بالصور.. بيوت قوم صالح باقية وشاهدة على جحودهم بنعم الله

الخميس، 14 مارس 2019 06:57 م
مدينة المدائن حيث كانت ناقة صالح
يقول بعض الأثريين ان ناقة صالح عليه السلام خرجت من هذه الصخرة

أرسل  الله عز وجل نبيه صالح -عليه السلام- إلى قبيلة ثمود، وهي قبيلة عربية كانت تسكن الحجب ما بين الحجاز وتبوك، وكانوا من عبدة الأصنام، ولا يؤمنون بالله سبحانه وتعالى، وكانوا في ضلال كبير، واجتمع بهم سيدنا صالح -عليه السلام-، ودعاهم إلى عبادة الله وحده وترك عبادة الأصنام، فرفضوا ذلك لأنهم لا يريدون ترك ما عبده آباؤهم وأجدادهم، وأصرّ على ان يسمعهم دعوته وذكر لهم أن يعبدوا رب الناس الذي ينفعهم ويرزقهم، والذي جعلهم خلفاء من بعد قوم عاد، وذكرهم بنعم الله عليهم، فعندها كذبوه واتهموه بالجنون والسحر، فعندها قال لهم بأنه لا يريد منهم سوى الإيمان، وأنه رسولٌ من الله.
واشتهر قوم ثمود أو قوم صالح عليه السلام بمهنة فريدة من نوعها، وهي نحت الجبال، فأرسل الله اليهم صالح عليه السلام يدعوهم لعبادة الله وحده وترك ما ورثوه من آبائهم من طقوس وعادات شركية .

مدائن ثمود

ويُعدَّ قوم ثمود أول من نحت الجبال والصور والرخام، فبنوا من المدائن ألفا وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة، ومن الدور والمنازل ألفي ألف وسبعمائة ألف كلها من الحجارة كما قالَ المفسرون في تفسير الإمام القرطبي رحمه الله، قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ)، الفجر: 6-9. والحديث عن قوم ثمود يعود إلى أكثر من 3500 سنة قبل بعثة الرسول الأمين محمد صلى الله عليه وسلم لأن صالح عليه السلام بُعثَ بعد نوح وهود عليهما السلام وقبل إبراهيم ولوط وشعيب عليهم السلام، قال تعالى: (وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَٰلِكَ كَثِيرًا)، الفرقان: 38. وقال تعالى: (وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ * فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ)، هود: 69-70.


و استخدمت هذه المباني المنحوتة في الجبال كقبور وملاجئ من الكوارث الطبيعية ليومنا الحالي، قال تعالى: (كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَـــــــةِ)، الحاقة: 4. وقال تعالى: (الْقَارِعَــــةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَــــالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ)، القارعة: 1-5. قال الإمام الطبري رحمه الله في تفسيره: (وقوله: (وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ) يقول تعالى ذكره: ويوم تكون الجبال كالصوف المنفوش؛ والعِهْن: هو الألوان من الصوف، وماتزال بيوت ثمود قائمة في الجبال حتى اليوم شاهدة على جحودهم وكفرهم بنعم الله.

معجزة صالح عليه السلام

وطلب قوم ثمود من سيدنا صالح معجزةً تصدق رسالته وتظهر صدقه، وعندها سألهم صالح عن المعجزة التي يريدونها، فأشاروا إلى صخرة كبيرة قريبة من المكان، وطلبوا من صالح أن يخرج من هذه الصخرة ناقة، وأخذوا يضعون شروطاً تعجيزية في مواصفات الناقة، فذهب صالح بعد ذلك إلى المصلى ودعا الله أن يخرج من الصخرة ناقة. وبعد ذلك خرجت من الصخرة ناقة وفق شروطهم وأمام أعينهم، فتعجب القوم وآمن بعضهم بصالح وهم قلة، والأكثرية استمرت في كفرها، وطلب من قومه أن يتركوا الناقة تشرب من البئر يوماً ثم يشربون منها في اليوم التالي وهكذا، وطلب منهم أن تبقى الناقة بينهم، وأصبحت الناقة تشرب يوماً من البئر، وفي اليوم التالي يأخذ القوم حاجتهم من ماء البئر، واستمروا على هذا الحال وهم يشربون من لبن الناقة.



عقر الناقة
في أحد الأيام اجتمع القوم لمناقشة شأن الناقة، فتحاوروا حول قتلها أو إبقائها، ورفض بعضهم قتلها خوفاً من العقاب، وبعد ذلك قرروا نقلها، واجتمع تسعة من الرجال، وقتلوا الناقة ومن ثم قتلوا ولد الناقة، ووصل الخبر إلى صالح -عليه السلام-، وحذرهم من عذاب شديد من الله بعد ثلاثة أيام من معرفته الخبر، وأصبحوا يستهزئون بكلام صالح ولم يصدقوه، فقرروا الانتقام من صالح وقتله، وقد حلّ العذاب بالتسعة الذين قتلوا الناقة بإرسال حجارة عليهم، وذلك قبل أن يهلك الله قومهم. وفي الموعد الذي حدده صالح أي بعد ثلاثة أيام، في أول يوم كانت وجوهم مسفرة، وفي اليوم الثاني كانت وجوههم محمرة، وفي يوم السبت الثالث أصبحت وجوههم مسودة، فلما جاءت صبيحة يوم الأحد جلسوا ينتظرون العذاب المقرر لهم، فعندما خرجت الشمس جاءت صيحة من السماء ورجفة في الأرض من تحتهم، فهلكوا وكان ذلك عقاب عنادهم على الكفر.

ذكر ابن كثير في كتاب قصص الأنبياء أن عاقر الناقة اسمه قدار بن سالف، وهو الذي سولت له نفسه قتل الناقة، واتبعه في ذلك ثمانية من رهط القوم فكانوا تسعة أشخاص ، وذكر ابن كثير في تاريخه اسم رجل شارك في قتلها هو مصدع بن مهرج بن المحيا.
وقد أوحى الله جلّ وعلا إلى نبيه صالح عليه السلام بأن قومه سوف يعقرون الناقة، فأخبر صالح عليه السلام قومه أنه سيولد فيهم مولود يعقر الناقة، وقد وصفه نبي الله صالح بأنه أشقر أزرق أصهب أحمر، وقد كان في قوم صالح شيخان عزيزان لأحدهما ابن يرغب به عن المناكح، وللآخر ابنة لا يجد لها في القوم كفؤاً، وقد حدث أنّ اجتمعا يوماً في مجلس فقال أحدهما للآخر ما يمنعك أن تزوج ابنك لابنتي، فأنها كفء له فاتّفقا على تزويجهما، فتزوجا فولد لهما المولود الشقي، وقد كان هناك ثمانية رهط في المدينة يفسدون في الأرض ولا يصلحون، فاتفقوا على انتداب نسوة من القوابل معهم شرط ليمروا على كل مولود، فإن كان غلام قتلوه، وإن كانت بنتاً تركوها.
وعندما وصلوا إلى المولود الذي وصفه نبي الله منعه جديه، فكان هذا المولود مختلفاً عن غيره من المواليد فهو يشب في اليوم كما يشب غيره في الجمعة، ويشب في الجمعة كما يشب غيره في الشهر، ويشب في الشهر كما يشب غيره في السنة، وعندما كبر استعمله قومه ثمود على أنفسهم فأصبح الرهط الذين يفسدون في الأرض تسعة بعد أن كانوا ثمانية.
وقد ترصد مصدع وقدار بن سالف للناقة بعد أن زينا لقومهما ذلك الفعل، وترصداً للناقة، فرماها مصدع بسهم فانتظم عظم ساقها، ثمّ تقدم إليها قدار فكشف عن عرقوبها فسقطت على الأرض، ثمّ نحرها في لبتها فرغت رغاءاً شديداً.
هلاك قوم صالح
ولمّا عقر قوم ثمود الناقة استحقّوا العذاب الأليم الذي توعّدهم الله تعالى به، حينها قدّر لهم صالح عليه السلام مدّة ثلاثة أيام حتى ينزل بهم ذلك العذاب، قال تعالى: (فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ۖ ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ)، إلا أنّ قومه لم يصدّقوا هذا الوعيد أيضاً، بل همّوا بقتله عليه السلام وإلحاقه بالناقة، فأرسل الله عز وجل على النفر الذين همّوا بقتله حجارة رضختهم سلفاً قبل قومهم، وظلّ قوم هود ثلاثة أيام ينتظرون العذاب الذي توعّدهم رسولهم به، حتّى جاء ذلك صبيحة يوم أحد، حيث جاءتهم صيحة عظيمة من السماء، ورجفة مُزلزِلة من أسفل منهم، ففاضت نفوسهم وزهقت أرواحهم، ولم تعد لهم أيّ حركة أو سكنة، بل أصبحوا جُثثاً هامدةً في بيوتهم، قال تعالى في ذلك: (فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارهمْ جَاثِمِينَ).
 وقد ذكر القرآن الكريم العذاب الذي أصاب قوم ثمود في مواضع عديدة، وعبّر عنه في كل مرة بلفظ مختلف، فمرّةً سماه الصيحة، ومرّةً سمّاه الرجفة، ومرة الطاغية، وفي أخرى الصاعقة، وهذه الكلمات قريبة من بعضها في المعنى فلا تعارض بينها، وكلّها تدلّ على شدّة العذاب الذي تعرض له ثمود قوم صالح عليه السّلام.
وفاة صالح عليه السلام
أما  نبي الله صالح عليه السلام  ومن آمن معه فقد توجهوا إلى مسجد  نبيهم صالح فأنجاهم الله جميعاً من الصيحة التي قضت على المستكبرين الكافرين من ثمود، وما كان من نبي الله صالح إلاّ أن رحل من الأرض التي حلَّ عليها غضب الله مصطحباً  المؤمنين معه ، وتوجهوا شمالاً باتجاه فلسطين، وحطوا رحالهم في مدينة الرملة....
ويذكر أن صالح عليه السلام حجَّ بيت الله ملبيّاً وقد مرَّ بوادي عسفان، الذي مرَّ فيه قبله النبي هود عليه السلام.
ويروى أنه عليه السلام ترك بلاد فلسطين ماراً بأرض الشام قاصداً إلى مكة المكرمة، فوصلها، وظلَّ فيها يعبد الله حتى وافاه الأجل.
قال ابن جرير: ومن أهل العلم من يزعم أن صالحًا توفي بمكة وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وأنه أقام في قومه عشرين سنة.

اضافة تعليق