Advertisements

قوم هود.. العمالقة الذين أهلكهم الله في 8 أيام لم تر الأرض لها مثيلاً

الثلاثاء، 05 مارس 2019 06:04 م
قوم هود.
البعض يقول ان قبر نبي الله هود في هذا المكان بحضرموت باليمن

عقب الطوفان الذي حدث لقوم سيدنا نوح عليه السلام لم يبقى على الأرض سوى المؤمنون الذين نجاهم الله في السفينة مع سيدنا نوح ، وبعد أن توفاه الله نشأت أقوام متعددة ونسوا التوحيد وأشركوا بالله وبدأوا يعودون إلى عبادة الأوثان.
فقد قال أحفاد قوم نوح، لا نريد أن ننسى آبائنا الذين نجاهم الله من الطوفان، وصنعوا للناجين تماثيل ليذكروهم بها، وتطور هذا التعظيم جيلا بعد جيل، فإذا الأمر ينقلب إلى العبادة، وإذا بالتماثيل تتحول بمكر من الشيطان إلى آلهة قام الناس بعبادتهم مع الله، وعادت الأرض تشكو من الظلام مرة ثانية، وأرسل الله سيدنا هودا إلى قومه، وهم قوم عاد الذين عبدوا الأصنام وأشركوا بالله.
من هم قوم عاد؟
كان قوم عاد يعيشون عيشة رخاء في مكان بالجزيرة العربية يسمى "الأحقاف"، وتقع تحديداً بين دولتي اليمن وعُمان، والأحقاف هي جمع حِقف، والحِقف هو ما استطال من المرتفعات الرملية واعوَجّ شكله ويكاد أن يكون جبلاً.
أما مساكنهم فكانت خياما كبيرة لها أعمدة شديدة الضخامة والارتفاع، وكان قوم عاد أعظم أهل زمانهم في قوة الأجسام، والطول والشدة.. كانوا عمالقة وأقوياء، فكانوا يتفاخرون بقوتهم. فلم يكن في زمانهم أحد في قوتهم. ورغم ضخامة أجسامهم، كانت لهم عقول مظلمة، كانوا يعبدون الأصنام، ويدافعون عنها، ويحاربون من أجلها.
وقد أنعم الله عليهم بآلاء ونعم كثيرة لاتعد ولا تحصى، منها نعمة الأرض التي يعيشون عليها، فقد كانت أراضيهم تنبت لهم المحاصيل الوفيرة ، وأيضاً نعمة الصحة والقوة فقد كانت أجسامهم طويلة وضخمة، فقد أنعم الله عليهم بالنعم التي لم يحصل عليها أحد من الأمم السابقة.
و لكنهم  لم يحمدوا الله ويشكروه على هذه النعم ، وقابلوها بالجحود والنكران لها، فقد كانوا لا يعبدون الله عز وجل، و قاموا بعبادة الأصنام كما فعل قوم نوح من قبل، ولم يكتفوا بهذا بل قاموا بإفساد الأرض وانتشرت بينهم العداوة والبغضاء، فأرسل الله إليهم نبيه هود عليه السلام.
و كان هود عليه السلام رجلاً فاضلاً في قومه، كان أرجح قومه عقلاً، وأمره الله أن يذهب برسالته إلى قوم عاد ، وذهب إليهم وقال لهم انه نبي من الله وقد جاء لهدايتهم. وقال لهم أن هناك إلهاً واحداً للكون وليس هناك غيره وهو الذي يجب أن تعبدوه وتتجهوا إليه بالدعاء طالبين منه الهداية، فالأصنام التي تعبدوها لا تنفع  ولا تضر، فمن آمن وعمل صالحاً كافأه الله بالجنة ومن كفر به فعقابه جهنم وبأس المصير، وقد حذرهم من إغلاق آذانهم عن الحق والاستماع إلى ما يقوله حتى لا يصيبهم مثل ما أصاب قوم نوح عليه السلام.

حوار بين هود وقومه
قال لهم هود نفس الكلمة التي يقولها كل رسول. لا تتغير ولا تنقص ولا تتردد ولا تخاف ولا تتراجع. كلمة واحدة هي الشجاعة كلها، وهي الحق وحده (يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ).
وسأله قومه: هل تريد أن تكون سيدا علينا بدعوتك؟ وأي أجر تريده؟
إن هذه الظنون السيئة تتكرر على ألسنة الكافرين عندما يدعوهم نبيهم للإيمان بالله وحده. فعقولهم الصغيرة لا تتجاوز الحياة الدنيوية، ولا يفكرون إلا بالمجد والسلطة والرياسة.
أفهمهم هود عليه السلام أن أجره على الله، إنه لا يريد منهم شيئا غير أن يغسلوا عقولهم في نور الحقيقة، حدثهم عن نعمة الله عليهم، كيف جعلهم خلفاء لقوم نوح، كيف أعطاهم بسطة في الجسم، وشدة في البأس، كيف أسكنهم الأرض التي تمنح الخير والزرع. كيف أرسل عليهم المطر الذي يحيى به الأرض. وتلفت قوم هود حولهم فوجدوا أنهم أقوى من على الأرض، وأصابتهم الكبرياء وزادوا في العناد.
قالوا لهود: كيف تتهم آلهتنا التي وجدنا آباءنا يعبدونها؟
قال هود: كان آباؤكم مخطئين.
قال قوم هود: هل تقول يا هود إننا بعد أن نموت ونصبح ترابا يتطاير في الهواء، سنعود إلى الحياة؟
قال هود: ستعودون يوم القيامة، ويسأل الله كل واحد فيكم عما فعل.
انفجرت الضحكات بعد هذه الجملة الأخيرة. ما أغرب ادعاء هود، هكذا تهامس الكافرون من قومه. إن الإنسان يموت، فإذا مات تحلل جسده، فإذا تحلل جسده تحول إلى تراب، ثم يهب الهواء ويتطاير التراب. كيف يعود هذا كله إلى أصله؟! ثم ما معنى وجود يوم للقيامة؟ لماذا يقوم الأموات من موتهم؟
استقبل هود عليه السلام كل هذه الأسئلة بصبر كريم، ثم بدأ يحدث قومه عن يوم القيامة.. أفهمهم أن إيمان الناس بالآخرة ضرورة تتصل بعدل الله، مثلما هي ضرورة تتصل بحياة الناس. قال لهم ما يقوله كل نبي عن يوم القيامة، إن حكمة الخالق المدبر لا تكتمل بمجرد بدء الخلق، ثم انتهاء حياة المخلوقين في هذه الأرض، إن هذه الحياة اختبار، يتم الحساب بعدها، فليست تصرفات الناس في الدنيا واحدة، هناك من يظلم، وهناك من يقتل، وهناك من يعتدي.. وكثيرا ما نرى الظالمين يذهبون بغير عقاب، كثيرا ما نرى المعتدين يتمتعون في الحياة بالاحترام والسلطة. أين تذهب شكاة المظلومين؟ وأين يذهب ألم المضطهدين؟ هل يدفن معهم في التراب بعد الموت؟.

واستمر قود عاد على عنادهم وتمسكهم بعبادة الأصنام، ومرت الأيام والشهور والسنين، وزادوا استكبارا وعنادا وطغيانا وتكذيبا لنبيهم. وبدئوا يتهمون "هودا" عليه السلام بأنه سفيه مجنون.
قالوا له يوما: لقد فهمنا الآن سر جنونك، إنك تسب آلهتنا وقد غضبت آلهتنا عليك، وبسبب غضبها صرت مجنونا.
ولم يغضب نبي الله هود من أنهم يظنون به الجنون والهذيان، ولكنه توقف عند قولهم: (وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ).
بعد هذا التحدي لم يبق لهود إلا التحدي. لم يبق له إلا التوجه إلى الله وحده. لم يبق أمامه إلا إنذار أخير ينطوي على وعيد للمكذبين وتهديدا لهم.. ويقص القرآن الكريم هذا المشهد فيقول الله عز وجل:
إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللّهِ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (56) فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (57) (هود)
وبهذا الإيمان بالله، والثقة بوعده، والاطمئنان إلى نصره.. يخاطب هود الذين كفروا من قومه. وهو يفعل ذلك رغم وحدته وضعفه، لأنه يقف مع الأمن الحقيقي ويبلغ عن الله. وهو في حديثه يفهم قومه أنه أدى الأمانة، وبلغ الرسالة. فإن كفروا فسوف يستخلف الله قوما غيرهم، سوف يستبدل بهم قوما آخرين. وهذا معناه أن عليهم أن ينتظروا العذاب.
هلاك عاد
وهكذا أعلن هود لهم براءته منهم ومن آلهتهم. وتوكل على الله الذي خلقه، وأدرك أن العذاب واقع بمن كفر من قومه. هذا قانون من قوانين الحياة. يعذب الله الذين كفروا، مهما كانوا أقوياء أو أغنياء أو جبابرة أو عمالقة.
انتظر هود وانتظر قومه وعد الله، وبدأ الجفاف في الأرض، لم تعد السماء تمطر، وهرع قوم هود إليه. ما هذا الجفاف يا هود؟ قال هود: إن الله غاضب عليكم، ولو آمنتم فسوف يرضى الله عنكم ويرسل المطر فيزيدكم قوة إلى قوتكم. وسخر قوم هود منه وزادوا في العناد والسخرية والكفر. وزاد الجفاف، واصفرت الأشجار الخضراء ومات الزرع، وجاء يوم فإذا سحاب عظيم يملأ السماء، وفرح قوم هود وخرجوا من بيوتهم يقولون: (هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا).
تغير الجو فجأة. من الجفاف الشديد والحر إلى البرد الشديد القارس، بدأت الرياح تهب، ارتعش كل شيء، ارتعشت الأشجار والنباتات والرجال والنساء والخيام، واستمرت الريح. ليلة بعد ليلة، ويوما بعد يوم، كل ساعة كانت برودتها تزداد.
وبدأ قوم هود يفرون، أسرعوا إلى الخيام واختبئوا داخلها، اشتد هبوب الرياح واقتلعت الخيام، واختبئوا تحت الأغطية، فاشتد هبوب الرياح وتطايرت الأغطية، كانت الرياح تمزق الملابس وتمزق الجلد وتنفذ من فتحات الجسم وتدمره، ولا تكاد الريح تمس شيئا إلا قتلته ودمرته، وجعلته كالرميم.
واستمرت الرياح مسلطة عليهم سبع ليال وثمانية أيام لم تر الدنيا مثلها قط، ثم توقفت الريح بإذن ربها. لم يعد باقيا ممن كفر من قوم هود إلا ما يبقى من النخل الميت، مجرد غلاف خارجي لا تكاد تضع يدك عليه حتى يتطاير ذرات في الهواء.
ونجا هود عليه السلام ومن آمن معه.. وأهلك الله قوم عاد الذين تجبروا في الأرض وأشركوا بالله ، وهذه نهاية عادلة لمن يتحدى الله ويستكبر عن عبادته.
 وبعد هلاك الكافرين من قومه، لحق النبي هود عليه السلام ومن آمن معه بمكة فلم يزالوا بها حتى ماتوا. 
    وكانت أعمار قوم هود عليه السلام بحدود اربعمائة سنة. وتوفي النبي هود عليه السلام وله من العمر مائة وخمسين سنة .
  و اختلف في موضع قبر هود عليه السلام فقيل : انه بغار بحضرموت ، وروي المؤرخون عن ، وقيل أيضاً أنه دفن في مكة في حجر اسماعيل أو بالقرب من مكان بئر زمزم.

اضافة تعليق