارة عدد من المدن، وإخماد بعض الفتن التي كانت تنشب بين حين وآخر.
وبعد وفاة الإمام (أحمد بن علي)، تولى الإمامة بعده ابنه (عبدالله بن أحمد)، الملقب بـ(المهدي)، وظل (الشوكاني) في منصبه أيضًا، وشارك هذا الإمام في تسيير شئون الحكم، وكُلف بالتفاوض مع الحامية (العثمانية) التركية المرابطة في تهامة على الانسحاب، وقد نجح (الشوكاني) في مهمته، وانسحبت القوة منها، مقابل مقدار من البن، يسلم لدولة الخلافة العثمانية في إستانبول، التي كانت تسمى: (الباب العالي) سنويًّا، مع مبالغ معينة، وحدث في عهد الإمام (عبدالله بن أحمد) كثير من الأحداث السياسية والعسكرية، كان العلامة الشوكاني يحل كثيرًا منها، وكان ينتقد الإمام لقسوته في معالجته لها، وعاش إلى أواخر أيامه مطفئًا للفتن، وناقدًا للظلم، حتى توفي رحمه الله.
وكان الشوكاني كثير البر والإكرام لشيوخه وتلاميذه ، فتح أمامهم أبواب العمل في الدولة ، وركن إليهم على ما قاله تلميذه الجحاف – وكان يعرف بهذه الخصلة أعني الركون إلى الأمناء - ودافع عنهم ، وتشفع لهم عند الأئمة في كل أمر وقعوا فيه . وبالرغم من حدة ذكائه ، ويقظة ذهنه ، وتشدده لآرائه واجتهاداته ، لم يكن يحط من قدر علمه ليدخل في مهاترات المتعالمين ، وكانت قسوته على الأفكار والآراء ، لا على الأشخاص ، لأنه كان يدرك أنه سبق هذا الجيل بأجيال ، فترك ثروته العلمية والفكرية لتتفاعل مع الزمن ، يكشف عن وجهها ما تبديه قرائح العلماء . 
مؤلفات الشوكاني
كان يمثل السُّنَّة النبوية في مفهومها، ومنطوقها، ولا يماري في الحق أحدًا، وتعرض لنقد المتعصبين من غلاة الشيعة، وجهلائهم، غير أنه كان ذروة لا تُنَال، وكان أكبر أهل زمانه: علمًا، وفقهًا، وحديثًا.
ترك الشوكاني للمكتبة اليمنية والإسلامية نفائس من الكتب، في عدد من العلوم، التي جعلته جديرًا بلقب: (شيخ الإسلام)، وقد بلغت مصنفاته نحو مائتين وخمسين مصنفًا.  منها:
منها: (نيل الأوطار شرحُ منتقَى الأخبار) وهو أشهر كتبه على الإطلاق، وكتاب (السيل الجرَّار.. المتدفقُ على حدائقِ الأزهار) وهو خلاصة فقْهِ الشوكاني.
وكتاب (الفوائدُ المجموعةُ في الأحاديثِ الموضوعة)، وكتابُ (إرشادُ الفحولِ إلى تحقيقِ الحقِّ من علمِ الأصولْ)، وغيرها من الكتب القيِّمة، وقد أورد الباحث (عبدالله الحبشي) ثبتًا بمراجع الإمام الشوكاني، بلغت نحو مائتين وخمسين مؤلفًا ، وقال البعض أن مولفاته بلغت 278 كتاباً.
ومن الجدير ذكره أن للإمام (الشوكاني) اليوم أتباعًا، يأتمون بفقهه في بلاد الهند، وأهل السنة في بلاد العرب، وخاصة في اليمن.
وفاته
وتوفي الإمام الشوكاني -رحمه الله- ليلة الأربعاء 27من جمادى الآخرة سنة (1250هـ) بصنعاء عن 76 وسبعة أشهر، وصُلي عليه بالجامع الكبير بصنعاء رحمه الله. ودُفن في مقبرة خزيمة المشهورة بصنعاء.

اضافة تعليق