"لو رفع حجرًا لوجد تحته ذهبًا".. للرزق أسباب أخرى عرفها هذا الصحابي

الثلاثاء، 05 مارس 2019 10:50 ص
لو رفع حجرا لوجد تحته ذهبا

"لقد رأيتُني لو رفعتُ حجرًا لوجدتُ تحته فضة وذهبا".. كلمات خالدة للصحابي الجليل أحد المبشرين بالجنة، عبد الرحمن بن عوف وهو يتحدث عن نفسه، والفضل الذي من الله به عليه؛ حيث كان بن عوف من أكثر الصحابة الكرام ثراءً وبذلًا واجتهادًا.

عاش عبد الرحمن بن عوف مناصرًا للنبي صلى الله عليه وسلم محبًّا له ولدينه، لم تمنعه أمواله الكثيرة من أن يكون واحدًا من العشرة الذين بشَّرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنهم من أهل الجنَّة.

ولد عبد الرحمن بن عوف قبل عام الفيل بعشر سنين، وأسلم قبل أن يدخل الرسول صلى الله عليه وسلّم دار الأرقم بن أبي الأرقم، وكان أحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، وأحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر الصديق، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة الذين اختارهم عمر ليخلفوه في إمارة المؤمنين، وكان أغنى أغنياء الصحابة.
كان لإسلام عبد الرحمن بن عوف قصة يرويها بنفسه؛ حيث يقول: "سافرت إلى اليمن قبل المبعث بسنة، فنزلت على شيخ كبير مُدَّ له في العمر، وكنت إذا قدمت نزلت عليه، فلا يزال يسألني عن مكة وأحوالها، وهل ظهر فيها من خالف دينهم، أو لا؟ حتى قدمت المرَّة التي بُعث النبيُّ صلّى الله عليه وآله وسلَّم وأنا غائب فيها، فنزلت عليه فقال لي: اذكر نسبَك في قريش، فقلت: أنا عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة. قال: حسبُك. قال: ألا أبشِّرك ببشارة، وهي خير لك من التجارة؟ قلت: بلى، قال: إن الله قد بعث من قومك نبيًّا ارتضاه صفيًّا، وأنزل عليه كتابًا وفيًّا، ينهى عن الأصنام، ويدعو إلى الإسلام، يأمر بالحقِّ ويفعله، وينهى عن الباطل ويبطله، وهو من بني هاشم، وإنَّ قومَك لأَخْوَاله، يا عبد الرحمن، وازِرْهُ وصَدِّقه. قال عبد الرّحمن: فقدمت، فلقيت أبا بكر رضي الله عنه، وكان لي خليطًا، فأخبرته الخبر، فقال: هذا محمد بن عبد الله، قد بعثه الله إلى خلقه رسولًا؛ فذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأعلن إسلامه.


ونال سيدنا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ما نال الصحابة الكرام من إيذاء المشركين، فاضطُرَّ إلى الهجرة خارج وطنه مكةَ مرتين؛ مرةً إلى الحبشة، ومرةً في المدينة؛ حيث استقرَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وحدَث أن آخى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين المهاجرين وبين الأنصار؛ تأسيسا للمجتمع المسلم على التكافل والتناصر والمحبة والإيثار، فآخى الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم بين عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، وسعد بن الربيع رضي الله عنه.


وحينما آخى رسول الله صلى الله عليه وسلّم بينه وبين سعد بن الربيع، فقال له سعد: أخي، أنا أكثر أهل المدينة مالا، فانظر شطر (نصف) مالي فخذه، ولي امرأتان، فانظر أيتهما أعجب إليك حتى أطلقها لك، فقال عبد الرحمن بن عوف: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلوني على السوق. فدلوه على السوق، فاشترى، وباع، فربح كثيرًا.


هاجر عبد الرحمن بن عوف إلى الحبشة مرتين، وكان -رضي الله عنه- فارسًا شجاعًا، ومجاهدًا قويًّا، شهد بدرًا وأحدًا والغزوات كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وقاتل يوم أحد حتى جرح واحدًا وعشرين جرحا، وأصيبت رجله فكان يعرج عليها.


بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى دومة الجندل، وعممه بيده الشريفة وسدلها بين كتفيه، وقال له: «إذا فتح الله عليك فتزوج ابنة شريفهم». فقدم عبد الرحمن دومة الجندل فدعاهم إلى الإسلام فرفضوا ثلاثًا، ثم أسلم الأصبع بن ثعلبة الكلبي، وكان شريفهم فتزوج عبد الرحمن ابنته تماضر بنت الأصبع، فولدت له أبا سلمة ابن عبد الرحمن. [ابن هشام].

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلّم يدعو له، ويقول: «اللهم اسق عبد الرحمن بن عوف من سلسبيل الجنة» [أحمد].


وكان عبد الرحمن بن عوف تاجرًا ناجحًا، كثير المال، وكان عامة ماله من التجارة، وعرف بكثرة الإنفاق في سبيل الله، أعتق في يوم واحد ثلاثين عبدًا، وتصدق بنصف ماله على عهد الرسول .


وأوصى بخمسين ألف دينار في سبيل الله، وأوصى لمن بقي من أهل بدر لكل رجل أربعمائة دينار، وكانوا مائة فأخذوها، وأوصى بألف فرس في سبيل الله.
وكان الرسول صلى الله عليه وسلّم يخاف على عبد الرحمن بن عوف من كثرة ماله، وكان يقول له: «يا بن عوف، إنك من الأغنياء، ولن تدخل الجنة إلا زحفًا، فأقرض الله يطلق لك قدميك»، فقال عبد الرحمن: فما أقرض يا رسول الله؟ فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقال: «أتاني جبريل، فقال لي: مره فليضف الضيف، وليعط في النائبة والمصيبة، وليطعم المسكين» [الحاكم]، فكان عبد الرحمن يفعل ذلك.


 ورغم ما كان فيه ابن عوف -رضي الله عنه- من الثراء والنعم، فقد كان شديد الإيمان، محبا للخير، غير مقبل على الدنيا. وذات يوم أتى بطعام ليفطر، وكان صائمًا فقال: قتل مصعب بن عمير وهو خير مني، فكفن في بردته، إن غطى رأسه بدت رجلاه، وإن غطى رجلاه بدا رأسه، ثم قال: وقتل حمزة، وهو خير مني، ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط، وأعطينا منها ما أعطينا، وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام. وذات يوم، أحضر عبد الرحمن لبعض إخوانه طعامًا من خبز ولحم، ولما وضعت القصعة بكى عبد الرحمن، فقالوا له: ما يبكيك يا أبا محمد؟ فقال: مات رسول الله صلى الله عليه وسلّم ولم يشبع هو وأهل بيته من خبز الشعير، ولا أرانا أخرنا لما هو خير لنا.
روت الأخبار أنه تصدَّق بشطر ماله على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم تصدق بأربعين ألف دينار، ثم حمل على خمسمائة فرس في سبيل الله، وخمسمائة راحلة، وقد باع يومًا أرضًا بأربعين ألف دينار فرّقها جميعًا على أهله من بني زُهرة، وأمهات المسلمين، وفقراء المسلمين، ورُوي أنه أعتق ثلاثين ألف بيتٍ فكان طلحة بن عبد الله بن عوف رضي الله عنه يقول: "كان أهل المدينة عيالًا على عبد الرحمن بن عوف؛ ثلث يقرضهم ماله، وثلث يقضي دينهم، ويصل ثلثًا. وحين وفاته أوصى بخمسين ألف دينار في سبيل الله، فكان الرجل يعطى منها ألف دينار، وأَوصى لمن بقي من أهل غزوة بدر، لكل رجل أَربعمائة دينار، وكانوا مائة، فأَخذوها، وأَخذها عثمان فيمن أَخذ، وأَوصى بأَلف فرس في سبيل الله"!


ولما تولى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- الخلافة سنة (13 هـ)، بعث عبد الرحمن بن عوف على الحج، فحج بالناس، ولما طعن عمر -رضي الله عنه-، اختار ستة من الصحابة ليختاروا من بينهم الخليفة، وكان عبد الرحمن بن عوف أحد هؤلاء الستة وكان ذا رأي صائب، ومشورة عاقلة راشدة، فلما اجتمع الستة قال لهم: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة نفر فتنازل كل من الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص فبقي أمر الخلافة بين عبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب فقال عبد الرحمن: أيكم يتبرأ من الأمر ويجعل الأمر إلي، ولكما الله على أن لا آلو (أقصر) عن أفضلكم وأخيركم للمسلمين. فقالوا: نعم. ثم اختار عبد الرحمن عثمان بن عفان للخلافة وبايعه فبايعه علي وسائر المسلمين. وتوفي عبد الرحمن -رضي الله عنه- سنة (31هـ)، وقيل (32هـ) في خلافة عثمان بن عفان، ودفن بالبقيع.

اضافة تعليق