خطبة الجمعة غدًا.. أحق الناس بحسن الصحبة

الخميس، 14 مارس 2019 06:53 م
الجمعة

تماشيا مع ما ينفع المسلمين وخاصة الدعاة نقدم زادًا للدعاة يعينهم على البحث ويفتح لهم الطريق لاستلهام الدروس والحكم من خلال نشر الوعي وإمدادهم بزاد ثقافي حول موضوع خطبة الجمعة كل أسبوع:

برّ الأمهات في الحياة وبعد الممات

الحمد لله ربّ العالمين، الحمد لله أوصانا بالإحسان إلى الآباء والأمّهات، الحمد لله جعل برّ الأبناء للآباء موصولاً حتى بعد الممات، وأشهد أن لا إله إلا الله، واحد أحدٌ، قضَى في كِتابهِ قائلاً: )وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا(، وأشهد أنّ نبينا وحبيبنا محمدًا عبد الله ورسوله، استأذن ربّه بزيارة قبر أمه آمنة بنت وهب، فأذن له ربُّه، فزار قبرها في الأبْواء، وبكى عليها، وأبكَى أصحابه معه، فصلوات ربي وتسليماته على من ظلّ بارًّا بأُمّه حتى بعد موتها، وما نسي حقّها عليه وفاءً لها، وبعــد..

فحديثي معكم اليوم -أيها الأحبة- عن عملٍ مِن أفضل أعمال الإسلام..
حديثي عن سببٍ من أسبابِ وجودنا في الحياة بعد قُدرة الله تعالى..
حديثنا عن شيءٍ قرَنَه الله تعالى بعبوديته وتوحيده سبحانه في كتابه المجيد..
حديثي معكم عمّن عظّم الله شأنها وأَعْلَى قدرهَا.. وأوصى النبيّ ببرّها والإحسان إليها...
لا تكفيها الكلمات، ولا توافي حقها قصائد المدح والثناء..
حديثي معك -أيها الحبيب الأريب- عن عملٍ إذا عملته كُنتَ شاكرًا لله على ما أعطاك..
حديثنا عن البرّ بالأبوين، وبالأمّ خاصّة، وفضل البر بها، وثمراته على العبد في الدنيا والآخرة، وعن طرق البر بها وبالأب في حال الحياة وبعد الممات.
صوت قارئ يقرأ القرآن في الجنّة

أيها الأحباب الكرام:

اسمحوا لي في البداية أن أطوف بكم في رحابِ الجنة مع مشهدٍ رآه النّبي e يومًا في منامه، فقام يقصُّه على أمّنا عائشة الصديقة -رضي الله عنها-.. فتعالَوْا بنا لنجالسه ونتعلّم منه عند قدميه، نستمع إليه وهو يحكي.. فماذا رأى؟

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلّم: نِمْتُ، فَرَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ، فَسَمِعْتُ صَوْتَ قَارِئٍ يَقْرَأُ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا حَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ "فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " كَذَاكَ الْبِرُّ، كَذَاكَ الْبِرُّ " وَكَانَ أَبَرَّ النَّاسِ بِأُمِّهِ.. [أخرجه أحمد في مسنده]. فيا لروعة البر!! ويا لعظمة الوفاء مع الأبوين عامة ومع الأم خاصة!!

نعم إننا نتحدّث عن البر بالأمّهات.

ولم لا؟!!.. وقد عظّم اللهُ البرّ بالأُمّ وأجزل المثوبة على القيام بحقها..

أولا: لماذا البــر؟ ولماذا الأمّ؟

للأوامر الإلهية الواردة في كتاب الله تعالى بوجوب البرّ وحُسْن العشـرة للأبوين، قال تعالى: )وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا( [العنكبوت: 8]، وفي موضع آخر جعله قضاءً وحُكمًا ربانيًّا بقوله: )وَقَضَـى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا(، وقد ورد في الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه من حديث ابن مسعود أنّه سأل النبي يومًا، فقال له: أَيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إِلَى الله؟ قَالَ: «الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا»، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «ثُمَّ بِرُّ الوَالِدَيْنِ» قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «الجِهَادُ فِي سَبِيلِ الله» قَالَ: حَدَّثَنِي بِهِنَّ، وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي... وفي هذا النّصّ النبوي الكريم لطيفة كريمة، توضح لنا أن أفضل العلائق الإيمانية التي تربط الإنسان بربه وتشدّه إليه هي الصلاة؛ لما فيها من توجّه لله وحده، وكان أمثل الروابط الاجتماعية، وأولاها بتقدير الإنسان وعنايته، هي صلته بوالديه، فهما أحق الناس ببرّه وإحسانِه..
زيادةُ حضّ الشَّريعةِ على الاهتمام بالأمّ خاصّة؛ لعظيم فضلها، وجميل أثرها، ولجميل عطائها، ولضعفها البنيانيّ،
يقول تعالى: )وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ( [لقمان: 14]. فهي الأم التي حملت ووضعت وأرضعت وتعبت وسهرت؛ فمضت أوقاتها كرها بعد كُرْه، قال عزّ وجلّ: )وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا( [الأحقاف: 15]. وفي الحديث كما عند البخاريّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ e فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: «أُمُّكَ» قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أُمُّكَ» قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أُمُّكَ» قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَبُوكَ».. فهي المُقَدَّمَةُ على غيرها..
لكثرة ما يرد من شكاوى في عقوق الأبناء بالأمهات أكثر من الآباء، وهذا مما عظّمت الشـريعة جُرْمَه وعقوبته على فاعله؛ فقد ورد في الحديث: عند البخاري عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ: عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ، وَوَأْدَ البَنَاتِ، وَمَنَعَ وَهَاتِ، وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ المَالِ".. وهي من أمّهات الكبائر؛ فعن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن أكبر الكبائر عُقُوقُ الوالديْن"، قال: قيل: وما عقوق الوالدين؟، قال: "يَسبُّ الرجل الرجلْ فَيَسُبُّ أباه، ويسبُّ أُمَّه فيسبُّ أمَّه".
لِعِظَم الثواب الذي أعدّه الله تعالى للبارّين بآبائهم وأمهاتهم في الدنيا والآخرة، ولا شك أننا أحوج ما نكون إلى كرم الله وعطفه علينا في زماننا الذي امتلأ بالكثير من الكُرُبَات، وقد قرأت قصصًا كثيرةً لبارِّين بأمهاتهم خاصة، قد منّ الله عليهم في الدنيا بالستر والعافية ومحبة الناس، فإذا عُدتُ إلى زماننا رأيت العجب العُجَاب بزيادة نسبة العقوق، وكثرة منكري الفضل للآباء والأمّهات..
لأنّ البرّ بالأمّ سبب عظيم من أعظم أسباب دخول الجنّة، فعَنْ مُعَاوِيَةَ السُّلَمِيِّ، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ الله eفَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ أَرَدْتُ الْجِهَادَ مَعَكَ، أَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ. قَالَ: "وَيْحَكَ! أَحَيَّةٌ أُمُّكَ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: "ارْجِعْ فَبَرَّهَا". ثُمَّ أَتَيْتُهُ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أَرَدْتُ الْجِهَادَ مَعَكَ، أَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، قَالَ: "وَيْحَكَ! أَحَيَّةٌ أُمُّكَ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "فَارْجِعْ إِلَيْهَا فَبَرَّهَا". ثُمَّ أَتَيْتُهُ مِنْ أَمَامِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ أَرَدْتُ الْجِهَادَ مَعَكَ، أَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ. قَالَ: وَيْحَكَ! أَحَيَّةٌ أُمُّكَ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "وَيْحَكَ! الْزَمْ رِجْلَهَا، فَثَمَّ الْجَنَّةُ".
البرّ يعني رضا الأبوين، ورضاهما سبب مؤكّد لرضا الرب العليّ جل في عُلاه، ففي الحديث: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «رِضَى الرَّبِّ فِي رِضَى الوَالِدِ، وَسَخَطُ الرَّبِّ فِي سَخَطِ الْوَالِدِ».
الأم هي مناط التضحية، ومصدر الرحمة، ونبع الحنان، ولا أحد من الناس أشدّ رحمة، ولا أكثر خوفًا من الأُمِّ على ولَدِها، وفي قصة إسماعيل وأُمِّه -عليهما السلام- تظهر رحمة الأُمِّ وشفقتها حين نَفِد ماؤها، وجَفَّ لبنُها، وخشيتْ على رضيعها، ولم تُطِق النظرَ إليه وهو يتألَّم من الجوع، فهامتْ في جبال مكةَ تبحث عن الماء، وكانتْ في كلِّ صعود وهبوط على الصفا والمروة تعود لرضيعها؛ لتطْمَئِنَّ عليه..
البر سبب رئيس من أسباب تفريج الكربات والشدائد، كما في حديث الثلاثة الذين اضطروا لدخول غار في يوم شديد المطر وانحدرت عليهم صخرة وأغلقت باب الغار، فلم يخرجهم إلا الدعاء واللجوء إلى الله بعمل صالح، وكان من بين العمل الصالح الذي قدّمه أحدهم بره بأبيه وأمّه..
ويظهر مما سبق: أنّ الإسلام العظيم قد أوْلَى الصلة والبرّ بين الآباء والأبناء اهتمامًا كبيرًا، واعتنى بتأسيس تلك العلاقات بأسس متينة، تتميز بها الرسالة الإسلامية على غيرها من التشريعات والقوانين البشرية.

ثانيًا: هكذا كان البرّ في حياتهم:

لقد امتلأت صفحات تاريخ الإسلام من لدن آدم عليه السلام إلى زماننا هذا بكثير من النماذج التي سلكت طريق البرّ في حياتها، فكافأها الله تعالى وحفظها بحفظه بسبب برّهم بأمهاتهم وآبائهم.. وهذه نماذج لا يليق بنا ونحن نتكلم عن البر بالأمهات أن نغادرهم قبل أن نذكرهم بما كانوا عليه..

سيدنا عيسى المسيح u، يقول بنفسه عن نفسه في سورة مريم: )وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا( [مريم: 32]، فمنذ لحظات طفولته يربيه ربُّه على البر بأمّه، التي تعبت من أجله، ولا يتنكّر لها. ولا ننسى أنّ الله امتدح يحيى بن زكريا -عليهما السلام- بأنه كان بارًّا بأبويه.. كما كان سيدنا نوح uيدعو ويطلب المغفرة له ولوالديه، يقول تعالى -حاكيا دعاء نوح- وهو يدعو قائلاً )رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ( [نوح: 28]..
سيدنا محمد الحبيب r مات أبوه ولم تكتحل عيناه برؤية أبيه، وماتت أمه وهو لا زال ابن السادسة من عمره، ولمّا كبُر سنُّه استأذن ربّه أن يزور قبرها، فبينما هو عند الأبواء -مكان دفن أمّه- عام الحديبية ومعه ألفًا من أصحابه، زارَ قبرها، وأخذَ يبكِي، ومن شِدّةِ بكائه بَكَى معه أصحابه.
كان أبو هريرة t لا يخرج من البيت إلا ويستأذن من أمّه، ويطلب دعاءها، وكان يبادلها الدعاء باستمرار. واسمحوا لي أن نتأمّل ما قاله أبو مُرّة مولى أم هانئ بنت أبي طالب في شأن بِرّ أبي هريرة، قَالَ: كُنْتُ أَرْكَبُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ t إِلَى أَرْضِهِ بِالْعَقِيقِ-موضعٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ أَرْبَعَة أَمْيَال- فَإِذَا دَخَلَ أَرْضَهُ صَاحَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: عَلَيْكِ السَّلاَمُ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ يَا أُمَّتَاهُ، تَقُولُ: وَعَلَيْكَ السَّلاَمُ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، يَقُولُ: رَحِمَكِ اللهُ , رَبَّيْتِنِي صَغِيرًا، فَتَقُولُ: يَا بُنَيَّ، وَأَنْتَ فَجَزَاكَ اللهُ خَيْرًا وَرَضِيَ عَنْكَ كَمَا بَرَرْتَنِي كَبِيرًا.
حارثة بن النعمان البارّ بأمّه الذي سَمِع النبيُّ صوته في الجنة وهو يقرأ القرآن، وقال: كذاك البرّ. وحدّثتنا كتب التراجم أنه كان يغسل رجليها ويحملها إلى الخلاء..
أويس القرني هذا الصالح اليمنيّ، الذي بشّـر النبي وأخبر أنه سيأتي على الناس، وأوصى عمر بأن يطلب دعاءه إذا رآه، وأن يستغفر له؛ فقد كان بارًّا بأمّه. يروى مسلم في صحيحه في فضائل أويس القرني عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أُسَيْرِ بْنِ جَابِرٍ، أَنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ وَفَدُوا إِلَى عُمَرَ، وَفِيهِمْ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ يَسْخَرُ بِأُوَيْسٍ، فَقَالَ عُمَرُ: هَلْ هَاهُنَا أَحَدٌ مِنَ الْقَرَنِيِّينَ؟ فَجَاءَ ذَلِكَ الرَّجُلُ فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَ: «إِنَّ رَجُلًا يَأْتِيكُمْ مِنَ الْيَمَنِ يُقَالُ لَهُ أُوَيْسٌ، لَا يَدَعُ بِالْيَمَنِ غَيْرَ أُمٍّ لَهُ، قَدْ كَانَ بِهِ بَيَاضٌ، فَدَعَا اللهَ فَأَذْهَبَهُ عَنْهُ، إِلَّا مَوْضِعَ الدِّينَارِ أَوِ الدِّرْهَمِ، فَمَنْ لَقِيَهُ مِنْكُمْ فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ».. وفي رواية عند مسلم أيضًا من حديث عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ خَيْرَ التَّابِعِينَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أُوَيْسٌ، وَلَهُ وَالِدَةٌ وَكَانَ بِهِ بَيَاضٌ فَمُرُوهُ فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ»..
وقد جاء في رواية ثالثة تبيّن سبب حب الله ورسوله له، وهو بِــرّه بأمّه؛ ففي الحديث: عَنْ أُسَيْرِ بْنِ جَابِرٍ، قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِذَا أَتَى عَلَيْهِ أَمْدَادُ أَهْلِ الْيَمَنِ، سَأَلَهُمْ: أَفِيكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ حَتَّى أَتَى عَلَى أُوَيْسٍ فَقَالَ: أَنْتَ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مِنْ مُرَادٍ ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَكَانَ بِكَ بَرَصٌ فَبَرَأْتَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: لَكَ وَالِدَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ، مِنْ مُرَادٍ، ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ» فَاسْتَغْفِرْ لِي، فَاسْتَغْفَرَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: الْكُوفَةَ، قَالَ: أَلَا أَكْتُبُ لَكَ إِلَى عَامِلِهَا؟ قَالَ: أَكُونُ فِي غَبْرَاءِ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيَّ...

وقد امتلأت كتب التاريخ والسير والتراجم بأمثلة لأبناء كان الواحد منهم يغسل رأس أمّه، وآخر يدخلها الخلاء، وآخر يغسل رجليها، وآخر يعمل على تدفئتها ليلا حتى الصباح في الليالي الباردة، وآخر ما كان يمدّ يده إلى طعام نظرت إليه أمّه يخشى أن يأكله فيكون قد عقّها بذلك، وآخر لما ارتفع صوته يومًا وأمه تناديه أعتق رقبتين تكفيرًا عن علوّ صوته، وهذا آخر محمد بن المنكدر كان يسهر الليل يدلك قدمَ أمّه ويلينها ويؤانسها، وهذا حيوة بن شريح -وهو أحد أئمة المسلمين- يقعُد في حلقته يُعلِّم التلاميذ، فتقول له أُمُّه: قُم يا حيوة فألقِ الشعير للدجاج، فيقوم ويترك المجلس..

هكذا كان برّهم.. فلتكن تلك النماذج شمعة مضيئة لنا في طريق البر بالآباء والأمّهات..

ثالثًا: كيف يكون البر في الحياة وبعد الممات؟

إن البر بالآباء والأمّهات لا ينقطع بوفاتهما -أيها الإخوة-، ودعونا نتوقّف عند صور البر في حال حياتهما أولا، ثم نتحدّث عن البر بهما بعد مماتهما..

ومن صور البر المطلوب في حال حياتهما، فيكون بالتالي:

عدم التأفُّف من خطابهما أو الحديث إليها، وعدم إظهار التضجّر أبدًا، ولا تقع في نهرهما أو رفع الصوت عليهما؛ يقول تعالى: )فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا( وكان ابن عباس يقول: والله لا أعلم عملا أحب إلى الله من بر الوالدة..
القول الكريم في خطابهما، قال عزّ وجلّ: )وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا(، فاختر أخي الحبيب ألطف العبارات وألينها وأجملها وأحسنها وأرقها عند حديثك إلى أبويك.
خفض الجناح لهما، ولتواضع بين أيديهما، وعدم التكبر عليهما بأي شيء وصلت إليك، أو قل: وصلَ إليك؛ فهما سبب وجودك بعد الله، قال تعالى: )وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ(
الدعاء لهما باستمرار بأن يطيل الله أعمارهما في الخير وأن يرزقهما القبول والغفران، قال تعالى: )وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا(...
الحرص على سُمعتهما؛ فلا تفعل ما يسيئ إليهما من قول أو فعل، أو أن تكون سببًا في لعنهما والدعاء عليهما..
مساعدتهما في أعمال المنزل والتخفيف عنهما من أعباء الحياة؛ انظر إلى رسول الله وكان في مهنة أهله.
الأخذ برأيها وقبول مشورتها، والابتعاد عن الدخول في جدال لا فائدة من ورائه معها.
إدخال السعادة والسرور عليهما بهدية، أو تجميل منزلهما، أو شراء شيء يسعدهما؛ فابحث عمّا يُسْعِدهما وفتّش وستجد، وتذكر أن أفضل العبادة بعد الفريضة سرور تدخله على نفس مسلم، فكيف بالأبوين؟!
كما أن من صور البر بعد موتهما

ما ورد في الحديث: عند أبي داوود والحاكم والبخاري في الأدب المفرد عن أبي أُسَيدِ مالكِ بنِ ربيعة السَّاعدىِّ، قال: بينا نحنُ عندَ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- إذ جاءهُ رجل مِن بني سَلِمةَ، فقال: يا رسولَ الله eهل بقي مِن بِرِّ أبوَىَّ شيٌ أبَرُهما به بعدَ موتهما؟ قال: ((نعم:

الصلاةُ عليهما،
والاستغفارُ لهما،
وإنفاذُ عهدِهِما من بعدِهِمَا،
وصِلَةُ الرحِمِ التي لا توصَلُ إلا بهما،
وإكرامُ صَدِيقِهما))..
فأول الصلة لهما بعد وفاتهما: الصلاة عليهما، قالوا: أي صلاة الجنازة، وقيل: هو الدعاء لهما.
وثاني صور الصلة: الاستغفار الدائم لهما بقولك ((رب اغفر لي ولوالديّ)).
وثالثها: إنفاذ عهدهما الذي كانا عليه في حال الدنيا من عمل نافع وصالح للنفس وللغير وللمجتمع كله.
ورابع صور الصلة لهما بعد الموت: صلة رحمهما، كالأعمام والأخوال، والعمات والخالات.
وأما خامس ما ورد في الحديث (إكرام صديقهما)، فصديق الأب، وصديقة الأم، لهم حق الوُدّ،؛ إكراما للأب والأم؛ بحيث إذا رآك صديق والدك بأدبك وصلتك دعا لك ولمن أدّبَك وربّاك... فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلاً من الأعراب لقيه بطريق مكة، فسلَّم عليه عبد الله بن عمر وحمله على حمار كان يركبه، وأعطاه عمامة كانت على رأسه .قال ابن دينار : فقلنا له : أصلحك الله ! إنهم الأعراب، وهم يرضون باليسير، فقال عبد الله بن عمر : إنَّ أبا هذا كان ودًّا لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنَّ أبرَّ البرِّ صلة الولد أهل ودِّ أبيه)) [رواه مسلم في صحيحه].
استثمروا وجود الأمهات، وكونوا أوفياء لها بعد موتها، وانشغل بالدعاء لها...

إلى كل من قصّر في حق أمّه، لن تعرف قدرها وعِظم تلك النعمة إلا إذا فقدتها.. وحينها ستصرخ وتقول:

أُمّاه أنيـني مـرتـفـع *** يسمعـه القاصي والدانـي
أماه ذكرتك غائبة *** فسئمت زماني ومكاني
أعياني رسمك في ذهني *** وجـهاً يستجمع أحزاني
يا ملك الموت أما تدري *** من بعدك هُدّت أركاني
وحبال البعد تحاصرني *** وتشدّ وثاق الحرمان
سأبرك أمي فاقتربي *** فالدمعة تحرق أجفاني
أماه تعالي مسرعة *** كي أشعر يوما بحنان
أو فابن عندك لي قبراً *** كي أدخل كهف النسيان
عجباً أماه لمن يبدي *** للأم صنوف النكران
لو سلبوا يوماً بسمتها *** غنوا للبر بألحان
ندموا من فرط جهالتهم *** أن باعوا بالباقي الفاني
فالأم نعيـم يعـرفـه *** من جرب يوماً حرمان


أعاننا الله وإياكم على البر بأمهاتنا في حال حياتهما وبعد مماتهما..

ورزقنا الله وإياكم بر أبنائنا لنا في حال حياتنا وبعد مماتنا..

اضافة تعليق